أضيف في 9 دجنبر 2018 الساعة 18:35

المستشفى الإقليمي بسيدي بنور: انتهاكات جديدة في حق الإنسان


المصطفى سالمي

ككل المستشفيات المغربية العمومية بطول البلاد وعرضها مازال الإنسان المغربي يدفع فاتورة الانتهاكات المتكررة، يئن ويعاني من أهوالها كلما فرضت عليه إكراهات المرض أن يتوجه نحو مكان يُفترض فيه أن يكون مسكنا للألم والمعاناة، فإذا به يرزح تحت مزيد من الإذلال والغبن، والحالة الجديدة ـ التي لن تكون حتما هي الأخيرة ـ زمانها هو يوم الأحد التاسع من ديسمبر الذي هو آخر شهر من ألفين وثمانية عشر بعد ميلاد المسيح، والمكان هو المستشفى الإقليمي لمدينة سيدي بنور التي هي قلب سهول دكالة الغنية بثرواتها الفلاحية وعلى رأسها الشمندر السكري حيث معمله (كوسومار) يغذي نصف ساكنة المغرب بمادة (السكر)، أما الثروات الفلاحية من حبوب ولحوم حمراء ـ حيث الريادة على الصعيد الوطني من صنف الأبقار ـ فحدث ولا حرج.. هكذا يفترض في المستشفيات العمومية الممولة بالضرائب المستخلصة من عرق الكادحين من أبناء البلد أن تكون في خدمة شعب يعطي من ثروات أرضه ومستخلصات جهده وكفاحه حتى يتلقى هؤلاء العاملون في الإدارات المختلفة رواتبهم، إنهم ـ أي المسؤولون ـ يخدمون عند الشعب الغني بثرواته، والفقير بوضعيته وبالخدمات البئيسة التي يتلقاها من عابثين لا مسؤولين..
كان المستشفى الإقليمي قبيل عصر هذا الأحد هادئا نسبيا قبل أن يرتفع صراخ المرأة الفقيرة صاحبة الجلباب الأحمر وهي تحتج على العاملين بالمستشفى، كان يقف إلى جانبها رجل مسن اتضح من مضمون كلامها أنه والدها، كان الرجل شبه مقوس ينحرف جانبه وظهره انحرافا صارخا، وأمام لامبالاة المسؤول الذي انحرف داخل القاعة تاركا المرأة لحالها ازداد توتر الأخيرة فانفجرت كما لم يتعود إنسان هذه البلاد المستكين المغلوب على أمره. تحلق الفضوليون محاولين تهدئتها، عندها فهم الجميع تفاصيل الحكاية، والد المرأة مكسور الذراع بعد تعرضه للسقوط، وطُلب من المرأة دفع مبلغ مائة وثلاثين درهم من أجل أشعة العظام، فكان احتجاجها بأن أباها مجرد (طالب معاشو) ـ وهو لفظ عامي مغربي مفاده أن الشخص على باب الله أو شبه معدم ـ وأضافت المرأة قائلة:
ـ لماذا يوجد مثل هذا المستشفى إذا كنت أدفع هذا المبلغ؟ إننا لم نجد ما يسد رمقنا في وجبة الغداء..! ثم ما فائدة بطاقة (الرميد) هاته؟
وهاته البطاقة للمعلومة تفيد أن الشخص من المعوزين وأنه معفَى من واجبات وتكاليف الفحوصات الطبية. إلا أن المسؤول طالبها بالعودة في اليوم الموالي (الذي هو يوم الاثنين) حيث العمل بنظام (الرميد)، فردت المرأة قائلة:
ـ والدي ستتعفن ذراعه المكسورة إن انتظرت ليوم الاثنين، أقسم إني لا أمتلك هذا المبلغ.
واختلط عويل المرأة مع بكائها، فكانت في قمة التوتر والانفعال، ونظرا لتجمع الناس الذي صادف قدوم سيارة إسعاف تحمل مصابا وخلفها سيارة تحمل كثيرا من المرافقين فقد جاء رجل أمن من طاقم المستشفى بقميصه الأزرق ربما بإيعاز من أحد الإداريين أو المسعفين وطالب المرأة بالهدوء مهددا إياها بإحضار الشرطة، لكن المرأة ردت بقوة وحزم:
ـ أرسل فورا في طلب الشرطة، أنا أريد حضورها. أحسن لنا أن نذهب للسجن حيث نجد ما ناكله عوض هذه الحياة البئيسة.
فانكمش رجل الأمن وانكفأ على نفسه وغيّر من نبرة الحديث قائلا:
ـ أنت الآن مظلومة، فلا ينبغي أن تصعدي الموقف بالصراخ هكذا فتصبحي ظالمة..!
فقالت المرأة بثبات:
ـ ما دمت مظلومة كما تقول، فلماذا لا ينصفوني ويعالجوا أبي.
ثم اتجهت نحو والدها مطالبة إياه بالجلوس على الكرسي مبدية تحديها للجميع حين قالت:
ـ سنجلس هنا حتى يعالجوا أبي، لن نذهب لأي مكان وليفعلوا بنا ما يريدون!
اقترب رجل الأمن من المرأة وسحبها برفق بعيدا عن الفضوليين محاولا تهدئتها، بينما انصرف البعض نحو قاعة الفحص التي جاءها طبيب وفتح المكتب الرئيسي لتخفيف ما بدا وكأنه تظاهر واحتجاج ربما سيكبر وتكبر معه تبعاته، أو ربما يتم التقاط صور وتسجيلات يتم تسريبها هنا وهناك، بينما دخل المرافقون لسيارة الإسعاف لقاعة العمليات.. وبقي الرجل المسن منحنيا قبل أن يتمدد على الكرسي الخشبي الطويل.
انصرف المنصرفون لكن صدى جدران المستشفى بقيت شاهدة على حكاية حزينة كحكايات كثيرة تكاد ترددها الردهات والأسرّة لو كانت تنطق، لكن برودة كثير من القلوب البشرية كانت تكتفي فقط بأن تتلقى دون أن تتشرب أي ذرة من المعاناة، لقد كانت صلدة قاسية كأنما قُدّتْ من صخر، (فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وأن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعملون) صدق الله العظيم.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب