أضيف في 26 نونبر 2018 الساعة 18:51

من وحي تمرد التلاميذ


رشيد اليملولي
من وحي تمرد التلاميذ .
لا يمكن أن يكون قرار إضافة ساعة أو الاستمرار فيها ، قرارا سياسيا محكوما بهواجس معينة ، بقدر ما يتجاوز ذلك إلى طبيعته و آثاره الاجتماعية ، التي تجعل منه معنى و دلالة اجتماعية تعلو ما هو سياسي أو اجتماعي محض ، و الدلالة التي يقدمها اجتماعيا هي تمرد التلاميذ احتجاجا على طبيعته غير الاجتماعية ، التي أقصت الحق الاجتماعي باعتبار المعني الأول من الآثار السلبية ، مادامت النتائج المرجوة لا يتم ترجمتها تنمويا لصالح قضاياه و مصالحه .
إن الساعة في علاقتها بالمجتمع تنطلق من الأثر الاجتماعي الذي انسل مرة أخرى من الاعتبارات التي تضعها الدولة في الحسبان ، أي انطلاق شرارة الاحتجاج و الرفض من شريحة و عينة خاضعة في الآن نفسه بدرجة معينة للتكوين و التربية و إنتاج المعنى ، و بعيدة عن التأطير السياسي و النقابي المحض و الواعي .
لعل الفعل الاحتجاجي النابع من تمرد التلميذات و التلاميذ انضاف في طبيعته و أفقه إلى سلسلة الأحداث الاجتماعية ـ السياسية الفجائية بالمعنى السياسي و الطبيعية بالمعنى الاجتماعي ، أي أن هذا الاحتجاج من الوجهة السياسية يصب في إطار " التراكم السلبي " ، الذي لم يستطع أن يغير من الطبيعة غير السياسية للنظام الاجتماعي ، و من ثم كان استمرارا لقاعدة الرفض السياسي من طرف النظام السياسي و الأمني ودرجة الخدمات التي تقدمها الدولة ، و بالتالي فهو تعبير عن مجابهة الدور غير التنموي للدولة المغربية ، و لفلسفة خاصة و رأي معين في تدبير ملفها الحضاري بشكل عام .
لقد كان الاحتجاج على الساعة احتجاج على مضمون سياسي و اجتماعي للدولة منذ فترة مبكرة من تاريخها ( و نقصد الحركة التلاميذية في القرن الماضي ) ، و إلى حدود اللحظة الحالية التي احتل فيها الاحتجاج و الرفض المعلن منه و المضمر قيمة تتزايد فعاليتها في تقوية التذمر و الاحتقان ، و تؤكد على أننا حيال هوية غير اجتماعية و أحيانا غير سياسية للدولة ، ما دامت كل الفعاليات السياسية قد أبانت عن انخراطها اللامشروط في مشروع الدولة الأمنية ، التي تتكرس قواعدها يوما عن يوم ، في ظل بنية و سلوك و خطاب يستهدف أساسا الترويج لخطاب الدولة الخيرة ، التي لها فقهاءها في القانون و السياسة و الفن و الاقتصاد و المجتمع ، لا يتورعون قيد أنملة في الدفاع عن قيمها غير الحجاجية ، و التركيز قسرا على المصالح الفئوية الضيقة ، بشكل تحول فيه هذا النوع من الدولة ليس من الفاعل الواعي و الناضج سياسيا و نقابيا ، و إنما من مشتل و حياض المواطنة المستقبلية في شخص التلميذات و التلاميذ ، و بأسلوب عنيف في صيغته و طريقته الرمزية من خلال الخطاب الذي صدحت به الحناجر أمام البرلمان ، و الذي كان قويا في رسالته و بنبرة أكثر شراسة و جرأة .
الاحتجاج غير الواعي و الفاقد لدرجة محددة من الحبك و الإبرام و التنظيم و الهيكلة هو الذي ساد في التمرد الذي عبرت عنه الشريحة المشار إليها ، و هو ما يطرح أكثر من إشكال حول أفق التربية على قيم المواطنة ، و السبل التي ارتضتها الدولة وسيلة لتكوين فاعليها و مواطنيها ، ذلك ما قد يعني بالملموس فشل منظومة محددة ، و يعني ليس غياب المشروع الاجتماعي و الحضاري بل موته ، و نعني تحديدا النموذج في بناء الدولة ، إلا إذا كان تدبير و تكوين هذه العينة و هذا الجيل ، قد دبر بليل لخدمة أجندة سياسية معينة ، و هي تحويل الأجيال أداة طيعة للتصويت على النظام السياسي و تزكية خطواته ، دون أي حس نقدي أو تقويمي ، و أكثر تحديدا معارض بالمعنى الدال و المنتج للمعنى .
أصبح من الثابت عيانيا أننا أمام دولة أمنية بامتياز ، و بدرجة عالية من مأسسة العنف ، دون تحويله إلى قيمة فلسفية و أخلاقية من بين قيم أخرى مهمة في تكوين الأفراد و الجماعات ، و من ثم المجتمع المنشود في الأفق البعيد ، و أكثر ملمح معبر عن هذه الصفة تعامل المؤسسة الأمنية مع التلميذات و التلاميذ ، و هنا نتعالى عن الدور المنوط بهذه المؤسسة ، و هو حماية المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى و العدمية و التدمير ، و نستحضر فقط ضرورة استعمال العنف ، و مرجعيته التشريعية في مهاجمة فئة و شريحة اختارت الاحتجاج و الرفض بمنهجية تبدو سليقية و طبيعية ، و لا تسعى بالمعنى التربوي للتدمير ، و إن عبرت عنه باقتضاب بحكم المرحلة العمرية .
لعل القيمة التي أبانت عنها هذه الظاهرة ـ أي تعامل مؤسسة الأمن مع الاحتجاج ، لم يكن له أي معنى مؤسساتي سوى أنه تأويل محدد و معين لطبيعة الدولة و مضمونها ، الأمن و لا شيء غير الأمن و معناه الطبيعي الخوف ثم الخوف من التمرد ، و هنا المأساة الحقيقية ، و هي قتل الاختلاف و المعارضة و الاحتجاج ، و الخوف من الحركة الاحتجاجية ليس بالمعنى الأمني و الفقهي ، أي الفتنة و الفوضى ، و لكن تكريس فهم معين للسياسة و للسلطة و الدلالات الثاوية خلفها ، أي أننا بصدد الدولة الأمنية و نمط الإنتاج الدائر في سياقها و معناها ، و هذا الفهم و هذه الطبيعة تعني بتر جزء كبير من الكينونة السياسية للدولة ؛ فالإعاقة و الموت البطيء هو العنوان الأبرز و الأفق الذي يحكم دولة من هذه الطبيعة ، فلا أمة من دون روح الاختلاف و التباين في بناء الدولة ، أي أن الخطية و الاستقامة ليست لها من ضرورة في بناء و تكوين الدولة و الفرد معا .
لقد استبيح فضاء المؤسسة ـ على الأقل في المجال الترابي الذي نمارس فيه العمل ـ لصالح قوى الأمن ، في خرق سافر لمحيط المؤسسة و رمزيتها و قيمتها ، و انتقلت قوى الأمن من مقدم و شيخ و أعوان ، إلى ممارسة كل أنواع الترهيب في حق التلميذات و التلاميذ ، و دفعهم قسرا و ضرورة إلى ولوج الأقسام في تنافي لا حدود له ، و في صورة تعبر عن واقع الدولة العميقة ، و هي غياب الحرمة و غياب التنظيم و القانون ، و استقلالية الفعل و الممارسة الخاصة بالمؤسسة ، و أصبحنا أمام فعل يعلو و يتعالى على الشعارات و الخطاب و القيم المتغنى بها ، بل و تدخل كل رمز من رموز السلطة لإبراز سلطويته و عنفوانه السلطوي دون حد مميز للحق و الواجب ، حتى و إن كان من طرف تربوي.
إن الرسالة التي قدمها تمرد القوى المستقبلية بمختلف مشاربها ، أن العنف لا يولد إلا العنف ، و أن إنتاج الأجساد الطيعة و العقول المطيعة ، لن يولد في أمده القريب منه و البعيد ، إلا عنفا و استهتارا بالمؤسسة ، و إن بدا أن ترسيم الساعة قد تم بالعنف المعهود خارج الشرعية الاجتماعية ، فهو لم يؤسس إلا للفشل و تقنين مقتضياته ، فالدولة تحارب منطقها الخاص في التدبير ، تحارب ما أنتجته و تقمع ما أسسته ، و كأنها تصارع منطق إنتاجها الاجتماعي ، و لن يؤدي هذا الأسلوب إلا إلى وأد كينونة الدولة ، التي لا محالة سائرة في طريق قتل نفسها .
أصبح المغرب بلد الهامش حين تصدر التلاميذ الاحتجاج على الساعة ، و تصدرت جماهير الرجاء الرياضي الاحتجاج على الأوضاع المعيشية ، و في هذا قد نسير في اتجاه المقاولة الشعبية في الاحتجاج و المشاكسة ، و ننتقل من القوالب الجاهزة في التنظير للاحتجاج انطلاقا من العمل السياسي و الحزبي و النقابي ، إلى المعاني الفجائية للتمرد التي تعني في عمقها ردود أفعال و هبات ينطفئ بريقها و جذوتها سريعا بفعل افتقارها إلى النفس الطويل و المشروع الحجاجي المقنع ، و هنا مكمن الخطورة تقديس و تقدير الفجائية من دون ثمن سياسي أو تنموي .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب