أضيف في 1 دجنبر 2018 الساعة 20:38

إعادة تشكيل المشهد الخليجي


محمد هنيد


تمثل منطقة الخليج العربي اليوم بؤرة أساسية من بؤر التوتر الإقليمي والدولي بسبب تقاطع أزمات كثيرة جعلت منها منطقة جاذبة للصراعات التي تتجاوز في تأثيرها حدود المنطقة نفسها. فالحرب في اليمن وأزمة حصار قطر وتأزم المشهد السعودي تشكل كلها عناصر أساسية وعناوين بارزة من عناوين الأزمة التي تتفاقم كل يوم.


بالأمس القريب كان المشهد الخليجي يبدو الأكثر استقرارا وتوازنا مقارنة بالساحات العربية الأخرى رغم كل الحروب والمواجهات المسلحة وغير المسلحة التي كانت تقع في جواره الإقليمي المباشر. بل إن مجلس التعاون ومختلف الدول المنضوية تحت رايته كانت تعتبر واحات للاستقرار السياسي التي لم يعكر صفوها غير الغزو العراقي للكويت في مطلع التسعينات وما ترتب عنه من عمليات عسكرية أدت إلى تحرير الكويت واحتلال العراق. 

لكن المشهد تغير كثيرا اليوم خاصة إثر الثورات الشعبية التي عرفتها دول عربية كثيرة وخاصة في مصر وسوريا وأيضا ليبيا والتي ألقت بظلالها على المشهد الخليجي بما هو جزء أساسي من المكون العربي ككل. ثم إن الخيار العسكري والسياسي الذي اختارته دول الخليج في التعامل مع الملف اليمني أو الملف المصري أثر بشكل عميق على المشهد الخليجي نفسه بصورة أصبحت تهدد الكيانات الخليجية بشكل مباشر.
 
فهل يقف الخليج العربي اليوم أمام مرحلة جديدة من تاريخه السياسي؟ وهل يستطيع تجاوز الأزمات الحالية بشكل يمنع تفكك بنيته الداخلية؟ ما هي الاحتمالات الممكنة لتداعيات الأزمات الإقليمية على البناء الخليجي ككل وهل تملك الدول الخليجية خيارات للخروج من هذا المأزق؟

المشهد الجديد

تواجه الدول الخليجية اليوم تهديدا وجوديا حقيقيا يمكن رصد تجلياته في المستويات التالية :

أول هذه المستويات إنما يتمثل في تمدد مشاهد الفوضى العسكرية والسياسية سواء داخل المجموعة الخليجية أو في جوارها المباشر. داخليا تعيش الدول الخليجية أخطر أزمات انعدام الثقة بين أعضائها خاصة بعد أزمة حصار قطر وسعي النظام الجديد في السعودية إلى مصادرة القرار السياسي والسيادي لبقية الدول الصغيرة مثل قطر والكويت وحتى سلطنة عمان بقدر أقل. فبعد أن نجحت دولة الإمارات في فرض رؤيتها للمنطقة على صاحب القرار السعودي بأن جرتها إلى حرب كارثية في اليمن وأغرتها بحصار قطر تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة تهيمن عليها مظاهر التوتر والحيطة بين الدول الخليجية نفسها.

من جهة أخرى يتصاعد يوميا مؤشر انعدام الإستقرار بسبب المحيط الهش الذي تقع في وسطه المنطقة الخليجية. ففي مصر تتفاقم الأزمات الاجتماعية والإقتصادية وتتسع دائرة الاحتقان الاجتماعي والسياسي بشكل ينذر بانفجار وشيك أما في العراق وسوريا فإن حالة الحرب والاقتتال المفتوحة تلقى بظلال كثيفة على الفاعل الخليجي وعلى استقراره. 

العداء الخليجي ـ الإيراني

كما تحافظ علاقة دول الخليج وخاصة منها علاقة المملكة العربية السعودية بإيران على خاصية العداء الصريح بسبب فشل الطرفين في الوصول إلى تسوية نهائية للخلافات الكبيرة التي تميز العلاقة بينهما منذ عقود. لقد نجحت الدول الخليجية في رفع الفزاعة الإيرانية إلى مستوى التهديد الرئيسي لأمنها القومي وهي التي ساهمت في الحقيقة في تعزيز الحضور الإيراني عربيا سواء في العراق أو في اليمن أو في سوريا بسبب الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها المجموعة الخليجية في التعاطي مع الملف الإيراني.



فإذا كان الخطر الإيراني خطرا فعليا فإن المسؤولية الأكبر في تفاقمه إنما تقع على عاتق الدول العربية نفسها لا على إيران فحسب فقد استثمرت إيران ومليشياتها المسلحة في الخلافات العربية العربية بشكل جعل منها الرابح الأول من هذه الصراعات البينية مثلما هو الحال في الملف اليمني أو العراقي أو السوري أو حتى في حصار قطر.


الاحتمالات الممكنة 

أول الملاحظات المتعلقة بالاحتمالات الممكنة إنما تتمثل في أنه لا يمكن للمشهد الخليجي أن يكون بالشكل الذي كان عليه خلال العقود السابقة وأنه لا بد من الإقرار بأن المنطقة الخليجية تقف أمام مرحلة جديدة من تاريخها. لقد استنفذت دول المجموعة العربية في الخليج كل الخيارات والآليات التي بحوزتها كما فرطت في القدرة الكبيرة التي كانت لها على التحكم في مسارات الأمة سواء بفضل ثرواتها الهائلة أو بفضل رمزيتها العربية والدينية وما كانت تحظى به من احترام لدى الجماهير والحكومات العربية.
 
إن أكبر الأخطاء التي ارتكبتها دول الخليج إنما تتمثل في فشلها الذريع في إدارة ملف الثورات العربية لأنها حسمت موقفها باكرا بتصفية الثورات والقفز عليها ومحاربتها في مصر وتونس وليبيا بشكل خاص. ردّ الفعل هذا هو الذي تسبب في نظرنا في تمدد حالة الفوضى المسلحة وفاقم من أزمة المشهد الخليجي والعربي عامة بالشكل الذي يظهر أمامنا اليوم. لقد حسبت الدول الخليجية أن الربيع العربي وثوراته يمكن أن ينحسر بسرعة كما يمكن كذلك حصره في مجاله الجغرافي لكنها أغفلت قدرة العوامل الداخلية للربيع على التمدد والتفاعل بشكل يجعل منها قادرة على بلوغ البيت الخليجي نفسه ولو بشكل غير مباشر. 

هذا الوضع الجديد القائم هو الذي ضاعف من أزمة المكون الخليجي الذي تعرب تحركاته الأخيرة عن سعيه الحثيث إلى التشبث بالقوى الدولية الخارجية من أجل إنقاذ نفسه من التداعيات المحتملة لأزمته السياسية. وليس مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني من قبل أغلب الدول الخليجية إلا أحد الخيارات التي يطرح النظام السياسي الإقليمي من أجل الحفاظ على بقائه. كما أن العقود الخيالية التي يبرمها مع الدول الكبرى وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية إلا وجها آخر لهذا السعي الحثيث في سبيل شراء الدعم الخارجي أمام استحقاقات ذات طبيعة داخلية بالدرجة الأولى. 

لم يعمل النظام السياسي الخليجي على التصالح مع بيئته الداخلية ولا على الاتعاظ من التجارب العربية الأخرى التي حولت الأوطان إلى خراب كما هو الحال في سوريا مثلا بل كابر وأمعن في المكابرة معتقدا أن النظام الدولي قادر على حمايته إلى الأبد. 

لكن إذا كان المكون الخليجي عاجزا على إنقاذ نفسه بنفسه ورافضا لإصلاح بنيته الداخلية بنفسه فإنه يفتح الباب أمام القوى الإقليمية والدولية لكي تقرر مصيره ومصير شعوبه بنفسها. إن احتماء النظام السعودي بالمظلة الأمريكية اليوم أمام تصاعد الغضب الشعبي بسبب الحرب في اليمن وقمع الثورات العربية أو اغتيال الكاتب جمال خاشقجي ليس إلا إعلانا عن عجزه عن تجاوز الأزمة الحالية بنفسه وهو ما يترك المنطقة مفتوحة على مزيد من الأزمات. هذه الأزمات هي التي سترسم مستقبل المنطقة وستحدد نتيجة الصراع بين توق الشعوب إلى الحرية وإلى التغيير وبين نظام يرفض هذه المطالب ويتشبث بخيار القمع.



قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : محمد هنيد

​أكاديمي وباحث تونسي وأستاذ جامعي محاضر بجامعة السربون بباريس   / , تونس