أضيف في 17 يناير 2019 الساعة 20:55

صرنا نترحم عليك أيها الماضي البئيس...! (1)


المصطفى سالمي
بالأمس كان تبرم البعض وشكواه مما كان ينظر إليه باعتباره نقائص وثغرات، كان الأنين وكانت الشكوى الحزينة التي كان محورها موضوع أو ذات بعينها، ويسدل الزمن ستاره على محطة مجنونة قاربت عقدا من الزمن، تسلل خلالها فيروس الأنانية وتضخمت الأنا المقيتة بين سرب زملاء أرادوا أو أريد لهم حرق أعصابهم وخلاياهم الذهنية من أجل صغار سيكبرون يوما ليحملوا معهم همومهم وتطلعاتهم لأجيال أخرى في دورة الحياة التي لا تنتهي، وها هي وجوه جديدة تطلع الجميع نحوها بآمال كبرى لمسح بغضاء الشر والأنانية اللعينة وآفة الأفعوانية المبطنة بابتسامة منافقة من عقرب صفراء اكتشفت فجأة تمشي على قدمين اثنتين بدل أرجل ستة، لقد أجادت الأفعى دور الأقنعة المتعددة بإتقان منقطع النظير، فهل كان الشاعر يتحدث فعلا عن كائن بشري من خلال بيته الشهير:
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها # لفي أنيابها عند التقلب العضل
دون شك فهو يقصد كائنا بصيغة الأنثى، وليس كائنا آخر مهما بلغت سميته، وحلت وجوه أخرى مبهمة، وتساءل (الراضي) في قرارة نفسه:
ـ هل حقا سيتحقق التغيير المجتمعي مع وجوه مكتئبة بعضها مأزوم نفسيا من واقع مرير وإن كان الصفاء النفسي والجمال الروحي طابعها، وأخرى مظلمة الروح والفكر مهما التهمت من عرق غيرها من الطبقات الاجتماعية عبر سلطة الساعات الإضافية مدعومة بإدارة أغلبها متعفن برواسب البيروقراطية المقيتة مما تم توارثه عبر أجيال الاستبداد والتخلف، لقد اتحدت قوى التخلف الاجتماعي والنفسي ضدا على قلة من أصحاب الروح الجميلة العذبة، فالشكوى اليوم مركبة مضاعفة الأبعاد، بالأمس كانت طاقة المرء على التحمل أكبر وأكبر، واليوم استسلم الجميع ـ أو كادوا ـ لروح اليأس بعد أن ركع الناس لما سموها الواقعية الانهزامية، وها هو الجهل المركب المريع يبسط سطوته على مؤسسة يعشش فيها اليوم الكذب والدجل والنفاق والسوس المقيت، وتزامن ذلك مع موسم جفاف قاس لا يرحم، وأصبحت القلوب متحجرة فبان بؤسها واحتاجت لعاصفة رعدية محملة بأمطار تغسل القلوب قبل الأرصفة والدروب، فقد ران عليها قبح كبير ما عادت تقوى على إخفائه، لقد كانت تنجح في ما مضى في التفنن في توزيع الابتسامات الخادعة الكاذبة، أما اليوم فما عادت تقوى على أسلوب التقية والتخفي الكاذب، اليوم فقط غلبتها مشاعرها السوداء فغطت على كل الأكاذيب والحيل، فبان مسوح النفاق وتعرت الحقيقة الصارخة، وما عاد الزمن يسعف (سندسا) الصفراء ولا (برهمة) الأهوج، وبات التحسر على زمن الحسرة واضحا جليا، وكأنني بملسوع من ثعبان يتذكر رحمة لسعة رتيلاء، يا لسخرية الأقدار أن يحمل مسؤوليتك أيتها الجدران المتآكلة من لم يجد الداء لعلله ويراد به كشف داء غيره، وها هو الجاحظ منتصبا مفاخرا بصحة نظريته حول معلم الصبيان الذي يصبح عقله متناهي الصغر من طول معاشرة الصغار، لكن الصغار الحقيقيين كانوا حقا كبارا في جسومهم أقزاما في سلوكياتهم الطائشة وهم إما ينهشون لحوم بعضهم أو يمتصون عرق الكادحين، أو يقومون بتصدير أزماتهم النفسية ينثرونها هنا وهناك لنقل الوباء في كل مكان، سعادة (سندس) مثلا لا تكتمل إلا باغتياب (نبيلة) زميلتها المجدة، تنشر عنها الأكاذيب المختلقة والمفبركة، بينما (حسحس) لا يرتاح إلا في الخروج قبل الوقت القانوني متعللا بمبررات واهية، وأحيانا لا يبرر موقفه البتة، بينما المسؤول الأول بالمؤسسة عاجز خانع همه الأول أن يتم نفخ النقط المحصل عليها حتى يتباهى بذلك أمام باقي المدراء، وقد يدفع المدرسين لتزييف النتائج سامحا لنفسه بالتدخل في اختصاصات غيره، وهكذا يعيش الكل مخادعا الكل، إنه الدجل والسوس الفتاك، كانت (سندس) لا تهتم لشيء من كل هذا، همها الأكبر أن تعرف أثاث زملائها وزميلاتها، ونتائج أبنائهم الدراسية وشكل أزواجهم، يكاد يطير عقلها إن أفلتت شيئا من ذلك، لذلك كانت تحرص على استغلال كل فرصة أكبر استغلال، فإن مرض قريب لهذا الزميل أو الزميلة فهي تتطفل دون أن يردعها شيء لدخول بيت من يهمها أمره حتى ترضي الفضول الجارف الذي لا تحده حدود، بينما مدراء آخرون كانت تتسلل من أعماقهم رواسب الدونية وتعابير النقص الدفينة، فكانوا يتسلطون على المدرسين يبتزونهم من أجل نقطة إدارية أو استعمال زمن مخفف، كانوا يسرقون حتى الأقلام وعلب الطبشورة، لقد أصبح الحال يغري بسقوط مريع، وحدهم الذين أشرفوا على التقاعد كانوا يقفزون من السفينة الغارقة، أو يتلهفون لذلك عند اقتراب مرافئ العمر من شاطئ النجاة الذي لن يسلم حتما من آفاته التي يخفيها جدار الزمن السميك الذي لا يعلم إلا علام الغيوب علله ما خفي منها وما بطن..!
(يتبع)


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب