أضيف في 14 دجنبر 2018 الساعة 18:34

الفردانيّة والمواطنة


عبد الإله بلقزيز

كلّ حديثٍ في المواطَنة يقود، حُكمًا، إلى الحديث في الدولة الوطنيّة؛ إذْ ما من مواطنةٍ تُمْكن من غيرِ انبثاقٍ من تربة الدولة الوطنيّة بما هي البيئة السياسيّة الحاضنة. وليست المواطَنة مجرَّد انتماءٍ إلى دولةٍ من قِبَل مَن يقعون تحت سلطانها السياديّ؛ فما أكثر من هُمْ رعايا دولٍ من دون أن يتَمتّعوا بصفة المواطنين. المواطَنةُ علاقةٌ سياسيّة بين أفراد مجتمعٍ و(بين) دولةٍ يشاركون في شؤونها العامّة، من حيث هُم يتمتّعون فيها بالحقوق الفرديّة والجماعيّة، المدنيّة والسياسيّة، التي تخوّلهم الحقّ في تلك المشاركة، بل التي تحْملهم عليها بما هي واجبٌ تُرتّبُه المواطَنةُ عليهم. الدولةُ الوطنيّةُ، إذن، وحدها تُنجِب المواطنين بوصفهم ثمرةً سياسيّة لنظامها المدنيّ المفتوح، المبنيّ على حاكميّة الإدارة العامّة، ولكنّ المواطنين أولاء لا يخرجون من رحم الدولة بإرادة نصابٍ حاكمٍ منها، وإنما يتكوّنون من خلال مشاركتهم في بناء الدولة؛ إذْ ما من عازلٍ ماهويّ بينهم والدولة، وما من سبْقٍ زمنيّ مطلق لواحدهما على الآخر.
المواطنون، كما درجنا على وصفهم، «مخلوقات سياسيّة» لا تخرُج من أرحام الأمّهات، بل من أرحام المؤسّسات؛ إنّهم صنيعُ نظام الدولة الوطنيّة بقدر ما إنّ هذه من ثمرات مشاركتهم. وكما المواطنُ يتولّد من النظام الحديث، كذلك الفرد يتولّد منه. ولكنّ المواطن ليس الفرد؛ إذِ المواطنيَّةُ أعلى من الفردانيّة، بل هي تصنيعٌ جديدٌ لها في نظامٍ جديدٍ من العلاقة لا تصبح فيه هذه (الفردانيّة) انفصالاً، أو شكلاً من الانفصال، عن الجماعة السياسيّة، أو من الانسحاب من علاقاتها والانقباع في الذوات المقفَلة. وإذا كان من غير المشكوك فيه أنّ ميلاد الفرد، في الأزمنة الحديثة، شكّل ثورةً حقيقيّةً في مسار التطوّر الإنسانيّ، من حيث هو آذَنَ بتفكّك البنى الجماعويّة التقليديّة - الكابحة لذاتيّته والمكبّلة لإرادته - وتحرُّرِه من قيودها، وبالتالي، حيازتِه استقلالَهُ وإطلاقِهِ طاقاته الحرّة من عِقال النظام الجامد، فإنّ من المشكوك فيه أن تكون الفردانيّة نقضًا نهائيًّا لكلّ نوع من أنواع الاجتماع الإنسانيّ، وإلاّ كان علينا أن نعتقد بلا جدوى المجتمع أو بالحاجة إلى زواله؛ وتلك ذروةُ من ذرى الطوبى نظير طوبى الحاجة إلى زوال الدولة. وهُمَا معًا تصُبّان في بعضهما، حيث زوال إحداهُما زوالٌ للأخرى حكمًا ! الفرد، أيضًا، «مخلوق سياسيّ - اجتماعيّ» مثل المواطن؛ أنتجه مجتمعٌ حديث.
ولكن ما كلُّ فردٍ بمواطن إلاّ متى انْحَدَّتْ فرديَّتُه بنظامٍ من الالتزامات، داخل الجماعة السياسيّة التي ينتمي إليها، على نحوٍ ينتظم فيها انتظام العملِ بأحكامها. في المقابل، ما من مواطنة لا تنطلق من الفردانيّة قاعدةً لها، ولكن من دون الانحباس بين جدرانها. وهكذا فالمواطن فردٌ، ابتداءً، لكنّه ذلك الفرد الذي تخطّى فرديّته - من دون التفريط بمكتسباتها - لكي يندرج في نظامٍ من الالتزامات التي تفرضها الجماعةُ السياسيّة، ويكون من ذلك النظام بمكانة الفاعل المشارِك. وحين نقول إنّه ما كلُّ فردٍ مواطنٌ بالضرورة، فنحن لا نُسْقِط عنه حقوق مواطنَتِه لأنها حقوق تُمَتِّعه بها الدولة - وإنّما نعني أنّه لا يمارس مواطنَتَه على النحو الصحيح، المطابِق لمعناها ! يأخذ منها ما يشاء، ويُشْبع رَغباته - مثل الحرّية - ويطرح منها عنه ما يشاء - مثل التزاماته تجاه الدولة والمجتمع - أي يكتفي من المواطنة بما تمدّه به من حقوق، ويطَّرح عنه ما تفرضه من واجبات: في قلبها واجب المشاركة السياسيّة. تصبح الفردانيّة، في مثل هذه الحال، نقضًا للمواطنة والدولة الوطنيّة والبناء الديمقراطيّ...إلخ! تكشف عن أنانيّةٍ بغيضة وعن انتهازيّةٍ عمياء، وتصبح عالةً على المواطنة، بل هي تتحوَّل إلى مبدأ تهديدٍ لها وللمجتمع والدولة!
يعبّر العزوف عن المشاركة في الشؤون العامّة، في مجتمعاتنا، عن ضَعْفٍ- بل عن فقْرٍ - في الوعي السياسيّ لدى الجمهور الاجتماعيّ؛ عن عدمٍ ثقةٍ بالسياسة والسياسيّين، أو عمّا أسمّيه بالوعي السلبيّ بالدولة: الوعي الذي يتصوّرها شرًّا مستطيراً، أو منبع الشرور والمظالم! أمّا في المجتمعات (الغربيّة) التي تقوم فيها أنظمة حكم ديمقراطيّة، والتي تحتاج فيها ديمقراطيّاتُها، إلى مشاركة مواطنيها في الحياة السياسيّة، فيعبّر العزوفُ ذاك عن طغيانٍ مرضيّ للنزعة الفردانيّة وتضخُّم في مستوى لا مبالاتها بأيّ التزامٍ آخر خارج الالتزام الفرديّ ! ولقد دقّ الفكر الغربيّ، منذ عقود، نواقيس الخطر تنبيهاً على حجم الفداحات التي ستتولّد من تضخُّم الفردانيّة على مستقبل الحياة العامّة، ومن تغليب الخاصّ على الاجتماعيّ،حتّى أنّ المخافةَ على الاستقرار الديمقراطيّ وعلى استمرار الدولة الوطنيّة - الذي بدأت تستشعره النخبُ السياسيّة، بدورها، بعد النخب الفكريّة- سرعان ما تحوّلت إلى مخافة متنامية على مستقبل المجتمع نفسه؛ هذا الذي بات وجودُه وبقاؤُه موضعَ سؤالٍ، اليوم، أمام طوفان الفوضويّة.
ضغطُ الفردانيّة على المواطنة؛ ظهورُ الفرد على المواطن؛ الحَقِّ على الحقِّ والواجب، هو- اليوم - تعبيرٌ صارخ عن أزمةٍ حادّة في نظام الدولة الوطنيّة، في طبعتها الليبرالية، تنقلب فيها المعادلات والقواعد: بين الحرّية والدولة، والفرد والجماعة السياسيّة.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب