أضيف في 19 يناير 2019 الساعة 21:52

إنه يوم الطرائف بامتياز


المصطفى سالمي
يوم السبت هذا لا يمكن للذاكرة نسيانه، انطلقت الحافلة باتجاه مدينة الجديدة وقد استقر في مقاعدها الخلفية كل من الأستاذين (محمد أمين) و(الراضي) في يوم بارد من أيام شهر يناير الذي يقارب بدايات عطلة منتصف السنة الدراسية، كانت الحافلة مختنقة يتمايل فيها الركاب ذات اليمين وذات الشمال، وحين كانت الرحلة في منتصفها وجد (محمد أمين) نفسه في مأزق حقيقي وصديقه يدعوه للنزول الفوري في بلدة (سيدي إسماعيل)، لقد أحس الراضي) بضيق شديد في التنفس كتم عليه أنفاسه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يقع فيها مثل هذا الأمر للأستاذ (الراضي) الذي تعود على الأسفار الطويلة نحو أقصى الجنوب المغربي في تعيينه الأول، وتعود على التنقل اليومي بعد ذلك نحو مقر عمله ببلدة (مطران) بعد انتقاله من الجنوب، ولم يجد (محمد أمين) من تفسير لما ألم بصديقه سوى أعراض السكري أو شيء من هذا القبيل وطالب (الراضي) بالاعتناء المستمر بصحته عبر الفحوصات المستمرة والاستباقية أحيانا، وتوجها مباشرة نحو محطة سيارات الأجرة الكبيرة في طرف بلدة (سيدي اسماعيل)، وبعد دقائق لم يتبق على استكمال الركاب الستة إلا راكب واحد، فقيل للسائق إن ركابا في الطرف القصي للبلدة يقفون، فأدار الرجل المحرك اتجاه الوجهة المحددة، لكن الخيبة طاردته سريعا وعاد من حيث أتى، وحين نبهه مساعدوه (وسطاء الطريق) ممن يصيحون بأسماء الاتجاهات أنه أخطأ المجموعة المقصودة، فعاد السائق للمكان من جديد من خلال دوائر هندسية ملتوية، وهو ما سبب حالة عصبية هذه المرة للأستاذ (محمد أمين) الذي أصر على عدم ركوب سيارة الأجرة هاته، مرددا:
ـ أيظننا هذا السائق قطيعا من الأبقار أو سلعة حتى يلتف ويعود بها كما يشاء ويعاود فعل ذلك..
علم (الراضي) وقتها أن العصبية أو السكري وضغط الدم آفات تفتك بكل زملاء المهنة وإن بدرجات متفاوتة.
أصبح السائق الآن ينتظر ثلاثة ركاب بدل واحد، في حين انزوى (الراضي) و(محمد أمين) في طرف محطة سيارات الأجرة الكبيرة بعد أن تلقيا إشارة من سائق عابر من الطرق الرئيسية، وكأنما تنبه للأمر باقي السائقون الذين ينتظرون أدوارهم عبر نظام تسلسلي صارم للأرقام في انتظار طويل قاس، فنشب تلاسن وخصام انصب على السائق العابر الذي يريد اختطاف ركاب المحطة.. وهنا تبرم الصديقان من يوم النحس هذا الذي كانا يودان فيه شراء سمك من مدينة (الجديدة) الساحلية وتغيير الأجواء قبل الانخراط مجددا في أجواء التدريس، واضطرا أخيرا للابتعاد كثيرا كأنما أبديا صرف النظر عن السفر في هذا اليوم المشؤوم، ولم يطل بهما الانتظار كثيرا حين مرقت سيارة أقلتهما فورا نحو وجهتهما..
وفي مدخل مدينة الجديدة عاود التوتر والصداع دماغ (الراضي)، فاستغل أول توقف لسيارة الأجرة لمطالبة صديقه بالنزول والتمشي على القدمين ما تبقى من أمتار قد تقدر بالمئات..
كان الجو منعشا بمدينة الجديدة، ونسائم البحر تغري بالتجوال، وبعد جولة وسط المدينة على امتداد شارع النخيل المجاور للمخيم الصيفي وحدائق الشاطئ وجد الصديقان نفسيهما في مطعم أنيق فاخر، تناولا وجبة السمك الشهي مع سلطة متنوعة المكونات ومرق لذيذ.. ثم انطلقا نحو الميناء حيث اشتريا أسماكا أخرى ولكن طرية هذه المرة، ثم وضعاها في أكياس بلاستيكية بعد إفراغ أحشائها وتنقية قشورها على يد بعض العمال البسطاء ممن يمتهنون هذه المهنة بالمرسى مقابل دريهمات معدودات..
في محطة سيارات الأجرة بالطرف الشمالي لمدينة الجديدة استلقى (الراضي) و(محمد أمين) على الكراسي الخلفية لسيارة أجرة بيضاء، وما هي إلا لحظات حتى انطلقت الأخيرة بكل عنفوانها كأنما تسابق الريح، كانت مواكب السيارات في هذا المساء تتلاحق في كل الاتجاهات كأنما يطاردها شيطان مارد يريد الانتقام منها، فجأة سمعت فرامل واحتكاك بالإسفلت، كان السائق يسعى لتفادي الاصطدام بسيارة توقفت فجأة وسط الطريق، ونجح في ذلك، لكن سيارة خلفه لم يستطع صاحبها منع نفسه من صدم سيارة الأجرة البيضاء، فسمع ارتطام عنيف، وقفز (محمد أمين) من مقعده كأنما لسعته أفعى، ونزل الجميع لمعاينة الأضرار، وابتدأ موقف عصيب جديد، وبينما كانت راكبة تفتش وسط أمتعتها بحثا عن اشياء كسرت أو تضررت قد تكون زجاجا أو حلويات كانت أم وابنتها تبديان التخوف من حلول الليل وأنه لم يسبق لهما السفر لمدينة سيدي بنور، وطالت لحظات الانتظار من أجل توثيق الحادثة..
وما أن صعد السائق وتجدد المسير حتى بدأت المرأة تحكي عن النحس الذي لا حقها طيلة يومها، لكن (محمد أمين) قاطعها ليسرد نحسه وحس صديقه بالتفصيل..
وحده السائق الذي ضحك عاليا ساخرا من فكرة النحس والشؤم هاته، بينما كان (الراضي) يرى في كل ما جرى ويجري مشاهد من طرائف الحياة التي لا تنتهي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب