أضيف في 5 فبراير 2019 الساعة 07:50

في معنى التفاهة و العلف السياسي


رشيد اليملولي
في معنى التفاهة و العلف السياسي .
أن تكون تافها معناه أن تبدع في إيجاد كل السبل و الطرق المؤدية إلى إنتاج المعاني الضحلة و العابرة ، و الخالية من أي بعد مهما قل أو ندر ، و معناه أن لا تتردد في وأد الذات داخل سياقات الهمزة و الفجائية ، و تكريس و تعبيد الإعاقة في الذهن و التمثل و الفعل و التصور ، و الأذهى و الأغرب الإيمان بأن التفاهة وعي ما دامت علفا يقتات عليه المريدون ، من أجل استمرار السدنة و الشيوخ باعتبارهم مرجعية دالة في بنية المفاهيم بمختلف أشكالها و دلالاتها في الحقل الثقافي لرواد تنمية التخلف ، باسم أرقى و أنبل المبادئ و القيم .
قد تصبح التفاهة هنا عنوان عصر لا مرحلة ، و يغدو الوعي بها إلى قيمة أخلاقية و سياسية ، تنضاف إلى سلسلة القواميس المرجعية للعلف السياسي ، بمعناه المبتذل و الساذج ، و لا حرج هنا أن يصبح الارتقاء الاجتماعي و الرمزية المرتبطة به مرهونة أساسا بالنهل من هذه المرجعية ، و امتلاك أدواتها و وسائلها ، في أفق ترويج قيمها و أفقها الحضاري ، و الدال في كل هذا هو صياغة المشروع الاجتماعي على مقاس يروج لهذا المبنى في تغييب تام لكل الإيجابيات القيمية المرتبطة بالفعل و التصور لصالح تحصين سلطة المواريث الماضوية و المخزنية و السلطوية و المشيخة السياسية ، لدرجة يتحول معها المجتمع إلى حياض لإنتاج السلاسل النوعية لمرض العصر السياسي في المغرب .
ما معنى أن يفتخر و يزهو حزب بفرملة حراك 20 فبراير و يستفيد في الآن ذاته من مكتسباته ؟
بل و ما معنى أن ينادي رموزه بالاعتدال السياسي و اللباقة الأخلاقية و التدين المزعوم في وقت لا زال قميصهم مبتلا بدم سياسي مفضوح ؟ ، بمعنى أن يتحول الذئب إلى حمل وديع في لحظة تاريخية محددة ، في حين يبطن في ثقافته و تصوره و مرجعيته روح الإقصاء و الاستئصال و الإرهاب ، أي تحديد الوجود بالقوة و الدم لا بالثقافة و العلم و الصراع القيمي .
أليس واضحا أن تعطيل الآلية القانونية و المسطرة الخاصة بها دليل على الفجوة الفلكية بين الدين الحضاري و التدين السياسي ؟.
لا مشاحة أن المؤشرات مهما كانت بسيطة ، و في حدود التأويل المحدود ، تبقى حاضنة و حابلة بمعنى التفاهة و العلف و إن بدرجات متباينة و مختلفة لا تحجب إمكانية الوعي بهذا العوز و العطل العميق ، الذي يعمق الفجوة و الهوة بين خطاب الدين و خطاب السياسة ، انطلاقا من مرجعية الإسلام السياسي .
إذا كان المستوى الأول يخص المرجعية السياسية التي أصبحت بارعة في إنتاج التفاهة و الوعي الحاد بقيمتها و جدواها في صياغة النخب الحامية و المدافعة عنها ، فإن الهاجس و العائق الأكبر يتعلق بالكتلة السياسية الرازحة تحت نير و سلطة هذا الوعي ، إننا و بكل بساطة أمام أجيال من التفاهة لا تتردد في معانقة هذا الوعي و احتضانه ، و الذوذ عنه ، و بناء كل القوالب المؤدية إليه ، في تماه لا حدود له في التغذية على العلف السياسي ، الذي يبيح لمريديه معانقة و مباشرة كل القيم النبيلة لهذا العوز الحضاري ، بل و اعتبارها أدوات تعقيم ضد كل تفكير مفتوح ، يحتضن العالم ، يفهمه يعيه ، و يستوعبه بنفس نسبي ، يراكم انطلاقا من روح العصر ، و لا يرغب في تأبيد الرأي الشخصي و تحويله إلى قاعدة للمقاس خاصة داخل الميادين النسبية و المصالح الذاتية و الاجتماعية الخاصة بالشعوب .
ليس خافيا أن براءة الدين قد استبيحت منذ معاوية لأناس أجادوا في التحايل على القيم الإنسانية باسم الدين ، بحثا عن غنيمة و أسلاب ، عد كل تفكير خارجها هو بالضرورة خروج عن الدين و الشريعة ، و الغرابة الخروج عن الاستخلاف نفسه ، بدليل هزالة و ضحالة المستوى النفعي المباشر لعموم الشرائح الاجتماعية تنمويا ، و هذا في المستوى المادي و الرمزي على السواء ، و لم تكن الوسيلة المعتمدة في تكريس هذا المنطق و الوعي إلا الجهل و التجهيل ، الذي ارتقى إلى العقيدة السياسية لاستدامة التفاهة و العلف السياسي ، و ضمان السيولة الرمزية للاستعباد و الاسترقاق ، الذي يسيطر قسرا و ضرورة على العقل و الوجدان ، و تكبيله بطقوس المباركة و التزكية ، و تحييد أنظمة الوعي و النقد و الترجيح و المشاكسة ، لا لشيء سوى التفاهة كقيمة حضارية في وعي من لا وعي له بالوطن ، لأننا ببساطة نشك في الوطنية المتأسلمة ما دامت الحدود السياسية و الرموز المرتبطة ، لا تدخل في سياق التفكير العلفي ، و المعنى يخص الأمة و عالمية الرسالة ليس في الفهم الديني ، و لكن في الفهم و التصور القبلي و الرعوي لقبيلة التدين السياسي .
إن المجتمعات التي تتزلف للتفاهة علها تظفر بغنيمة هي مجتمعات على هامش الحضارة ، تقتات من الإجماعية السياسية بلغة القطيع ، و ليس بمنطق الفكرة و روحها ، و ليس بعمق الإنسان و عالميته ، إنها مجتمعات لا تجد ذاتها في الاستقلالية ، بل في استنابة الآخر ليس في التفكير فقط ، و إنما في الاعتقاد أيضا ، و ترى في الآلهة البشرية أصناما تقربها زلفى إلى الله ، أوليست الأحزاب الدينية أصناما جاهلية تتقن ربطة العنق و الجلوس على الأريكة ؟ و تدعي أنها جاءت لتخلص الإنسانية و المجتمعات من ضلالة و كفر اليسار و أعوانه .
الجوهر الثابت في التفاهة المساقاة أعلاه ، أنها أبدت العلف السياسي الموجه أساسا للاستهلاك و نفي أي قيمة أو إضافة سياسية أو اجتماعية أو حضارية ، لدرجة أن وجودها و نفعيتها السياسية كانت تعبيرا راقيا عن الارتكاسية و الارتداد و الارتجاع سنوات إلى الخلف ، و كأن دورها كان فقط لتعطيل الزمن و إيقافه عند مستويات فهمها التافهة بالضرورة ، قياسا على ضعف حصيلتها السياسية و القيمية و الأخلاقية أيضا فيما يمكن أن نسميه بالخطأ و الداء التاريخي .
لا دامت لنا التفاهة و تقيأنا العلف السياسي حتى يموت إلاهه .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب