أضيف في 7 يناير 2019 الساعة 20:43

ما بعد المحنة السوريّة


عبد الإله بلقزيز

بثمنٍ ماديٍّ اقتصاديّ وإنسانيٍّ فادح خرجت سوريّا من الطور الأشدّ من محنتها، وتتهيّأ للخطو نحو استكمال خروجها من النفق الذي وُضِعت فيه منذ قريبٍ من سنواتٍ ثمان. طبعًا، ما كان يمكن تخيُّل كيف تُفِلح في مثل هذا الخروج من غير أن تقدّم هذا القدر الهائل من التضحيات: أرواحًا ومقدَّرات ومكتسبات؛ فالحربُ عليها لم تكن عادية، ولا خاضها ضدّها فريقٌ واحد، ولا هي أخذتِ الزمنَ المعتادَ في الحروب، بحيث تتناسب الخسائرُ ومدّة الحرب، وإنما أتتْ تَنْقُض - في نموذجها - نماذج الحروب التي عرفناها، حتى أنّ المرء يَحَار في وصفها والتعيين: حربٌ على سوريا أم حروبٌ عليها. في الحرب، في أيّ حرب، يتواجه فريقان: مهاجِمٌ يغترض غرضًا من شنّه الهجوم، ومُدافع يكُفّ هجومَ الأوّل عليه؛ ولم تكن تلك حال الحرب في سوريا التي تَكَثَّر فيها المتواجهون. وفي الحرب زمنٌ للقتال ينتهي بتبيُّن ممكنات الأهداف من مستحيلاتها، فيأخذ أسابيع، في حدّه الأدنى، وأشهرًا أو بعض سنوات في الحدّ الأقصى منه ؛ ولم تكن تلك حال الحرب على سوريّا، التي جاوزَ زمنُها زمنَ الحرب العالميّة الثانية. لذلك يتعصّى فهمُ نموذج الحرب هذا، مثلما يستبين لماذا اقتضى بدءُ الخروج منها كلَّ هذه الأثمان الباهظة.
أكبر الخاسرين في هذه الحرب مَن أوقدوا حَطَبَها، وهندسوا لها ونفّذوا فصولها، من جماعات مسلَّحة، محلّية ومستورَدَة من خارج، ومن رعاةٍ غربيّين وصهاينة لقوى الإرهاب. تلقّى هؤلاء هزائم نكراء في بلاد الشام بدّدت قواهُم الميدانيّة، وأوصلت مخططات رعاتهم إلى الباب المسدود؛ على نحو ما يُفصح عن ذلك قرار البيت الأبيض بسحب الوجود العسكريّ الأمريكيّ من الشمال السوري. صحيحٌ أنّ هؤلاء - المسلَّحين خاصّةً - عاثوا في أرض سوريا فسادًا؛ فأزهقوا أرواح عشرات الآلاف، وبدّدوا الملايين من اللاّجئين والنازحين في الآفاق، وهجّروا مسيحيّي سوريا من موطنهم، ودمّروا الاقتصاد والبنى التحتيّة، ونهبوا الآثار والثروات، وأوقفوا التنمية والحياة في البلاد، وتركوا المدن والبلدات التي سيطروا عليها قاعًا صفصفا...؛ وصحيح أنّ أمريكا وتركيا وحلفاءَهما وجدت لها موطئ قدمٍ في سوريّا من وراء سيطرة حلفائها المسلّحين على مناطق في شمالي البلاد، وأن الكيان الصهيونيّ - الذي رعى الإرهابيّين على حدود الجولان المحتل - وجد في الفوضى العامّة بيئةً ملائمةً لممارسة عدوانه...إلخ، غير أنّ ذلك كلّه ما منع سوريا من أن تصمد في وجه هذه الحروب العمياء، ومن أن تخرُج منها منتصرة على الرغم من الأكلاف الباهظة التي دفعتْها، دولةً ومجتمعًا، لقاء مدافعة النفس وكسب المعركة.
وأكبر الرابحين سوريا الوطن؛ الدولة والشعب. كسبتِ الحرب، ميدانيًّا، حين قصمت ظهر المجموعات الإرهابيّة، وفرضت عليها الانكفاء من مناطق سيطرت عليها إلى «غيتو» في الشمال (إدلب) محاصر ويزدحم داخلُه بالتناقضات بين بقايا الجماعات المسلّحة المتقاتلة؛ وكَسِبَتْها استراتيجيًّا حين أجبرتِ الاندفاعةَ العسكريّة التركيّة الهوجاء في الشمال السوريّ على انكفاءةٍ اضطراريّة عند حدود منبج، وحين أجبرتِ العدوان الصهيونيّ المتكرّر - الجوّي والصاروخيّ - على أن يضرب الأخماس في الأسداس قبل الإقدام على مغامرةٍ جديدة بعد فشلٍ متكرّر أمام الدفاعات الجويّة السوريّة؛ وكسبتها سياسيًّا حين أجبرتِ الإدارة الأمريكيّة على مغادرة البلاد. لكنّ أعظم ما كسبته سوريّة - على هوْل مدفوعاته- هو صوْن وحدتها الكيانيّة وإفشال مؤامرة التقسيم والفدرلة الطائفيّة والمذهبيّة؛ وهو الحفاظ على وحدة مؤسّسات الدولة (وأوّلها الجيش وأجهزة الأمن والجهاز الدبلوماسيّ والإداريّ)؛ ثم إخماد الفتنة المذهبيّة التي كان يُراد لها أن تندلع فتمزّق نسيج الوحدة الوطنيّة، وتبرّر لقوى العدوان مخططاتها التقسيميّة و«استحالة» التعايش بين الجماعات الاجتماعيّة السوريّة المختلفة في وطنٍ واحدٍ جامع، وتحت سلطان دولة وطنيّة واحدة؛ وتلك كانتِ الغاية الكبرى من تفجير الحرب في البلاد.
الوطن العربيّ، أيضًا، في عداد مَن كسبوا الحرب؛ إذْ سيتوقّف نزيفٌ فيه أجهدَ قواهُ طويلاً، هو النزيف السوريّ، وسيتعافى بتعافي ذلك العضو الحيويّ في جسمه. وإذا كان النظام العربيُّ الرسميّ عانى انقسامًا مديدًا داخله، تحت تأثير الخلاف بين قواه على سوريا، وقاده ذلك إلى التعطُّل فالشّلل، فإنّ انتهاء المحنة السوريّة، وما أبداهُ العقلاء من وجوب تصحيح العلاقة العربيّة الرسميّة بها، وما أقدموا عليه من مبادرات - حتى الآن - في هذا الاتجاه، سيضخّ نتائجَه الإيجابيّة في العلاقات العربيّة قريبًا، وسيعطي دفعةً قويّةً، بالتالي، للديناميّات التضامنيّة فيها. ومن المسلّم به، في النطاق هذا، أنّ فائدة هذا المتغيّر الإيجابيّ لن تنحصر في وقف نزيف الخلافات العربيّة المديد، فحسب، بل ستمتدّ آثارُهُ بحيث تُصحِّح نظام الأولويّات، وتعيد إلى قضيّة فلسطين والصراع العربيّ - الصهيونيّ مركزيَّتهما في السياسات العربيّة.
وإذا كان لأحدٍ، اليوم، أن يؤدّيَ دورًا مساعدًا في الإنهاء الكامل لبقايا هذه المحنة، فليكن دورُه مساعدة سوريّا في صدّ بقايا أوهام السلاح لدى تركيا: الأوهام التي تسوقُها إلى تخريب كلّ الجهد الذي أدّى إلى هذه المحطة الجديدة من مغالبة المحنة السوريّة !


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب