أضيف في 5 فبراير 2019 الساعة 16:43

من نحن؟


حفيـظ بوبا
حلمتُ أني صرت فراشة ملونة جميلة تطيرُ في جنباتِ البساتينِ ولا تفارق الأزهار والرياحين، وإذا حطت على أُذنِ إنسانٍ تستطيع أنْ تعلمَ ما يوجد في ذاكرته ..

رأيتُ عن بعد حديقةً مُبهرَةً، فطرتُ إليها وتنقلت بين أزهارها، ودخلتُ إلى منزلٍ كانتْ تحيطُ به، وفيه عائلة تتألف من جدةٍ وأبٍ وأربعِ بناتٍ. عشتُ معهم خمسة أيامٍ، تعرفت فيها على أسرار كل واحد منهم؛ عرفتُ أن البنتَ الصغيرةَ والجدة طيبتانِ إلى أقصى الحدودِ، وعرفتُ أنّ الأبَ كان ينتظرُ موتَ الجدة وأن البناتِ المتبقياتِ كُنَّ ينتظرنَ موتَ الأبِ ليفرحنَ بحريتهنَّ وثروتهنَّ ...

طرتُ إلى بستان آخر هَرَبا من خبث اﻹنْسانِ الذي لا يَبْلى على مر الزّمانِ، ووجدتُ فيه حرية تامة في الطيران، وبعد ذلك، دخلتُ إلى الدار التي يُزينها، فرأيتُ زوجينِ سعيدينِ، لم أرَ مثلهمَا من قبلُ، وكانَ الزوجُ جنرالاً يغيبُ مُدةً ثم يعودُ، فأشفقتُ على زوجه، قبل أن أراهَا تُدخِلُ رجلاً آخرَ غَرِيباً إِلى الدارِ في غِيَابِه.

تَملكني حزنٌ قاتمٌ، ثم ساورتني رغبة جامحة في إخبارِ الزوج بكل ما حصلَ، ولما عاد من المعسكرِ نامَ في فراشِه، فحطَطْتُ على أذُنِه وولجتُ ذاكرتِه، وعلمتُ أنّه أيضا قد جرب خيانةَ زوجه مراراً وتَكراراً، والأكثرُ من ذلك أنَّه جرب خيانة وطَنِهِ...

طرتُ مبتعدا، ورأيتُ رجلاً مسلحاً يُسَدِّدُ رَصَاصَةً صوبَ طفلٍ؛ فأصَابنِي الذعرُ كثيرا، خاصةً لما رأيتُ دماءَ الطفل تلونُ الأرضَ بلون أحمرَ. وقبل أن يُسلم روحَه إلى بَارئِها حطَطْتُ عَلَى أُذِنه، فرأيتُ أنَّه يتيمٌ، قد مَاتَ أبَواهُ اللذانِ كانَ مِن المُفتَرضِ أنْ يحمياه من كُلِّ شَرٍ ...

ومِنْ أَجْلِ مَعْرِفَةِ سَبَبِ اِعتداءِ ذَلِك المُجْرِمِ الإِرْهَابِيِّ عَلَيهِ تبِعتُه، حتى حطَطْتُ على أذنه، فَدَخَلتُ إلى ذَاكِرَته وعلمتُ أنَّه عاشَ طُفولتَه يتيما مثلَ ذلكَ الطفلِ الذي قتلَه ... لقد اسْتَغلوا نقطةَ ضَعفه ليحَوِّلُوه إلى حَيوانٍ بِلا قلبٍ ... وعندها تساءلتُ في أعماقي قائلا: من نحن يا تُرى؟ هل نحن ـ حقا ـ أناس أو أننا شيء آخر؟

ولما أحس بي ضربني ضربةً لم أُضْرَبْ بمثلها في مَنَامٍ، وكانتْ كفيلةً بأنْ أستيقظَ من أضغاثِ الأحلامِ ...


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حفيـظ بوبا

أستاذ   / أكادير , المغرب