أضيف في 1 دجنبر 2018 الساعة 00:40

حكايتي مع الفن : القصة 1 للتشكيلي عبد اللطيف العبدي ....خيرة جليل


خيرة جليل
حكايتي مع الفن1: حكاية الفنان التشكيلي العبدي عبد اللطيف حكاية كسرت جميع قواعد الاحكام المسبقة......الكاتبة خيرة جليل

كما سبقت الاشارة في العديد من مقالاتي في الابداع ليس هناك ما هو جميل وماهو بشع ...وليس هناك ما هو بريء وما هو غير بريء ...هناك افكار واحاسيس تنسج اما بحبكة او عفوية ...هناك الوان وضوء وتفاعلات وانعكاسات للاشياء وظلالها ....وهنا ك ظلال الروح تمارس طقوسها من خلال رقصات الذات المبدعة ...فيصبح المبدع الفاعل والمتفاعل ....القضية والظنين والقاضي ... علاقاته تتفاعل بشكل عمودي وافقي وحلزوني ...فتصبح اللوحة متاهة لاحاسيس يصعب الافصاح عنها بكلمات لكنها تخرج بسلاسة بالالوان .. و من هنا جاء دوري ككاتبة لاعود بالمتاملين للوحات الفنان لتشكيلي عبد اللطيف العبدي المزداد بمدينة القصر الكبير لاعود بالقراء الى بداية غرس هذه البذرة الناذرة والجميلة باعماق هذا التشكيلي الطنجوي النشاة منذ نعومة اظافره انه التشكيلي الفريد ابن القصر الكبير ....في سفرنا هذا سنركب كبسولة الزمن لنعود لنسبر اغوارهذا الفنان العصامي، لنرسو بسفينتنا بمرحلة مهمة بحياته ، الا وهي اول لقاء له بالالوان والفرشاة.
هي لقطة واحدة ووجيزة من فلم تشكيلي درامي يمتد لعمر انسان بتجربة عميقة ، لنصف احساسه الاول عند اكتشاف هذا العالم البهي، لنخرج الى الوجود حكايات تهم المجال التشكيلي لتؤرخ لتجربته. قد تكون هذه العودة الزمنية لهذه المرحلة هي لحظة مولد تجربة فنية ادبية لكنها ولدت راشدة بقامة اعمال فنية عميقة انطلقت من المهد ....لا نخجل من كونها هي بنات افكارنا .... نعم ، تلك هي حكاية جميلة يعجبنا ان نرحل اليها بين الفينة والاخر لنعلم كيف عانق الفنان فنه لاول مرة، لكن هذه الحكاية ستمدنا بافكار جميلة توضح لنا مجموعة راشدة كالتالي:
_كيف نغرس باطفالنا عشق الجمال؟
_ كيف نهذب ذوقهم الفتي .لمعرفة دور الابداع في حياتهم اليومية ؟ حتى بستطيعون تاريخ مسار حياتهم بابداعات جميلة مادام بيكاسو يقول ان الرسم وجه اخر لكتابة المذكرات ،
قصة اليوم ستعلمنا ان لا نطلق الاحكام المسبقة على الاشخاص . ان هناك حالات استثناء قد تكسر جميع القواعد الكونية للعلاقات الانسانية .كما ستعلمنا ان التشكيل ليس هو تقليد الاخر بقدر ما هو البصمة الشخصية للفنان التي تؤرخ مروره من هذا الكون.
سندرك ان الله ان اخذ منك شيىا فاكيد سيعوضك بشيء اخر احسن منه، فالله خير مدبر ونعم المسير ، فلا يجب ان تتدمر من مرحلة او حدث، يعلم الله انه سيغير مسار حياتك نحو الافضل.و من عالم الالم وصقيع الشتاء تنمو يراقة المبدع بشرنقة الابداع لتخرج فراشة مكتملة النمو وجميلة الألوان لتضيف لربيع العمر بهاء وجمال زهوره، تلك هي حياة عبد اللطيف العبدي . تعرفت على اعماله صدفة قبل ان اتعرف عليه مباشرو بلقاء طنجة التشكيلي المنظم من طرف جمعية وصال . كانت الفكرة وما زالت تختمر وتتعتق بدهني حول كيف اوثق لبعض التشكيليين المغاربة ، لذين قضوا اكثر من خمسين سنة بهذا المجال ؟ هذه النخبة التي لم ينصفها التاريخ رغم عطاىها الفني السخي والجاد، لا لشيء الا لانها لا تعرف ارتداء جلد الحرباء لقضاء مصالحها. ولم تدعي النضال الزاىف للنصب على الفنانين لملء جيوبها لتصرفها بالليالي الحمراء اوتسعى للارتقاء الاجتماعي السريع. بل لم تسعى للتقرب من ذوي اليد الطويلة بالشان الثقافي عن طريق تكريمهم او دعوتهم لمادب خاصة قصد التوسط لهم للحصول على دعم من الوزارة الوصية على القطاع او لتوصي بان تكون اسماهم بقاىمة الموصى بهم في كواليس توزيع الكعكة.
جلسنا نتجاذب اطراف الحديث مع شباب مبتدىء يسعى لتقاسم تجربته معنا والحصول على بعض النصاىح التي قد تفيدهم في تشكيل مسارهم الفني.
فعلا هذه نقطة حسنة تحتسب لهذا المهرجان ، وهي خلق حوار ثقافي جاد بين رواد الفن التشكيلي الحقييين وبين الناشىة التي اصبحت تدرك جيدا دور التشكيل في الحياة اليومية ، واهمية هذا الحراك الفني العميق في التوعية الفكرية والثقافية لارساء دعاىم الفن الجاد بالمغرب.
لاول مرة ساكتشف هذا الفنان كانسان وكمبدع حقيقي لم ينصفه التاريخ، ازيد من خمسين سنة اعطى فيها اعمالا تشكيلية جادة تحترم ذوق المتلقي وتقحمه في المسالة الفنية. من باب الفضول حاولت التعرف على مساره الفني بطريقة عفوية بعيدا عن الطريقة الصحفية ، حاوت ان لا تكون اسىلتي مباشرة حتى اترك له حرية التعبير ليتحدث على سجيته لعلني استخرج منه ما لم يستطع يوما الافصاح عنه في لوحاته. سالته هل يمكنك ان تحدثني عن تجربتك الفنية ؟ اني اريد ان اعرف بك كانسان مبدع واعرف القضية التي اسست لها بفنك .؟
بكل عفوية اجابني:
-ابدا انا تشكيلي عادي من مواليد مدينة القصر الكبير سنة 1955 ، نشات بمدينة طنجة حيث تابعت دراستي الابتداىية والثانوية بها ما بين سنة 1965 و 1969. مارست الرسم منذ طفولتي وشاءت الاقدار سنة 1972 ان التحق بشركة متخصصة في الطباعة على النسيج ، فكانت الفضاء الذي جمعت فيه بين هوايتي الرسم وبين كسب قوتي كمصمم رسوم تطبع على النسيج، فاصبحت الشركة بالنسبة لي اكاديمية فنية ابتكر فيها اشكالي الفنية وامارس جنوني الابداعي وارى ردة فعل المستهلك من خلال تتبع مسار التسويق للبضاعة. كنت فخورا جدا ان ارى ابتكاراتي الفنية تسافر عبر ارجاء الوطن فوق اثواب يعشقها الشباب والشيوخ والاطفال. كنت جد سعيد حين يتم استدعاىي ليخبرونني ان التصاميم الفنية التي طبعت على الاثواب لقيت اقبالا كبيرا داخل وخارج الوطن، مما كان يزيد من حماسي لابحث واجدد وابتكر لان سوق الاستهلاك لا ترحم والبقاء للمبدع والمبتكر وليس للمستنسخ....كما كنت اقوم.بتنظيم معاريض فنية جماعية وفردية من ان الى اخر . كنت جد فخور بعملي لانه مكنني من ان اسافر لتلقي تكوين تقني وفني بكل من اطاليا وهولندا ، فسمح لي بان التقي بفنانين كبار في مجال الرسم والتصميم والتشكيل الفني. فاصبحت احس بمسؤولية اخرى تلقى على عاتقي وهي كيف انقل تجربتي الصناعية الى الميدان الفني المغربي حتى يستقيد منها الشباب المغربي؟ لكن الله غالب لم تكن لي امكانيات مالية لاقوم بانشاء مؤسسة فنية لتكوين الناشىة لكن هذا لم يثنيني عن عزمي فقررت ان اقوم بمعارض تشكيلية تسمح لي باللقاء المباشر بالتشكيلبين المغاربة حتى نخلق حوار فني حاد.
كان يحدثني بكل سحية واريحية دون تكلف او تعال او غرور. ، دقيق الكلمات وبسيط التعابير وخجول المحيا.
نظرت اليه فوجدته ينظر الى الارض بكل عفوية وهو يبتسم ليضيف:
_هذا هو مساري بكل اختصار ليس هناك ما يميز تجربتي عن الاخرين.
اجبته :
-ابدا سيدي هناك اكيد اشياء كثيرة تميز تجرتك عن الاخرين والا كيف لشركة تعتمد على المنافسة في السوق ان تنظر لاعمالك على انها مميزة ؟ من فضلك حدثني عن اول لقاء لك بالرسم والالوان وتصميم الاشكال. وذلك الشغف الفني كيف اكتشفته بداخلك او اكتشفه الاخر بك؟
هنا اعتدل فنانا في جلسته وتنهد لياخذ نفسا عميقا واحابني:
- وكانك تعزفين على الوثر الحساس . كنت اظن وانا طفل صغير يتيم الاب ان الله ظلمني حين اخذ مني والدي ، لكن مع الوقت احسست ان الله احبني اكثر مما كنت اعتقد. ففي الوقت الذي حرمت من والدي ارسل الله لي والدا وصديقا ومعلما ومرشدا لي . انه زوح والدتي. كل ما كنت اسمعه عن زوج الام كسر قاعدته هذا الشخص رحمه الله. كان صديقي واخي الاكبر. لكثرة اعحابي بفنه وبلوحاته وهو من صنع له اسما داخل طنجة وامريكا واوربا ، كنت اجلس امام لوحاته لساعات ولا احس بمرور الوقت. وانا طفل لا يتعدى عمري السبع سنوات جلست يوما امام احدى لوحاته لاحاكيها ففاجىني بدخوله المرسم. كان سؤاله دقيقا .
- اتحب الرسم؟
اجبته بعفوية طفل : تعجبني لوحاتك كثيرا .
خرج ولم يعلق على جوابي.
في الغد دخل لغرفتي وهو يحمل شيىا ما لي، فناداني
- خذ يا عبد اللطيف هذه فرشاتك والوانك، ارسم ما تشاء، انت لست بحاجة لتقليد احدا ما دمت تملك الرغبة والطموح. فقط انصحك ان ترسم بصدق وحب وكل ما يخطر ببالك.
هكذا حظيت باول هدية رسمت مسار حياتي الفنية الى الان وشكلت نقلة حقيقية .وكانت هدية زوج الوالدة الثانية ان نظم لي اول معرض فردي بالمكتبة الامريكية سنة 1971.
فعلا ،فبفضل زوج والدتي ونصاىحه التقنية ، استطعت ان ابدع لوحات صغيرة الحجم على الورق. كانت لوحات دقيقة وبالوان راىعة اعحب بها صديق والدي الروحي مدير الغالري السيد عزيز الليريني فاصبحت ارسم له مجموعات لوحات متنوعة لمواضيع مقابل ثلاثون درهما للواحدة. طفل في نهاية سن السادسة عشر تنفذ لوحاته من الغالري قبل نهاية الاسبوع.
كنت في البيت اعيش بين تجارب فنية عميقة تجربة زوج الوالدة التشكيلي محمد الحمري وصديقه صاحب الكالري. لقد عجز الناقد التشكيلي الانحليزي Brion Gisyn في افتتاح اول معرض فردي لي عن تصنيف اعمالي ضمن مدرسة ما، و قال: ان اعمال العبدي هي اعمال تعبر عن صاحبها الذي اكتسف حقيقة الفن في سن مبكرة .سيكون له صيته وبصمته الخاصة، انه ابن محمد الحمري الروحيلكنه يشق طريقه الخاص.
حين كانت والدتي تخبر الفنان الحمري وصديقه انها ترغب ان اكون فنانا، كانا يخبرانها انني فنان منذ خروجي من بطنها واني لا احتاج لتكوين بمدرسة اكادمية قد تقتل موهبتي الفطرية. فعلا كان الفضل للفنان الحمري الذي اعتبر اعمالي صدقة جارية له الان. فبفضله تعرفت على صاحب الكالري الذي كنت ابيع له كل لوحاتي . كان هناك معجب يمر امام الكالري ويتامل اعمالي ويشتري بعضها. لقد اعجب بدقة الرسوم ولوانها واختلافها عن ما يروج بالساحة الفنية بمدينة طنجة. وكان من حظي ان سال يوما عني صاحب الكالري . لقد طلب منه اصطحابه عندي للتعرف الي. حضر الى بيتنا البسبط، وفي اول لقاء به عرض على العمل بشركته للنسيج في قسم تصميم الزخاريف الفنيةوطبعها على الاثواب .
ما كان من زوج والدتي واصدقاىه الا ان نصحوني:
- يا عبد اللطيف ، ان الحياة لا تمنحك الا فرصة واحدة في العمر، ان لم تقتنصها سيحب البساط من تحت قدميك، انك شاب ومقدم على الحياة ، ستحتاج لاستقلالية مالية واستقرار معيشي قد لا يستطيع الفن تامينهما لك. خذ الوظيفة لتؤمن حياتك وتحمي نفسك من عواىد الزمان، وابدع ببيتك كما تشاء ومتى تشاء.
كانت نقلة مادية ومعنوية في حياتي وانا الطفل الذي نشا ببيت فنان تشكيلي له وزن لا يستهان به بالمغرب وخارجه،. كنت اعيش لحظات رخاء مادي حيث يغدق علينا العطاء ولحظات ازمة قد لا نجد ثمن دفع فواتير الكراء والماء والكهرباء. و كان حلم امي ان اصبح ذلك الفتى المستقل ماديا ومعنويا وان اساهم في استقرار احوال بيتنا. ولما لا وانا ادرك جيدا ان نصاىح زوج والدتي كانت بعطر الياسمين في المروج.
فعلا اعتبرت نفسي محظوظا في هذه الحياة، ومما زاد من حظي تعرفي على التشكيلية الامريكية ان بروس ستودار التي كانت تقيم بطنجة.
ANN BRUCE STODDARD
قصة حب واعجاب وتبادل الخبرة الفنية وصداقة مثينة لسنوات، الى ان عادت لوطنها وتبادلنا رساىل كثيرة في وقت انعدمت فيه وساءل الاتصال الحديثة. ولم استطع السفر معها لامريكا واترك امي وزوجها وانا اعرف اني المعيل الرىيسي للاسرة في غياب استقرار السوق الفني بطنجة في هذه المرحلة التاريخية واستغلال بعض اصدقاء زوج والدتي لفنه دون ان يمنحوه حقوقه المادية ليعيش بكرامة. لقد قررت ان ابقى بشركة النسيج لاصمم لوحات تسافر فوق اجساد المواطنين عبر انحاء الوطن واضمن لاسرتي الاستقرار المادي على ان استفر مع صديقتي لامريكا خوفا من ان اخل بواجباتي المادية نحو اسرتي. لقد ضحيت بالشهرة وبحب صديقتي مقابل الحفاظ على استقرار الاسرة ورابطها. هكذا اخترت زوجتي بوسطي المغربي التي شكلت لي سندا قويا في مسبرتي الفنية والعاىلية ، لابقى الى جانب امي واخوتي وامارس هوايتي . كنت احس بالاسى حين ارى بعض الانتهازيين الذين ليس لهم ادنى عشق او خبرة بالفن يحققون ما لم استطع تحقيقه ، لكنني كنت فخور بحياتي لاني كنت اعتبر ان النجاح المتزن هو ان تعيش للفن والاسرة والعطاء المميز، ...خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب