أضيف في 29 يناير 2019 الساعة 23:22

فاضمة والفراشات


حفيـظ بوبا
لطالما عشقت فاضمة الطبيعة ، فهي في القرية زهرة بين الأزهار ومن فرط حبها للنسيم كانوا ينادونها نسمة، وحينما كانت تغيب عن أهل القرية فكأنما قد غاب عنهم الغيث ، ولم تكن تغيب إلا لكي تتبع فراشة في الحقل وكانت تفعل ذلك حتى تتعب ويتعرق جبينها الناصع البياض، ثم تجلس مباشرة تحت شجرة وارفة الظل من دون أن تتجرأ على الصعود إلى غصن من أغصانها .. هذه المرة بالذات كانت تجلس فوق صخرة تركها بعض الرعاة، حاولت أن تحلم بواقع أفضل من الذي تعيشه، أن تتخيل بسمة الحياة، على الأقل فهنالك سبب لهذه الأحلام، لأن أمها كانت تمنيها بحياة سعيدة قائلة:
ــ "سيأتي يوم سعدك عما قريب يا بنتي " .
لكنها لم تكن تفهم المقصود، فاعتقادها كان عميقاً بأن جبروت أبيها سيضمحل مع الأيام الآتية. هذا الأمر لو حدث سيكون مصدراً لسعادة مطلقة في قلبها.
وحينما تعرفت على صديقها المخلص أحمد الذي يقطن في القرية المجاورة، زادت سعادتها ولمعت عيناها ، وحن قلبها إلى وصال الألفة بعد كل انقطاع.. فصارت تتبع الفراشات بطاقة مضاعفة عما كانت عليه من قبل، وأخيراً قطعت هاجس الخوف بالصعود إلى الشجرة الكبيرة بمساعدة بسيطة من صديقها الوفي أحمد .
بعد أيام جميلة كانت تمضي كلها أسرار وحياة ورغبة في الاكتشاف، طلعت شمس يوم بهي فاجتمع الصديقان بعد الظهيرة تحت شجرتهما، ومن العجيب حقا أن أحمد الخجول قرر أخيراً أن يبوح لها بسر حبه لها. فتشجع قليلاً ونطق كلمات متعثرة للتمهيد والاستملاح ، لكنه لم ينطقها واضحة الدلالة حتى بان ظل ، هزت رأسها فرأت أباها ينظر إليها شزراً . فما إن رأى الولد حجمه الضخم، وملامح وجهه المنقبضة حتى انطلق مثل القطار هارباً برأسه المنخفض.
دارت بها الدنيا ، صارت وحيدة ، توقعت كل السوء من نظراته المخزية ، فقد سمعت من قصص كانت تحكيها جدتها أن الفتاة إذا مشت أو جلست مع فتى غريب فمصيرها الدفن.
في الواقع لقد كانت الصفعة الأولى خاطفة مدوية، والأخرى كانت مُبكية مدميةً. " ألست ابنته ، فلذة كبده؟ لماذا يعاملني بمثل هذه المعاملة؟ "
كل هذه التساؤلات وغيرها كانت تطرحها على نفسها في طريق العودة إلى البيت مشدودة من شعرها بعنف وحشي .
أدخلها حجرتها الصغيرة والمظلمة وأقفل الباب بإحكام ، ومضى ونام ، فسمعت بعد لحظات أنين أمها يعلو ويخفت في إيقاع مستمر حتى حل صمت مضجر.
بعد أسبوع وجدت فاضمة نفسها في مثل موقف أختها الكبيرة تودرت، مرتدية ثوباً أبيض، والحناء تُزخرف على يديها ورجليها وأناملها ، وهي مستسلمة للنساء.
همس أبوها في أذنها بصوته الأجش:
ــ " حمداً لله أن لا أحد يعرف فعلتك غيرنا، لا تعودي إلى بيتي مطلقةً ، ليست لعائلة المختار بنات مطلقات" .
زُفت في عصر ذلك اليوم إلى رجل في العقد الرابع من عمره، لكن له إقطاعا وثروة طائلة بالمنطقة المجاورة، هكذا فهمت فاضمة أخيراً مغزى قول أمها:
ــ" سيأتي يوم سعدك عما قريب يا بنتي" .



حفيـﮯظ


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حفيـظ بوبا

أستاذ   / أكادير , المغرب