أضيف في 25 يناير 2019 الساعة 16:15

حمودة إسماعيلي.. المرضى النفسيون : من نظريات لعلاجهم بالماضي إلى جعلهم مشاهيرَ بالحاضر


حمودة إسماعيلي
لقد شهد القرن 19 والقرن 20 زخما علميا وفلسفيا تمحور حول خلق نظريات و توجهات مهتمة بتخليص المريض النفسي من حماقاته. لكن قرننا يشهد فارقة، وذلك عبر تحويل هذا الزخم لأضواء يتم تسليطها على المرضى النفسيين.

من العادي أن يقوم شخص بتصوير غبائه أو هبل شخص آخر فيجذب بعمله انتباه الناس أو حتى سخريتهم. لكن أن يتحول الأحمق لنجم له متابعين ومعجبين ومشجعين عبر تكرار شطحاته كل يوم ويصل بهم الأمر حد تقليده فهذا ما يثير الريبة في نشوء ظاهرة اجتماعية بلهاء!

لماذا نحب أن نتابع الحمقى؟ ربما لأننا نشعر بأننا أحسن حالا ونحن نستمتع برؤية آخرين يعرضون أنفسهم للإحراج والإهانات، فذلك ما يجعلنا عند أنفسنا أكثر ذكاء وحكمة ورزانة.

غير أن هذه الميول الحضارية فينا والتي تحقق لنا نوعا من الأمان والرضى عن الذات، تصعد من جهة أخرى بالأغبياء نحو سماء الشهرة، فينقلب علينا السحر عندما يسمح الأبله لنفسه - بما أنه صار شخصية عامة - في القفز نحو التحدث في مواضيع ومناقشة قضايا قد يؤثر بموقفه منها ليس فقط في أشباهه من المختلين، بل في شريحة كبيرة بحكم الجدل الذي يخلقه بين من لايزالون محتفظين بعقولهم، وبين فئة العبيطين التي بدأت تتسع وتثق في أوهامها طالما أنها ترى حماقاتها متجسدة أمامها في شهير غبي.

والأكثر من ذلك، يصير أي نقد موجه لهذا المختل مرتدا ببلاهة في عبارات من مثل "حسد من شهرته"! "أعداء النجاح"! "القافلة تسير والكلاب تنبح"! يصير العاقل كلبا والمريض النفسي مثال النجاح. بالنهاية صارت الكلاب تقود والقافلة تنبح.

إن كان هذا يدل عن شيء، فهو تهلهل علم النفس كمجال استعراضي! كل ما فعله أنه ألقى الضوء على المرضى وتنوع اختلالتهم بالقرون الماضية، فوصلوا - باستغلالهم لذلك الكم الهائل من تسليط الانتباه العلمي/فلسفي - إلى قمة النجومية راهنيا، دون طرح نظام علاجي فعال! فلماذا البحث عن علاج لمرضك الذي تخجل منه، وبإمكانك تقديمه صوتا وصورة للعالم كسبيل سريع للنجاح. والنجاح يقطع لسان من يقول عنك مريض في مجتمع اختلط فيه المعالج ومدرب التنمية والبهلوان المغناطيسي وكل مشعوذ حفظ جملا بمصطلحات نفسية في خانة "الشافي".. ولا شفاء سوى الشهرة.

لذلك نجد اتجاها جديدا نحو النجاح، من خلال جعل نفسك أحمقا، هذا إن لم تكن مريضا نفسيا، ففي الحالة الأخيرة يكفي أن تبرز نفسك وتطلع علينا من مواقع التواصل بما كان - في ظروف أخرى - سيجري في مستشفى للأمراض العقلية أو مصحة نفسية خاصة. بل حتى الطبيب صار يجعل نفسه أحمقا! كقصة وادي الجنون، الكل يشرب منه فهو (الجنون) أهم قيمة اجتماعية.

إن رؤية البلهاء وهم يتخبطون في تفاهتهم، تحقق لنا شكلا من التنفيس عبر تفريغ الخبل الكامن فينا من خلال التماهي معهم (مثل التماهي مع مشاعر الغضب والانتقام والفرح في الأفلام والمسلسلات)؛ إن كل المجتمعات ثمنت قيما معينة تجعل من الأفراد قدوات أو نجوما، بذلك فانتشار نجومية الحمقى، ليست سوى تجسيدا لقيمة الحماقة في مجتمعاتنا الحاضرة، لربما تعبنا من مفاهيم العقل والتنوير والحكمة التي لم تعد تصل بنا لما نصبو إليه كذوات، بالمقابل يجعلنا الجنون - الذي ظل أسير الزنازين والأقباء والماوراء - نخترق الحواجز في بيئة تقنية لم تعد تؤمن بالحدود بجل المجالات : من الفن وصيحات المراهقين وأساليب العيش إلى الاقتصاد والتسليح ودور القنصليات!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حمودة إسماعيلي

, المغرب