أضيف في 3 فبراير 2015 الساعة 19:05

وهم المعرفة عند العرب


حمودة إسماعيلي

حمودة إسماعيلي

 

بالقرون الوسطى، عندما اشتد عود الديانة المسيحية تحت سلطة الإيكليروس، لم تدّعي أنها الحقيقة، بل الخلاص : لقد اعترفت المسيحية ـ رغم حقارة ممارساتها المشينة ـ بوجود الحقائق والعلوم، ولم تنكر نفعها الدنيوي، غير أنها استبعدتها باعتبار أنها علوم شيطانية أي وسائل يغوي بها (الشيطان) أتباعه حتى لا يحققوا الخلاص. بذلك فمطارداتهم للعلماء ـ من ضمن ذلك الساحرات ـ إلا خوفا من تأثير العلوم الشيطانية بالحكمة الإلهية التي تُحقِّق الخلاص : متمثلة في أناجيل بولس وأصدقائه، وأتباعهم من القديسين ، الذين تم تحويل أروبا باسمهم لمجمّع كنسي كبير ـ شبيه بمجمعات السكن الاقتصادي حالياً.

 

اليهودية إذا أردنا أن نشير لها كذلك بالنسبة لهذا الوضوع، فهي لم تعترف فقط بأنها تمتلك الحقيقة، بل اعتبرت أن علاقة الرب بالإنسان محصورة فقط بينهم ـ شعب يختنون (قضيب) أطفالهم ـ وبين يهوه : إله غاضب يرغب بتأسيس دولة (روحية) بأي طريقة، وذلك سبب غضبه (أتباعه فسّروها بدولة جغرافية!). لذلك فكل ما هو غير يهودي، هو شيطاني، وهمي ـ طبعا اختلف الأمر بالنسبة لليهود المنفتحين عولميا، غير أن الأمر لايزال كذلك بجوهر العقيدة، وبالنسبة لمهووسي أساطير بني إسرائيل.

 

في الإسلام، نجد ديانة حصرية ترى في ما عداها لا أساس له من الصحة. من جهة أخرى، أن الحقيقة هي الإسلام والإسلام هو الحق : الأمر الذي سيؤدي بطبيعة الحال ـ حسب المفهوم اللغوي العربي ـ إلى أن ما عداه هو باطل. حتى الأحاديث (الملتبسة والغير صحيحة) عن طلب العلم ولو في الصين، واطلبو الحكمة ولو من أفواه المجانين، والعلم من المهد إلى اللحد : كل ذلك ليس بغرض زيادة المعارف، إنما بالأساس حتى يتم التأكيد على أن القرآن أو الحقيقة الإسلامية أفضل من تلك المقارنات جميعا. ماذا حدث نتيجة مثل هذه لأفكار ؟

 

ظهرت مجموعة من التخاريف الصبيانية، والتي يخجل الإنسان بسببها ليس فقط بالانتساب للإسلام، بل للعروبة، وهم تلك المجموعة المعاقة والتي تسعى للتجابه مع فيزيائيي نوبل ب"إعجازهم العلمي" : طبعا تفنيد نظرية كوانتمية بآية من سورة البقرة، لا تختلف عن محاولة شفاء ورم سرطاني بالحبة السوداء أو إنعاش اقتصاد مؤسسة مفلسة بدعاء جلب الرزق!

 

بالنسبة لجيل المثقفين من القرن الماضي، مرورا بحماس الجامعيين بالستينات والسبعينات، حتى اليوم : معرفتنا لا تستطيع الخروج عن كلام لا ينتهي عن الماضي : توظيف التراث العاطل عن العمل، لكن السؤال الجوهري هو "أين ؟". أين يجب توظيف التراث ؟ طبعا لأن المثقفين يخجلون من اعتبار أن التراث لا يصلح لشيء (ما يعني أنهم لا يصلحون لشيء) فيستمرون بذلك التهريج الاستعراضي السخيف على الصحفيين الأغبياء. نأتي للجيل الحالي، والذين يعتبرون الثقافة هي قراءة روايات باولو كويلو وأحلام مستغانمي أو واسيني الأعرج ـ كنصيحة مني (رغم أني أكره إعطاء النصائح) حينما تذكر هاته الأسماء على اعتبار أنك مثقف وتحب المطالعة : فأنت تبدو حقير وجد سخيف، أُذكر أسماء أخرى ولو بالكذب (حتى ولو لم تقرأ لها) كيوربيديس وأمبرتو إيكو وغارسيا ماركيز.. أو تحدث (كقلب للموضوع) عن الموسيقى، فكلام عن الأغاني يجعلك تبدو أفضل من تفاخرك بقرائتك لتلك النزوات السطحية !

 

لو اعتمدنا أفكار الإسلام كحقيقة، فإننا كأفضل صورة سنظهر بها لن تكون أكثر من "قريش تمتلك أنترنيت"! وداعش أكبر دليل كجماعة من قريش عجزت عن تصنيع لعبة شبيهة بكونتر سترايك Counter-Strike فقامت بلعبها بشكل جدّي (Xbox صنع إسلامي واقعي). بالنسبة لمن سيتشدق بالإمبراطوريات الإسلامية وما توصلت إليه : ذلك كان نتيجة الاستيلاء والاستفادة السياسية من مختلف المعارف المشرقية والفارسية والرومانية ونسبها لنبوة الجزيرة العربية!

 

يفتح العربي حسابا بموقع زوكربرغ، فيبدأ بتحميل صور الهولنديات والبرازيليات العاريات وهو يسب زوكربرغ (اعتقادا منه أن الموقع وسيلة للقضاء على الإسلام)، يستمني على تلك الصور، ثم ينام شبه راضياً وهو لا يعرف حتى كيف يمحي تلك الصور من هاتفه (إذا أراد)، أو من حاسوبه الذي لا يعرف اسمه بالضبط ـ أما عن تعليقاته الحقيرة المكبوتة، فلا تعليق! لا يزال الواحد منهم عاجزا عن وضع تعليق يتبث أن كاتبه إنسان وليس راكون !

 

تبدأ المعرفة، بمعرفة الأوهام، من ضمنها وهم المعرفة. أن تعرف، هو أن تدرك إلى أي درجة أنت واهم !


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حمودة إسماعيلي

, المغرب


تعليقاتكم

1- شكرا سي حمودة

ابو عمر

أولا سي حمودة المحترم اشكرك على هده الصراحة غير المعهودة...لكنك لو نظرت الى نفسك بقليل من الموضوعية لوجدت نفسك لا تقل مرضا وهوسا من هؤلاء الدين صنفتهم ولم ترقب فيهم إلا و لا دمة...من السهل إنتقاد الآخرين و إظهار عيوبهم للآخرين لكن من الصعب أن نكون شرفاء مع أنفسنا ونحاول ان نرى عيوبها ونعمل على ردعها و ردها الى الطريق السوي....اللهم أعنا على نفوسنا و أرنا عيوبنا...
النفوس عندما تكون مريضة تقرأ التاريخ من عين مفتاح أمراضها النفسية وترى الواقع كدلك من نفس الزاوية...الحامل للنظرات الحمراء يرى كل شيئ أحمر ...فالشخص الدي له مشكلة ما مع الإسلام أو العرب أو التاريخ فهو دائما يقرأ الأحداث التاريخية و المعاصرة من prisme موشور تلك المشكلة....نسأل الله تعالى العافية في ديننا ودنيانا....وشكرا مرة أخرى

في 06 فبراير 2015 الساعة 30 : 15

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق