أضيف في 25 يناير 2019 الساعة 16:22

الأب المثالي


حفيـظ بوبا
بعدما مات أبوها تغيرت كثيرا. لم تعد الابتسامة تعرف شفتيها وما عاد البهاء يراود مقلتيها، وحتى وزنها انخفض بسبب الإضراب عن الطعام، أما الكلية فقد هجرتها لمدة شهر بأكمله، تخلت فيه عن كل ما يربطها بمدينة أكادير؛ لتنخرط في كآبة صماء لا نهاية لها.
تذكرت وهي تنظر إلى دفتر مذكراتها أحداثا عاشتها تحت كنفه ووقائع شهدت تفاصيلها في حضرته، فكان قلبها يتشظى من فرط اﻷلم وعيناها ترسلان بقية الدمع على وجنتيها الذابلتين بلا انقطاع.
ومع كل دمعة مرسلة كانت تتبدى ذكرى ذلك الرجل في صورة من صوره المعهودة، فصورة للرأفة وصورة أخرى للشجاعة وصور للتضحية والقوة والتواضع، كلها كانت تدون سطور النهاية لرواية سعادتها مع أبيها.
وكم تمنت أن تحضنه، ولو لمرة واحدة فقط، حتى تعوض صدمة المفاجأة التي انتابتها على حين غفلة منها لما كانت في بيتها بالحي الجامعي ذات يوم، فقيل لها عبر الهاتف :
- أبوك مات و الجنازة غدا!
لم تصدق هذا الكلام في البداية، ثم امتزجت السخرية بالخوف في بوتقة قلبها ليسفران عن تغلب الحقيقة على أوهام الخلود في اللحظة التالية من عمر الصدمة، ولما رأتها صديقتها في ذلك الوضع المحنط سألتها بتردد:
- ما الذي أسكتك يا مريم ؟ أجيبي ؟
لكنها اكتفت بالصمت، ولم تعد تسمع بعد ذلك شيئا؛ لأن ظلام المفاجأة لفها وتملك روحها للحظات، فلما أفاقت، سألتْ أسئلة وجودية ساذجة لتتحقق من هويتها، ثم استطاعت أن تتغلب على كل ذلك لتعود إلى مدينة تزنيت مسقط رأسها.
وبعدما وصلت إلى الحي القديم حيث تقطن عائلتها، اعترض طريقها سكان ذلك المكان وعزوها وأوصوها خيرا بأمها، فلم تجبهم بشيء واخترقت جمعهم كسهم، لتدخل إلى منزلها في النهاية.
كانت اﻷصوات تتمازج وتتلاقى عند مدرك السمع، وأغلبها للنوح والشكوى وأقلها للاستغفار والدعاء، فلما رأوها انكبوا عليها متناوبين في معانقتها وتوصيتها بالصبر الذي لم يفلحوا هم بأنفسهم في العثور عليه.
دخلت غرفتها واكتفت بالصمت ولم تفتح لأحد منذ ذلك اليوم، وأقنعت نفسها بأنها قد فقدت أبا مثاليا لا تأتي الدنيا بأمثاله إلا لماما.
فتحت صفحات أخرى من دفتر مذكراتها الذي نسيته في بيتها، وتنهدت بعمق وهي تقرأ تدوينة مضمونها أن أباها لم ينس الاحتفال بعيد ميلادها الثامن عشر ..
ثم فتحت الصفحة الأخيرة صدفة، لتعثر على نص بخط يده، وكان هذا محتواه:
" ابنتي العزيزة مريم
أنت تعلمين يا بنيتي أنني أحبك وأخاك عمر حبا ليس له حدود، ولأجل ذلك اخترت أن أبوح لك بحقيقة أثقلت كاهلي وجرعتني اﻵلام خلال أعوام كثيرة.
لطالما ظننت، يا ابنتي، أنني أب وفي لأبنائه، مخلص أشد اﻹخلاص لرغباتهم واحتياجاتهم، لكنني لست كذلك لسوء الحظ، فلقد تزوجت امرأة قبل أمك وكافأني الله بأن رزقني ابنا تخليت عنه وحرمته من رؤيتي، وحرمته من أدنى مطالب الطفولة.
أرجوك سامحيني يا ابنتي لأني أخفيت هذه الحقيقة، فلم أستطع قولها لك حتى لا أرى نظرة حقد وكراهية منك، واخترت أن أنطق الورق عوض لساني حتى ينوب في إيصال الرسالة.
أبوك العربي " .
لما قرأت هذه الرسالة سكتت لمدة طويلة كانت كفيلة بأن تتهافت فيها عظمة اﻷب المثالي، ثم حملت حقيبتها لتبحث عن أخيها المنسي.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حفيـظ بوبا

أستاذ   / أكادير , المغرب