أضيف في 24 يناير 2019 الساعة 12:19

السؤال الإرهابي


رشيد اليملولي
السؤال الإرهابي .
يطلب الموقف و بشكل حاد في الدين و السياسة ، و هذا يعني أن العلاقة بينهما أشبه بعلاقة تنافر جذري ، إن لم نقل قطعية بين مرجعية عقدية حاسمة و مرجعية وضعية تقوم على التدافع و الصراع و المصالح و التنازع ، و أحيانا الإقصاء و التهميش سواء تم الأمر بطريقة ديمقراطية مباشرة عن طريق صناديق الاقتراع ، أو عن طريق صناعة الأغلبية ، و التي هي بمعنى من المعاني الجماعة الحقانية ، التي لها مصداقية الفعل و القول أحيانا .
السؤال هنا في الانتماء و ثقافته في التدين بمعنى الدين ، و في التسيس بدلالة السياسة ، أي حين يتحول الكل إلى جزء ، و يصبح هذا الجزء هو التعبير عن الكل ، يحتكر بموجبه التأويل الرحب نحو التأويل الضيق ، الذي لا يعني إلى الإسقاط و توجيه الأفهام و الأذواق و التصورات و التمثلات نحو غاية بناء " المريدية " و " القطيع " ، الدال حصرا و ضرورة على صياغة الناس و أفهامهم وفق قصد سلطوي لا محيد عنه ، أي الزواج النموذجي بين السلطة و الفكر ، الذي ينتج عنه في المحصلة النهائية إرادة القوة بما هي هيمنة و تأبيد أساليب محددة دون غيرها ، و احتكار كل السلط المتأتية من ذلك بغية إلغاء كل الإمكانات الأخرى .
قد تكون النيات المرافقة لمبتغى الانتماء سليمة في مستواها النظري ، فالعنف المشروع دلالة مرجعية لبناء الدولة و احتواء الفردانية المفرطة و الموحشة ، و تقنين كل السلوكات و الإرادات نحو مبتغى جماعي هاجسه بناء المصلحة الجماعية ، و تأطير سلوكها المنحرف سواء كان قبليا أو عرقيا أو دينيا ، و بلغة أخرى إدارة التنوع بما ينسجم و المنفعة و الكسب الجماعي لصالح الجماعة و منها ، فإن هذا العنف قد يتحول و يرقى إلى آلية لبناء هندسة اجتماعية خارج تنمية الجماعة ، و رص الصفوف و اصطفافها نحو فهم معين هو في طبيعته فهم طغمة و فئة خاصة ، غرضها الأساس تسييج مصالحها بعنف هو شطط في تأويل حدود و مستويات هذا الحق السيادي ، أي العنف المشروع ، الذي لا يستطيع أن يوقف أناه لفائدة الإمكانات التأويلية الأخرى ، و التي ليست بالضرورة خارجة عن السياق و المعنى .
أما " مفهوم " السنة و الجماعة ، فكان أحد الآليات التي بوساطتها تم دمغ السلطة و تسويغ قبولها مهما كانت طبيعة مضمونها و فلسفتها ، وفقا لذلك غدا " إرهاب " الدولة حقا دينيا أريد به حق جماعة عرقية ـ عربية قحة : الأئمة من قريش ـ و فهم معين في الاستئثار بالسلطة و منافعها ، و ما استدعاء السنة و الجماعة إلا وسيلة سياسية " إرهابية " بالمعنى المنهجي و الفلسفي لتحويل الآخر المختلف و دمغ رأيه و تفنيد و دحض منطلقاته بنفس سلطوي و ليس علمي ، و الذي قد يكتسي مصداقية و رجاحة و قوة تفكير ، و تحويله في أبسط الأشياء دون عمقها إلى مخالف و بغي أكثر تحديدا ، وجب بالدين و شريعة الجماعة السياسية جز و حز رأسه بتفويض إلهي ، مادامت الجماعة و سلطانها ظل الله في الأرض ، و الخلافة قميص قمصه الله لفرد هو في الحقيقة واحد من الجماعة ، لا ينماز بمزية نبل الدم و شرف الاصطفاء و الاختيار .
يتطلب السؤال الإرهابي طريقة مثلى في استدعاء الانتظارات و الأحلام و التصورات ، و نحت مقوماتها و تغذيته بعامل الأزمة ، و استثمار كل ذلك من أجل تمرير الاقتناع الخاص ، الذي يبقى اجتهادا محصورا في الزمان و المكان و السقف الاجتماعي و الاقتصادي و الأخلاقي ، لصياغة تصور ينزع نحو القاعدة التي تند عن الوصف ، التي يصبح كل خارج عنها خارج عن الدين لا الجماعة بمعناها الإنساني ، و هنا تحضر آلية التكفير و الردة و القتل و إهدار الدم ، أي الفتنة المضادة ، بمعنى أن تتحول السلطة السياسية إلى منتج مؤسساتي للفتنة الخلاقة ، و التي لا تعني إلا خدمة مصالحها بشكل خاص ، و الرقي بالباطل إلى درجة و مستوى الحق و الدين باسم الجماعة و المجتمع.
ليس الغرض من السؤال بناء الفهم وتفاعله ، و إنما حصره و تضييقه ، و إشاعة صلاحيته لكل زمان و مكان ، الخاسر الأكبر في كل ذلك العقل البشري والاجتهاد المرتبط به ، فما معنى مثلا فعل الأمر الوارد في الثقافة الإسلامية في أدبيات العديد من المفكرين " اعلم " و الذي يعني باب العلم بالضرورة ؟ ، و هو بصيغة أخرى أن نبدأ الحوار في ظل التماثل لا في صعيد بناء الفرضيات و استنطاقها .
و ما معنى أن يكون اجتهاد الإمام مالك و الشافعي و أبي حنيفة و ابن حنبل قولا فيه منفعة ضرورية لكل العصور و الأزمنة ؟ ، قد لا نشك لو للحظة زواج الدين بالسياسة ،أي أن السلطة هي التي تبنت بعض المذاهب و كرستها بالقوة بدعوى انسجامها و تماشيها مع السلطة لا مع تنوع المجتمع .
بل و ما معنى أن لا يفتى و مالك في المدينة ؟ مهما كان تبرير هذه القولة ، أليس مالك رجلا له فهمه الذي يطلب في شيء ، و يتجاوز في أشياء أخرى ؟.
إن التركيز على الوجدان دون العقل في بناء الفهم و مستوياته الرحبة و المتنوعة بالضرورة ، يحيل على قيمة و طاقة ضاربة في توجيه و تعميق التبعية و الإلحاق و الاستتباع ، حيث أن الوجدان تتسلل إليه " القيم " التي لا ترى بالبصر ، و هي في مستواها المنهجي آلية لتعطيل إعمال العقل ، بمعنى هم رجال و نحن رجال ، و التركيز على الوجدان دون العقل ، يعني الحد من هذه الأداة ـ أي العقل ـ لأن من خصائصه المراقبة و التصنيف و التساؤل و بناء الفرضيات لا الاقتناعات و تقويمها ، إنه يضبط و يوجه ، يلغي ، يحاجج ، و بلغة جامعة يسعى نحو معرفة الآلية و الطريقة ، التي تمكننا من معرفة الخداع و المكر و المخاتلة ، و كشف الأقنعة الثاوية خلف حلاوة و طلاوة الخطاب ، الذي يتزركش بتعطيل الرقابة العقلية الباطنية و الداخلية ، و يستنفر الطاقة الانفعالية ، فمهما تنامت النية الحسنة المرافقة لتساؤل التصنيف و الانتماء ، فلا يمكن أن تحجب و تتستر على الحق في الاختلاف و التساؤل حول ماهية السؤال و مضمونه ، فهو و إن بدا مهووسا بهواجسه الخاصة ، فلا يعني ذلك أنه يمتلك حجية مطلقة لا خلاف عليها ، إذ هو محدود بحدود صاحبه و أفقه النظري و المعرفي ، إذ الأفهام البشرية في تطورها و فهمها خاضعة كما قال ماركس لمنطق " كل الأشياء تتطور و تتغير إلا قانون التغير " ، الذي يعني القاعدة التي تستند إليها الحضارة الإنسانية برمتها في بناء حاجاتها الخاصة أكانت مادية أو رمزية .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب