أضيف في 27 نونبر 2018 الساعة 21:56

الناقدة خيرة جليل :التشكيلي بنجانة عبد الواحد تجربة القيمة الجوهرية للتحول الحركي التشكيلي الرفيع المستوى .


خيرة جليل

يشكل اللون في اللوحة التشكيلية أساس التعبير لأنها تعتمد على تمييز الأشياء من خلال اللون، وترميز وضع المرسوم، بمعزل عن الحقبة، التي أظهرت في تيارات الرسم الحديث تجارب وأساليب عديدة، تباين فيها استعمال اللون. بحيث كان اللون وما يزال في مصلحة ما يُلَوَّن في بنية لوحة الرسام. وتبرز في اللوحة عناصر أربعة تشكل المَحاور التشكيلية الجمالية، هي أولا الأشكال" forms"، ثم الألوان" colors"، والتكوين "composition "وأخيراً الملمس "texture " الذي يستثير إدراكاً حسياً لمسياً. وأن الطلاء اللوني يكسب اللوحة ثنائية الأبعاد صفة ملموسة تُشكِّل بعدها الثالث. واختلفت المدارس النقدية الفلسفية حول معايير الإبداع هل هي لونية أو رموز والأشكال المشكلة للجمال والإبداع الفني، فقد يكون إبداعا فنيا ولكن ليس إبداعا جماليا. وهنا اختلفت المرجعيات والنظريات الجمالية مما جعل الآن نحن أمام فراغ تنظيري في هذا المجال حيث هناك من نادى بان قوة العمل الفني هو كل ما يخرج عن المألوف ويحدث صدمة لدى المشاهد، بل إن الأعمال الحديثة أو ما بعد الحديثة أفرغت من جميع المعايير السابقة بالميدان التنظيري للفن التشكيلي وأصبحت الأعمال النقدية تقودها الأهواء الشخصية أحيانا وترتبط بأذواق أصحاب المتاحف والكلريهات الذين يتحكمون في سوق الأعمال الفنية عالميا، وأحيانا أخرى يطغى عليها الجانب ألمجاملاتي وخصوصا في العالم العربي. لكن ما يمر به اليوم التشكيل المغربي يعبر عن حركة ونشاط الميدان والذي يرافقه حركة نقدية فنية تبحث عن منهج يؤطر العملية الإبداعية، بطريقة تساير العالم الغربي الذي له الريادة بالمجال لكن تحترم خصوصيات المغرب كبلد إفريقي عربي متعدد الروافد الحضارية والفكرية والفنية التي تراكمت مع مرور الزمان. في اطار هذا كان لزاما علينا ان نأخذ عينات فنية للدراسة التمحيص لنبرهن على ما نسعى لترسيخه بالمنهج النقدي للتشكيل بالمغرب. ومن بين الفنانين المغاربة سنتوقف اليوم عند أعمال الفنان التشكيلي بنجانة عبد الإله بن مدينة بركان الذي لقيت لوحاته استحسان العديد من رواد غالري ياربابروخا بنيويورك عند مشاركته بأجنحة السلام للتشكيل النسخة السابعة سنة 2018 .
التشكيلي بنجانة عبد الواحد فنان عصامي ولد وترعرع بمدينة بركان بالمغرب الشرقي، رغم حداثة سنه استطاع أن ينقش اسمه الفني بالمغرب وأوربا وأمريكا من خلال مشاركته المتعددة بأجنحة التشكيل للسلام التي تنظم لسنوات بمدينة نيويورك. فكيف تعامل الفنان بنجانة مع الفن التشكيلي من خلال فلسفة الجمال والإبداع؟ كيف استطاع أن يعبر عن أفكاره الجمالية والإبداعية من خلال لوحاته ومنشأته الفنية؟
الفنان بنجانة عبد الواحد استطاع مزج كل هذه الإبعاد الفكرية المؤطر للفن التشكيلي كإبداع جمالي وخلق فني ، وارتبط بالتوجه الأكاديمي العلمي تقنيا رغم انه فنان عصامي. لقد تحكم في وسائله بالسعي إلى المحاكاة وإعطاء صور طبق الأصل للنموذج الذي كونه في ذهنه عن شيء معين. فأنتج أعمالا تصويرية تفوق جماليتها تلك التي قد تنقلها لنا آلة التصوير الفوتوغرافية في ما يسمى بالواقعية الدقيقة التي لا يستطيع الفرد التفريق فيها بين اللوحة المنجزة وبين الصورة في اطار ما يسمى hyperréalisme »" .
لقد وصل الفنان بنجانة في ممارسته الفنية التشكيلية اليومية إلى ذروة الإنجاز الفني وذلك لأنه في أقصى حالات التفتح نحو إيقاعات الطبيعة، متحداً مع كل ما ترصده عينه بدقة متناهية ، فيصيغها في قالب فني بحركة حيوية إيقاعية تعكس "جوهر الحياة"، بوصفها أعمالاً فنية. لكن في الحقيقية فإن الفنان يصور إحساسه بالحركة الطبيعية لدورة الحياة للموضوع كادراك حسي تحولي . جميع لوحاته وبدون استثناء التي رسمها لم تكن مجرد محاكاة لمشهد من الحياة او لطبيعة صامتة بل هي أعمال فنية مضبوطة كصورة ذهنية تكونت كرؤية وصياغة تعميمية لتمثلها داخل ذهنه ، لتشمل أدق التفاصيل الوجهية أو الجسدية أو المظهرية عامية في تناغم تام مع الإيقاعات اللونية لتنزل على القماش كنوتات الموسيقى تارة هادئة وتارة أخرى صاخبة حسب نفسية المبدع وضربات فرشته التي تتنوع بين القوية والخفيفة والانسيابية، مشكلة بذلك "بنية" لونية تولدت في الذاكرة كتصور يتمتع بمرونة وذاتية وقدرة على الحركة والتحول كصيغة بديعية حسية جمالية ،عبارة عن صياغة بصرية مكانية للحركة في الفراغ أو الفضاء التشكيلي على اللوحة، بحيث تشمل بايحات تستهدف "اللمس" أو"البصر" أو"الرائحة"،أو"الحركة الشمولية" للساق مع الذراع والجسد أو الكل في تفاعل حركي مع الوسط الخارجي. و ما استحوذ على البصر ينطبع في الذهن من تمثلات ذهنية بواسطة الشعور العميق حتى يلتصق باللوحة ويفرغه الفنان عبارة عن تدفقات لونية مركبة أو بسيطة ، ويصبح الشكل غير متميز عن الشعور بل يصبح الشكل شعوراً والشعور شكلاً. وهذا ما جعل أعماله تأخذ من منحى " مارك جيمنز" 1943 الذي يقول : الجمالية هي نوع من الحساسية والانفعالات والحدس والشهوانية والرغابات ، أي أنها ميدان يسود فيه نزاع قاهر بين الرموز وبين نسق التدوين المناسب لها.والعمل الفردي في المخيال الفردي أو العمومي ، يعيش من تعدد التفاسير الممكنة، ومن الأحكام المدققة، المتناقضة أحيانا والمتغيرة التي يستثيرها" ومن المنهج الفلسفي لنيلسون غودمان في كتابه" لغات الفن ، مقاربة نظرية الرموز :" language de l art ; une approche de la théorie des symboles" : الذي يقول " أن لا فارق أساسي بين التجربة العلمية والتجربة الجمالية". فغودمان استبعد الفن عن التمثيل ليربطه بالمعرفة . و"ما يعبر عنه فنيا العمل الفني ، ومضمونه فكرته لا يحسب لها أي حساب". فلم تعد المقاييس الجمالية التقليدية المتأسسة على إحكام الذوق والجمال والمتعة مجدية ولا صالحة لتقييم العمل الفني. ففي رأي غودمان أن الحكم على عمل انطلاقا من الحساسية ليس ضروريا ولا مهما بل ما يهم هو أن العمل يعتمل جماليا ، وهذا يحيلنا إلى تساؤله" متى يكون هناك فن؟" الذي استعاض به عن هذا التساؤل التقليدي : " ما الفن؟" كان جوابه هو " هناك فن حين يعمل شيء رمزيا مثل عمل فني " فلهذا نجد بعض لوحاته تمثل بشكل دقيق "الصورة الجمالية " المتصورة في المتخيل التشكيلي التي رسمها التشكيلي بنجانة كإسقاط ذهني بصري حركي تشكيلي للتمثل الذهني الذي استشفه من ما يحيط به، أو ما تلتقطه عينه الفاحصة والمدققة في الأشكال الرموز الألوان لتشكل اندماجا بين عناصر منتقاة من رؤيته لواقع ملموس أمامه لتكوين عناصر مستدعاة من "الذاكرة الصورية" التي اختزلها ذهنه بكل تفاصيلها حسب "الرؤية الفنية " التي ينظر لها في فنه من خلال الاحساس بالموضوع في الحركة. فلا يصبح الجسد جسدا بسيطا كما تنظر إليه عين المتلقي العادي بل يصبح جسدا معجزة إبداع الهي تعجز الريشة على التقاط جميع تفاصيلها مهما بلغت مهارة الفنان ،وكأنه يقول للمتلقي مهما انبهرت بالتفاصيل الدقيقة لجمالية هذا الجسد فانه مجرد لقطة بصرية من إبداع رباني قادر على تحريكه ومنحه الروح والإحساس لا كما حركه الفنان داخل متخيله البشري وعبرت عنه ريشته العاجزة عن التقاط كل الجمال الإلهي في رسوم لوحاته لا تتضمن رسم لوحة الجسد فقط وإنما مشاهدة الجسد المتخيل والإحساس به ، بل في تأدية أدواره وتذكره في نفس الوقت كتغذية راجعة ذهنية feed back وكرسم للمتصورة في الصياغة المتحركة التصميمية لذكرى الصورة بذهن الفنان، لأنه لا يتوفر على كنموذج موديل أمامه . فيقوم بتحفيز "للفكرة" و"الاحساس البدئي" المخيلة نحو انبثاق "الرؤية الفنية" في عمل فني. وتفهم تقنية الرسم على أنها تجاوب عناصر اللوحة أي تجاوب الصورة مع "المعنى المهيمن" أو "الحركة المهيمنة" التي هي لوحة تشكيلية مكتملة العناصر من ظل وضوء وزاوية الالتقاط ومستوى الرؤيا والضربات اللونية ليكون لنا منشأ فني جاهز للعرض والمسالة الفنية وإقحام المتلقي فيها .
عموما إن الفنان التشكيلي بنجانة يمتلك مؤهلات فنية كبيرة وطاقة خلاقة هائلة استطاع أن ينحت بها مساره الفني منذ حداثة سنه، بل واستطاع أن يبرهن أن الموهبة تفوق التكوين في الطاقة الإبداعية . ولو أتيحت له الإمكانيات والرعاية لشكل ثورة فنية حقيقية بالمغرب.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب