أضيف في 29 نونبر 2014 الساعة 19:34

عذرا سادتي الغرقى، فما حظيتم بامتيازات النصارى!


أحمد حسيسو

قطَّعتْ مشاهدكم أكباد الملايين التي شعرت بقلوبكم ترتجي غوثا وقت الشدة القصوى، و تصرخ مستعطفةً بلا جدوى، فلا مغيث ولا  منقذ ولا نصير، ذرفت عيون المستضعفين دموعا غزيرة، إذ لا حول لهم و لا قوة، و لا يملكون لكم من الأمر شيئا و هم يشاهدون أزمتكم عبر الوسائل السمعية البصرية، و عيونُكم تتطلع إلى مخرج من الغم الأليم و فرج من الهم العظيم، وتنظر إلى السماء علها ترى طائرة مروحية ترسل حبال النجدة لمن تقطعت بهم السبل و انهارت القوى أمام جبروت السيول، لكن هيهات هيهات يا سادتي، فلستم من أبناء أوروبا و لا أمريكا و لا من بلاد العم سام، إنما أنتم من بلاد الإسلام، ما أمَرَّ هذا الكلام، نخوة الحكام ماتت و السلام !

لا يعلم أحد إلا الله ماذا كان يجول بخواطركم، و لا ما كان يدور من كلام بينكم و أنتم في ذاك الموقف المرعب، و على شفا الهلاك، و لا مدى حسراتكم و أنتم تغادرون هذه الدنيا الفانية، ذهبت معكم أسراركم و اختفت مع صعود أرواحكم إلى الرفيق الأعلى عالم السر و النجوى، غير أننا لا نستبعد إحساسكم بالغبن إذ لم تُعاملوا  في هذه البلاد، و أنتم أهلها و أحق ببِرِّها و بركتها، كما تم التعامل مع النصارى الأجانب في غير ما مرة و في غير ما موقف، حيث يتم استنفار القوى و الإمكانات التقنية و اللوجستيكية و البشرية المتاحة، لنجدتهم و بالسرعة القصوى، جنودٌ و أطباء و خبراء و آليات و طائرات مسخرة و مجهزة خوفا على روح سائح محاصر بالسيول أو  متسلق معلق بالجبال.

 مهلا سادتي الغرقى، و على رسلكم، فأنتم مجرد مغاربة فقراء، من يأبه بكم في عالم الجفاء، أنتم أبناء الدواوير المنسية في المغرب العميق المنكوب، لا من الأحياء الراقية في المغرب المحظوظ ! مغربكم يا سادتي، هذا الذي يستضيف في هذه الأيام لقاءا دوليا يسمى المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، لا يعير نظامه اهتماما لحق الإنسان في الكرامة و الحرية و العدالة، بقدر يهمه الاستحواذ على الجاه و المال، و الاستفراد بخيرات البلاد و امتصاص أرزاق العباد، و إلا فما الفرق بين كلميميٍّ و فاسيٍّ، و بين تنغيريِّ و رباطيٍّ، وبين ورزازيٍّ و بيضاويٍّ، حتى يُحاصَر الناس في الصحاري و الجبال والعزلة و الفقر و الخراب هنا بينما تبنى القناطر و الطرقات و البنية التحتية و تزين الأرصفة و الساحات هناك، وما الفرق بين ابن فلان و ابن فلان، حتى ينعم هذا بحياة المترفين و يشقى ذاك بعيش البؤساء.

بعيدا عن معاناتكم و آلامكم من اللا مساواة و من ظلم الفوارق الطبقية التي زادها التدبير المخزني الممنهج استفحالا، فنحن الآن بصدد قضية أدهى و أمر، هي استخفاف الدولة المغربية بمواطنيها في مقابل حزمها عندما يتعلق الأمر برعايا الدول العظمى، هل يستطيع حكامنا أن يعلنوا صراحة أنهم يرتجفون خوفا على استقرار الحكم إذا لم يرض عنهم الأسياد و أولياء النعمة، بينما لا تعبأ مشاعرهم و لا تهتز كراسيهم لنكبات المواطنين و لا لصرخات الثكالى و الأرامل و الأيتام؟

عذرا على تقصير الأمة المسكينة المأسورة في حقكم حتى لقيتم حتفكم، لو كان الأمر بيد خيارها تقوىً و علماً و تنظيماً و  تسييراً و تدبيراً، الذين يعلمون يقينا أن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة، أقول لو كان الأمر بمثل تلك الأيادي الطاهرة المتوضئة الخاشعة التي ترجو الله و الدار الآخرة، ما كان التعامل مع المواطنين هكذا، و ما كان التعامل مع الكوارث هكذا، وما كانت البنية التحتية للبلاد هكذا، و ما هلكتم هكذا، لكن قدر الله و ما شاء فعل، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، و إنا لله و إنا إليه راجعون، فلستم وحدكم من يذوق طعم الموت، بل الموت كأس و كل الناس شاربه لا محالة و إن اختلفت الأسباب،  و عند الله تجتمع الخصوم.

 إن كنتم سادتي الغرقى أهون على الحكام والمسؤولين من النصارى بمنطق الخوف و الهوان و المصالح و الحرص على الدنيا، فأنتم بحمد لله على دين محمد صلى الله عليه و سلم، و أنتم أشرف عند الله من اليهود و النصارى، و قد مَنَّ الله تبارك و تعالى الحنان المنان عليكم بكرامة الشهادة، إذ الغريق من صنف الشهداء، و أنتم أشرف إن شاء الله ممن خلفتموهم وراءكم على حياة الذل و الرضوخ و على عيشة الخضوع و الخنوع، نسأل الله تبارك و تعالى أن يرحمكم و ان يتقبلكم في عداد الشهداء و الصالحين، و أن يكشف الغمة عن سائر هذه الأمة، آمين و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، و له الحمد على كل حال.  


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


تعليقاتكم

1- الحقوق لا تضيع

نورالدين

بسم الله الرحمان الرحيم
تغمد الله موتانا ومفقودينا برحمته الواسعة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
 ( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ  ) رواه مسلم  ( 2582  ) والجلحاء : التي لا قرن لها .
وروى أحمد في "المسند"  (5/172 ) وحسنه المحققون ، وكذا الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" تحت حديث رقم  (1967 ) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه :  ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا ، وَشَاتَانِ تَقْتَرِنَانِ ، فَنَطَحَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَأَجْهَضَتْهَا ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : عَجِبْتُ لَهَا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُقَادَنَّ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . أي لَيُقْتَصَّنَّ لها  )
يقول النووي في "شرح مسلم"  (16/137 ) :
" وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف ، إذ لا تكليف عليها ، بل هو قصاص مقابلة " انتهى .
وجاء في "مرقاة المفاتيح" للشيخ علي القاري  (4/761 ) :
" قال ابن الملك : ... فإن قيل : الشاة غير مكلفة ، فكيف يقتص منها ؟ قلنا : إن الله تعالى فعال لما يريد ، ولا يسأل عما يفعل ، والغرض منه إعلام العباد أن الحقوق لا تضيع ، بل يقتص حق المظلوم من الظالم " . قال القاري : " وهو وجه حسن ، وتوجيه مستحسن ، .. وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين ، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف ، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف ، والقوي والضعيف ؟ " انتهى .
بل إن الدواب تقتص من بني آدم يوم القيامة :
يقول ابن حجر الهيتمي في "الزواجر"  (2/141 ) :
" فهذا من الدليل على القصاص بين البهائم ، وبينها وبين بني آدم ، حتى الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوَّعها ، أو عطَّشها ، أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بنظير ما ظلمها أو جوَّعها ، ويدل لذلك حديث الهرة ، وفي الصحيح :  ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْمَرْأَةَ مُعَلَّقَةً فِي النَّارِ وَالْهِرَّةُ تَخْدِشُهَا فِي وَجْهِهَا وَصَدْرِهَا وَتُعَذِّبُهَا كَمَا عَذَّبَتْهَا فِي الدُّنْيَا بِالْحَبْسِ وَالْجُوعِ  ) انظر : صحيح البخاري  (745 ) ومسند أحمد  (2/159 ) .
وهذا عام في سائر الحيوانات ... " انتهى . منقول


في 02 دجنبر 2014 الساعة 12 : 23

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق