أضيف في 4 أكتوبر 2014 الساعة 11:13

هذا قدَرُك و ما ذاك بقدْرِك يا بني ! (قصة مولود جديد في المغرب)


أحمد حسيسو

بعد صلاة العشاء من يوم الجمعة، الخامس من شتنبر لعام 2014 بتاريخ النصارى الموافق للتاسع من ذي الحجة سنة 1435 للهجرة، فتح أيوب عينيه على نور هذه الدنيا الغريبة الهائجة الصاخبة، مغادرا مسكنه الهادئ المريح في جوف أمه، بعدما أمضى سفر دهره متنقلا بين الأصلاب، ثم تسعة أشهر إلا قليلا متقلبا في عالم الرحم، ليحط الرحال في دار البلاء الآيلة إلى الفناء الذي يعقبه الجزاء.

مرحبا بابن أخي أيوب، و أهلا و سهلا، أنبتك الله نباتا حسنا و أصلحك الله لنفسك و لأهلك و لأمتك في دنياك و آخرتك.

 أن تولد يا أيوب لأخي الشهم العزيز الحاج إبي دعاء، صاحب الأنفة و الكبرياء في رفض الاستبداد، لا لذليل قابل لتقبل كل مهانة و انبطاح، هذا قدَرُك، و أنعم به من أب قرآني مقدام.

 أن تكون من أبوين مسلمين، لا من نصرانيين أو يهوديين أو مجوسيين، هذا قدَرُك، و هو من فضل الله عليك و لا دخل لأحد فيه، وأن تكون مولودا ذكرا، هذا قدَرُك، إذ يهب المنان الوهاب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا و إناثا و يجعل من يشاء عقيما.

 أن تكون من أهل المغرب الأقصى حيث الإنسان يهان أو يدان، لا من غيره في بلاد الديكتاتوريات الشرقية تحت قهر سيوف آل فلان أو آل علان، و لا هنالك وراء البحار في بلاد ثقافة الأنوار و كرامة الإنسان، هذا قدَرُك.

أن تضعك والدتك في المستشفي الإقليمي لمدينة الأفلام العالمية، المسمى مستشفى سيدي حساين بناصر، هذا قدَرُك أيضا، حتى و إن كان لمجيء أبويك قبيل وضعك إلى هذا المستشفى مهاجرين من القلعة نِمكون إلى ورزازات نصيب بما كسبت أيدي الحاكمين المسؤولين عن هذا البلد، المبذرين لخيراته في العبث و اللهو و الشهوات، العاجزين عن توفير هذه الإمكانية بالمستشفى المحلي لمدينة بحجم قلعة الورود ذات الجودة العالمية العالية، مسكينةُ أنتِ يا مدينة الورود، ما أشقاكِ بأولي أمرك !

 أن تخرج إلى الدنيا قبل متم أشهركَ التسع بأسبوع، هذا أيضا من قدَرِك، و قد يكون فيه نصيب سببي راجع لحال النظام الصحي المغربي المعروف لدى القاصي و الداني، و لقصور الإمكانيات المادية المتاحة بين يدي رجل تعليم عائلٍ يعول أسرة من خمسة أفراد، قهرته متطلبات الكراء و الدواء، ناهيك عن ضرورات المأكل و الملبس و المركب، فضلا عن مصاريف التربية و المدرسة لثلاثة أطفال، و زيادةً على المساهمة الشهرية الدائمة لضمان الرعاية الصحية و المعاش لأسرة الأبوين العجوزين و من معهما القاطنين بعروس مدن الجنوب الشرقي للمغرب العميق السحيق المسحوق، مدينة تنغير المناضلة الأبية.

أن تحل بالدنيا  في هذا الزمان لا في غيره من الأزمان، هذا قدَرُك، كل ما سبق ذكره و غيره كثير مما لا يمكن الإحاطة به من قضاء الله و أقداره فيك، فهو من قدَرِك يا بني، و لا تتحرك ذرة في هذا الكون إلا بإذن الله جل و علا، و هل من معترض على هذا إلا  غبي أو جاهل أو معتوه ؟!

اختار الله لك يا ولدي من بين الأسماء "أيوب"، و الأسماء أيضا من أقدار الله تجري على أيدي البشر و ألسنتهم، و لهذا الإسم دلالة لا تخفى على ذي نباهة، إنه اسم نبي الله أيوب عليه السلام الذي ضرب سبحانه عز و جل به مثلا للصبر و التحمل الفائقين بين إخوانه النبيئين و المرسلين، سلام الله عليهم جميعا و على خاتمهم سيدنا محمد أفضل الصلاة و أزكى السلام.

حسنا، لا راد لأمر الله تعالى، و الحمد لله و له الشكر على نعمائه التي لا حصر لها، وله الحمد في السراء و الضراء، و له أعظم الإجلال و أحسن الثناء.

فور ولادة أيوب بالمستشفى الإقليمي سيدي حساين بناصر لمدينة ورزازات، قرر الطبيب المشرف على ولادته أن الطفل الجديد في حاجة إلى عناية مركزة لمدة أسبوع داخل الصندوق الزجاجي المعروف في اللغة الفرنسية المهيمنة على الخطاب الإداري المغربي باسم "caveuse كافوز " حيث الظروف تشبه إلى حد ما ظروف الرحم، لكون الطفل لم يستوف بعد مدة إقامته في بطن الأم، و أنه لا يزال يجد صعوبة في التأقلم مع العالم الخارجي و يجد صعوبة في التنفس، لكن المفاجأة الأولى أن مستشفى المدينة العالمية لا يتوفر من هذه الصناديق إلا على إثنين، وهما في حينه مشغولين بصبيين على نفس حال أيوب ! عجبا عجبا، مدينة المعادن النفيسة و الفنادق الفخمة و الصفقات السياحية و الأستديوهات العملاقة، التي أريد لها أن تكون بمثابة هوليود الثانية، مداخيل لا يستهان بها، ثم لا يجد أيوب داخل مفخرة مؤسساتها الصحية "كافوزا" ثالثا يقيم فيه أسبوعا ! فهل هذا قدْرُ أيوب أو قدْرُ غيره من أطفال المنطقة، كلا و الله.

فما هو الحل إزاء هذه الوضعية المشكلة، بلغة المناهج الديداكتيكية التعليمية في البلد؟

بكل بساطة: " إحملوا الصبي إلى مراكش !" هذه هي لغة الطاقم المسؤول في المستشفى، و ليقطع مسافة أكثر من مائتي كيلومتر، رغم مسالك الجبال الوعرة و ممر تيشكا الخطير المزعج، لا بأس، المهم ليس أمام أبي دعاء من حل آخر، فهل هذا قدْرُك يا بني؟ كلا و ألف كلا، لكنك لست فرنسيا و لا هولنديا، و لا و لا... بل مغربيا إفريقيا، وأنت قد تكون مستقبلا مضايقٌا لأولي الأمر، فأنت، شأنك شأن أبناء الأباة الأحرار، حيث سوف تحق فيك لا محالة مقولة "ذاك الشبل من ذاك الأسد" إذن مخلوق غير مرغوب فيه !

تساءل الأب الحريص المسكين عن وسيلة النقل، فقيل له إن سيارة الإسعاف التابعة للمستشفى غير مجهزة بالصندوق "كافوز"، و عليه فالأمر يتطلب كراء سيارة خصوصية مجهزة بالكافوز مهما بلغ غلاء ثمن استعمالها، فالمسألة مسألة إنقاذ حياة لوليد جديد، و بما أن التكلفة باهضة و لا قبل للأستاذ بها، لجأ أبو دعاء إلى الاتصال بمؤسسة " محمد السادس" للتربية و التكوين التي يعتبر رجال التعليم جميعا قسرا بالمغرب أعضاء منخرطين فيها، ويُقتطع واجب الانخراط من رواتبهم شاء من شاء و أبى من أبى، على أن ينتظر الأب و الوليد وصول سيارة الإسعاف التابعة للمؤسسة من مدينة مراكش بعد صلاة الصبح لليوم التالي لولادة أيوب، لتحمل الوليد و تقفل راجعة به فورا إلى المستشفى الجامعي ابن طفيل بمراكش.

قبل تجهيز السيارة بحمولتها الغالية- أيوب- فجر غد السبت سادس شتنبر تأكد الوالد أبو دعاء من ربط الاتصال للمرة الثانية بين الطاقمين الطبيين المسؤولين بالمستشفى الإقليمي لورزازات و المستشفى الجامعي بمراكش، و إعداد الظروف اللازمة لاستقبال الوليد بمراكش، و تجدر الإشارة إلى كون  طبيب المستعجلات بمستشفى ورزازات قد سبق أن صرح له أنه كان على اتصال بمستشفى مراكش ليطمئن على وجود "كافوز" يأوي الوليد المزمع إرساله، و بناء على خبر هذا التواصل الذي تم بعيد الولادة، الذي أدلى به الطبيب وبحضور عم أيوب، فإن الصندوق الزجاجي كافوز متوفر هناك و الحمد لله، اتصالان واحد بعد العشاء و الثاني بعد الفجر، حصل الاطمئنان، وداعا ولدي أيوب، فلتنطلق السيارة على بركة الله.

كان الموعد بمراكش ضحىً، أفرغت سيارة الإسعاف حمولتها بالمستشفى الكبير الذي تشد إليه رحال أهل الجنوب و أهل الوسط في بلاد المغرب الأقصى، حل الوليد بمعية أبيه في مصلحة الاستقبال، فوجدا أنفسهما غرباء هناك، كل ما قيل عن الاتصال لا محل له من الإعراب الآن ! نفى القائمون على مستشفى ابن طفيل تلقيهم أي خبر عن مجيء طفل من ورزازات، و الأدهى من كل ذلك أن المستشفى العظيم لا يتوفر من تلك الصناديق العجيبة إلا على خمسة عشر كلها حاليا في الخدمة !!! أهذا قدْرُك يا أيوب، هل هذا قدْر المواطن المغربي المسلم في بلده؟ بل هل هذا هو قدْر أي إنسان خلقه الله حرا كريما في بلد يتوفر على ثروات معدنية و فلاحية و بحرية  عظيمة؟ أإلى هذا الحد من الحضيض بلغت بنا السبل، فثرواتنا تذهب سدى في اللهو و اللغو، و خيراتنا تنفق في مهرجانات العهر و الفجور، غرق المترفون في رغد القصور ناسين ظلام القبور، فمن للمستضعفين و المقهورين، ويل للمسؤولين من اليوم الموعود من ذنب الفقراء وذوي الدخل المحدود.

يا الله ما العمل؟

عد القهقري من حيث أتيت يا أبا دعاء، فما لك و لا لوليدك عندنا هنا من مقام !! و ليحي الوليد أو يمت، هذا شأنك !!  بهذا يوحي حال ومقال مسؤولي مستشفى ابن طفيل في و جه المسكين أبي دعاء الذي أتى بالطفل تاركا أمه على بعد أكثر من مائتي كيلومتر على سرير مستشفى سيدي حساين بناصر، هل هكذا يكون قدْرُ من ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟  معاذ الله.

لم يجد الوالد الحريص الحنون بدا من المناداة من جديد على مؤسسة محمد السادس للتربية و التكوين لتجهز له سيارة إسعاف أخرى تعود به و بوليده إلى حضن أمه بورزازات، فقد استنفذ الجهد و يئس من إيجاد كافوز يأوي أيوب المدة اللازمة طبيا لحياته في أي من المستشفيين الكبيرين، فاكتفى بالسكن في كافوز سيارة الإسعاف ذهابا و إيابا بين ورزازات و مراكش.

تقلصت مدة الإقامة بالكافوز من مدة أسبوع المطلوبة إلى  فترة ربع يوم  المتاحة، فبارك الله فيها، و وصل الطفل أيوب إلى حضن أمه سليما معافى من ضيق التنفس و صعوبة التأقلم، و ما هي إلا لحظات حتى تعلم كيف يبتلع ثدي أمه ويتلقى غذاء صحيا كاملا و المنة لله و له الحمد.

ما وقع لأيوب و لأبويه جزء مما يعانيه آلاف إن لم أقل ملايين المغاربة، وهذه صرخة أبي أيوب تدوي أن يا أيها المواطنون الأحرار، و يا أيها الشرفاء الأبرار كفى سكوتا على هذه المآسي، كفى خنوعا وكفى خضوعا للعابثين بمقدرات البلاد و حقوق العباد، لنقم جميعا لاقتلاع الفساد و إنهاء الاستبداد.

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


تعليقاتكم

1- تصحيح خطإ

أحمد حسيسو

بسم الله الرحمان الفرحيم، وصلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه و إخوانه و حزبه، أيها القراء الأعزاء، أعتذر على خطإ ورد في القصة أعلاه المعنونة " هذا قدَرك و ما ذاك بقدْرك يابني" يتعلق الأمر بالحاضنة الزجاجية التي سميتها بالعربية كافوزا و الصحيح كوفوز، و سميتها بالفرنسية" cave use" و الصحيح هو "couve use

في 05 أكتوبر 2014 الساعة 16 : 00

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق