أضيف في 23 نونبر 2018 الساعة 22:28

التشكيلي توفيق المرزوقي تجربة تنفذ لبرزخ الألون لالتقاط اللحظة الفنية المتميزة......خيرة جليل


خيرة جليل
قال فولتير : أنظر الشخص تعرف بيئته . البيئة مصدر الجينات وهوس البنية الفكرية . وأنا أضيف : الفن ذاتي وهو فيض الهي وموهبة تصقل بالممارسة اليومية أو بالدراسة داخل البيئة الحاضنة له ، هذا الفيض يمنحه الله لمن يشاء لأنه قد تكون رجل علم أكاديمي وتعرف جميع القواعد العلمية لممارسة الرسم ، لكن لا تستطيع أن ترق لدرجة تشكيلي مبدع. قد تكون مبدع تشكيلي عصامي يسكنك الإبداع الفني حتى النخاع فتقوم بالاقتباس من محيط دائرة اللون من قوس قزح وزركشات فساتين الوالدة وزخارف الطبيعة على الجبال والحقول .... هي مؤثرات عينية رؤية بصرية . العين ترى و والقلب يعشق والعقل يدرك واليد تنفذ .....حين تمتلك الفيض الإبداعي كل الأشياء حولك تصبح ملهمة بعفوية، تصبح كائنا مبدعا في الأرض ومن ما في رحمها من أزاهير الفصلية والربيعية تحديداً. يصبح محيط التشكيلي مهرجان ألوان في زيهم بكل مناخ الحياة اليومية،.من إيحاءات ترى له من أشكال عفوية تعبيرية بإيحاءات خيالية .
إن لكل فنان أسلوب يمتاز به وأسلوب يمثله"، فما هي خاصيات أسلوب الفنان التشكيلي"توفيق المرزوقي"؟
المرزوقي كفنان تشكيلي هو ابن مدينة تاوريرت، نشأ وترعرع وسط الألوان منذ نعومة أظافره، رغم حداثة سنه عمله يتميز بالاحترافية والمتعة البصرية والدقة التشكيلية. لا يهمني ما كتبه الآخرين عن تجربته بقدر ما يهمني ما سأقف عليه أنا في أعماله واستنطاقها بمختبر النقد والتحليل لنخرج ببصمته الشخصية بالميدان التشكيلي المغربي وبالساحة الشرقية، إلى جانب مجموعة من أصدقائه كالتشكيلي عبد الإله بنجانة أو التشكيلية صليحة مجاطي الذين سأعود إلى دراسة أعمالهم فيما بعد. هؤلاء الثلاثة شكلوا حركة تشكيلية فعالة ومتفاعلة بمنطقتهم وخارجها.
الفنان تأثر بمرجعيات شتى، فكان يتأثر ويؤثر ولكن استطاع أن يصوغ الخصوصية والفردية لأعماله. كان زائرا دائما للمعارض التشكيلية، ومشاركا فعالا بالورشات الفنية داخل المغرب وخارجه. يتمتع بدقة القراءة البصرية وعمق الثقافة التشكيلية وله مرجعية إدراكية ، ولكن المرجع الأساسي الذي اعتمد عليه هو التكوين الذاتي المستمر داخل ورشته الفنية فهو ذات مبدعة ولديه تركيبة نفس مبتكرة ، فهو فنان من العجينة الفنية الغربية المغربية ، استطاع استنبط أحكام وقواعد الرسم بشكل قوي واستنطاق لسان حاله بتفرد مميز
وشكل بصمته من ريشته القوية . كان مسرح تجربته هو لوحاته لكتابة عشقه للتشكيل رغم ظروفه الصحية الصعبة، إلى حد تشكيل مدرسة فنية لتعليم فن الرسم للناشئة ليكون مؤثرا وفاعلا في بيئته بتاوريرت والمنطقة الشرقية ككل لينقل تجربته نحو أمريكا بنيويورك مع حركة أجنحة التشكيل للسلام العالمية في نسختها السابعة، حيث لقيت استحسانا كبيرا من طرف جمهور لونغ ايلاند.
من خلال لوحات متعددة في بداية المسار الفني للفنان نلاحظ، دون التحليل والمعرفة في الأسباب، أنه انجذب بشكل مغناطيسي للمدرسة الواقعية الجد الدقيقة. بعد التبحر والتعمق والمثابرة والغوص في محيطها والتلاطم بأمواج أشكالها ورموزها وضبط قواعدها، أدرك السباحة فيها بشكل جد متقن للأشكال والتوزيع اللوني ... و فاغرم بالعزف والتراقص في إيقاعاتها البصرية، التي أحبها بشكل مهول فتلاعب بشكل محترف بالرزمات الضوئية والكتل اللونية والضربات القوية للفرشاة التي كانت ضرباتها اللونية مضبوطة ومسترسلة في الآن نفسه. كان ضابطا لتوزيع ألوانه و مستوى الرؤية ومركز اللوحة وزاوية الالتقاط. لقد امتلك الغنى اللوني اللامنتهي في لوحاته لينتقل بين المدرسة الواقعية إلى الانطباعية والمدارس التشكيلية الأخرى. كأنه يريد أن يجزم للأخ، أنه ليس براقص مبتدئ للألوان أو هاو يبحث عن فرصة. هو تشكيلي، جامع تقريباً لكل المدارس التشكيلية ويعمل على السهل الممتنع بلغته التشكيلية البصرية والتقنية. إيقاعاته اللونية تمنحك إيقاعات موسيقية بصرية طويلة وهادئة في نوتها قريبة لطبيعته الانفعالية أثناء الرسم بحس عميق ودقيق، والرقص في ضربات الريشة واللون على لسان حاله. فنان مسالم داخل مجتمعه، لكنه فاعل ومتفاعل معه فنيا وإبداعيا ، مما مكنه من نسج علاقات عميقة مع الأطفال والبالغين يطبعها الاحترام المتبادل.لأنه يؤمن برسالته الإنسانية كمبدع قبل أن يفكر في المال أو يركب مطية الفن لتحقيق إغراض شخصية كما يعمل بعض مرتزقة الفن التشكيلي.
قال الأديب والشاعر الفرنسي "فيكتور هيغو: "لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن" . نعم، اتفق مع قول فيكتور هيغو إلى حد كبير، لكن لكل مدرسة قيمتها مثلا الكلاسيكية تسجيلية فلها اعتباراتها والقيمية ولكن حسب المدرسة ، لكن يمكن القول أن بعض المدارس الفنية بها كل سهل ومستساغ وتسجيلي، والوضوح فيها يقلل من حواريتها والغور والغوص في معالم ومنأى وفحوى المعاني فيها وغير دافع للسير نحو التقدم للحركة الفكرية والمحاكاة ...وأنا شخصياً أرى أن أعماله غير تسجيلية، رغم الوضوح التشكيلات بصرية التي ترافق المحاكاة لما هو واقعي أمام الفنان المرزوقي، فهو يتفاعل مع المتلقي حيث يضعه في مواجه الحوار من البينة اللونية والتغريبية المشهدية والانجذاب إليها والتلاعب اللوني والجسدي، و هذه وسيلة ذكية لدى الفنان ليضع عين المتلقي في حوارية لا تنتهي فحين يرسم القدم بشكل دقيق وفي وضعيات مختلفة فهو يقحم المتلقي في المسألة البصرية والحس حركية، فللقدم رمزيات متعددة ومتنوعة على المتأمل أن يدخل عوالم رمزيتها والتموقع فيها لإجابة على إشكاليات محلية ووطنية ودولية بإبعاد سوسيوثقافية اقتصادية خصوصا ان القدم قادرة على أخذك إلى لا نهاية من الأماكن والعوالم رغم بساطة مظهرها أو كونها حافية. خصوصا مع موجات الهجرة التي تمر من منطقته قادمة من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوربا. هذه الصدمة البصرية تضعنا أمام الصدمة الواقعية. كيف لكائن بشري ضعيف أن يعبر قارة بأكملها لمعانقة حلمه وهو العبور نحو أوربا. مما يطرح السؤال: أكان لزاما على هذه القدم أن تتحمل جحيم السفر لتحمل صاحبها نحو حلمه المنشود؟ ومن هنا نستخلص أن الأقدام أساس الأحلام، وليس المال أو الجاه لأنها رمز التحدي للعطش والجوع والحرارة والظلم وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية.....
عموما، من هنا نجزم انه ينظر إلى عملية الإبداع رغم أنها تخضع لعمليات القسر النظرية، وأعني تحديدا البيانات والتنظيرات التي تسبق حيثيات أنجاز العمل الفني ، على أنها مرحلة التقاط للحظة برزخية يصعب على الشخص الغير المبدع أن يلتقطها أو يدركها. فحين صرح غاستون باشلار أن لحظة الخلق لحظة ميتافيزيقيا، فهو صرح ضمنيا أن الطبيعة بحد ذاتها ميتافيزيقيا ورائها سر وعظمة الخالق سبحانه وتعالى. حين يرسم التشكيلي أي رسم لطبيعة صامتة أو جزء من جسد بشري هو في حد ذاته قلعة الميتافيزيقيا و الولوج في نفس ولادة أي عمل فني تشكيلي يحمل في طياته إشكالية إنسانية ومتعة إبداعية . فالفنان يقول لنا ضمنيا: إن فكرة أي عمل تحتاج لبيانات الاختزال والتغيير والإضافة بحكم التشكيل للوصول للمبتغى الفني المنشود من أي عمل تشكيلي لكشف المعالم العظيمة والخفية المنقولة بتصرف لكي يولد عمل له وجهه الإبداعي الخاص و يطرح إشكالية إنسانية ومعنى للبشرية في منظومة الفكر المكتشف والعبرة منه والقدوة للتقدم نحو الأفضل لتهذيب ذوق الناشئة وإمتاع المتلقي الراشد على حد سواء.>>خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب