أضيف في 26 يناير 2019 الساعة 20:26

دمعة حمراء


حفيـظ بوبا
خرجَ إلى الشارع في ليل بارد وسار بقدمين مثقلتين بسلاسل التعب التي صنعتها أيام ماضية، فبدتْ له الحياة مملة للغاية في مدينة أكادير التي سافر إليها من أجل إتمام دراسته الجامعية، وجالتْ في ذهنه عشرات من الصور والذكريات التي خلفها في قريته المنسية.

تذكر ذلك اليوم من أيام حياته القاسية لما ضربه أبوه ضربا مبرحا أمام زوجته الجديدة، فأخرجه من البيت، ثم تذكر يوم قال له بنبرة قوية: "إنك لست ابني ولست أخا لأبنائي ... ".

لم يكن قد أذنب في حق امرئ حتى يسمع مثل هذا الكلام، لكنه أخفاه في صندوق عميق في بئر نفسه، ولم يكشفه لأحد منذ ذلك اليوم؛ فتدفقت كلمات أغنية " إكيكيل " في قلبه تدفق حمض الكلوريدريك على الفلزات. لكنها كانت، رغم ذلك ، تواسيه بعدما خذلته العبارة وأدرك أنه كاتب فاشل.

هبت ريح قوية، فأشعرته بأنه ينتمي إلى الحاضر، ونظر إلى الوجوه المكفهرة القادمة والآتية، فانسد حلقه بمرارة الغربة ولم يدر إلى أين المفر، إنه مثل أبيه اﻷول الذي ارتكب خطيئة من دون أن يدري.

سمع أصواتا من كل الاتجاهات، فرغب في الصراخ، ثم حاول أن يلوذ بمكان مريح، فأزعجته أصوات أخرى كان مصدرها ذاته. نظر إلى الدنيا من حوله، وأمسك رأسه بيديه الباردتين واختلطت اﻷصوات فيما بينها وتآمرت على النيل منه:

"أنت ملعون يا حسن ... اغرب عن وجهي يا ولد! لماذا لا تسمع الكلام يا .. ؟ .. لماذا لا تموت وتغرب عن هذا البيت؛ لأننا لم نعد نطيق رؤيتك ؟ ".

تسللت دمعة حمراء إلى الخارج وتزحلقت بخفة في خده الكئيب، وبعد لحظات أحس بالبرد يستحوذ على جسده الضعيف، فرفع رأسه ليرى رجلا بشوشا يخرج من سيارة من نوع "فولكس فاجن" مع ابنته التي كانت تقول له بصوت حماسي: "عدني بأننا سنذهب إلى حديقة التماسيح غدا ". فرفع رأسه بإيجاب وقبلها في جبينها، وقال لها شيئا ثم دخلا إلى منزلهما.

هطل المطر، فقال في سريرته بأن الغد كفيل بإزالة ما مضى، ثم وقف بتمهل وتقدم إلى اﻷمام بخطوات بطيئة قبل أن يسمع صوتا غريبا. وفي اللحظة التالية، ومن دون أن يشعر، انشقت اﻷرض وبلعته.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حفيـظ بوبا

أستاذ   / أكادير , المغرب