أضيف في 21 نونبر 2018 الساعة 23:04

رسالة الى ابي بالقبر....خيرة جليل


خيرة جليل

باسم خالق الكون بلا من، وراعي العباد بكريم العطاء والزاد. باسم من منح و اعطى ، وان منع جازى بما هو احسن مما منع واوفى.
نعم ابي اليوم مرت خمس سنين وستة اشهر على رحيلك بالتمام والكمال. كما وعدتك وانت على فراش الموت باني سادعو لك ، وادعو لك حتى لا ينقطع عملك من هذه الدنيا. ترى لماذا لا ينقطع عملك منها ؟
اعلم انك لم تختار لا زمان ولا مكان ولادتك شانك شان الكل، لكن اخترت ان تنقش اسمك على صفحاتها منذ الاربع سنوات وانت ذلك الطفل اليتيم الذي تدافعته المناكب في جنازة والده. الكل اكل الوليمة وناقش الارث والميراث دون ان يتذكر اين نام ذلك الوارث الصغير؟ كبرت وترعرعت وسط قوم غلاض شداد لا يرحمون رغما عن انفهم.نشات متردا وانجبت قبيلة متمردين وكنت سلطانتهم. منحتني صولجان التمرد وهمست في اذني:
- كوني سلطانة التمرد بلا منازع ، فانت بين قوم اما ان تعيشي سلطانتهم او يدوسونك بنعالهم.ان مفاتح مقامك بيديك فاختاري اي مقام تعشقين.
كان قراري حيث انا اليوم. منذ رحيلك لن اقول لك: انني راضية عن ما انا فيه او عليه. انما اقول لك ان رحلة الحياة قاسية. انا هنا ورحلة المرض والعلاج قاسية لشريكتك قيد حياتك مفزعة لاني لا اعرف ما قد تحمله لي .
اليوم قررت ان اكتب لك هذه الرسالة بعد ان تكررت زيارتك لي. ترى هل انت مستعجل على ان التحق بك ام انت تحضر لتطمىن على احوالي او لتنبهني لشيء انا عنه بغافلة؟
على العموم، اظن وان بعض الظن حرام، ان احوال هنا لا تختلف عن احوال هناك. هناك جنة وجحيم . وهنا نعيم وجحيم، والناس مقامات. هنا الحياة كما تركتها، قوم بفلات فخمة وسيارات بالوان واشكال، ونساء وخمر وكفيار، وقوم لاجىء بوطنه لا يملك لا سكن ولا عنوان. هنا نساء عاريات بمنازل مكيفة ترقص على موسيقى صاخبة بعد ان لعبت الخمر بعقلها،وهناك نساء بالجبال حافيات عاريات تضم طفلها الى صدرها لتمنحه دفء قلبها وهي تناجي لهيب الناري لعله يجلب لكوخها طريدة برد وريح تتذوق منها طعم لحم مشوي حلمت ذات يوم بطعمه اللذيذ. هناك شاب لعبت البودة البيضاء بعقله وكسر اثاث البيت محتجا على والديه لعدم تغيير سيارته الفخمة هذه السنة او عن رغبتها بتسليمه للامن بعد ان دهس سيدة عجوز خلال سباقاته الهليودية بشوارع مدينته الاخطوبوطية. وهنا شاب يؤنبه والده على عدم قطع الخشب اللازم لتدفىة الكوخ المهترىء ، وهو الغرفة الوحيدة التي تجمع شتات اسرة عريضة بلا فراش وثير ولا مؤونة طعام لرحلة الشتاء الطويلة نحو صيف هزيل .
ترى يا والدي ، ماذا عن اخبارك هناك ؟ هل الكل ينتظر يوم الفصل ام ان بوادر ذلك اليوم تشمون راىختها من اول يوم تنزلون فيه لمتواكم الاخير؟ لا يهم لكن عن ماذا احدثك انا اليوم ؟ عن يتامى مشردين ام عن نساء مغتصبات ام عن شباب ماجن ... ؟
ان الناس هنا لا يخافون من تاشيرة الموت نحو العالم الاخر ، لان بعضهم مات منذ زمن طويل من كثرة القهر او الانتظار بالطوابر الطويلة في ابسط احتياجاتهم اليومية ، واخرون ماتت قلوبهم منذ زمن طويل من كثرة الجشع. يقولون ان لا شيء يملا العين الا التراب، هنا كثيرون ملاءت التراب اعينهم من كثرة الحرمان والقسوة والقهر ومع ذلك مازالوا يمشون منتصبي القامة لانهم لم يساوموا على كرامتهم. وهناك اشخاص ملاءت التراب اعينهم بعد ان وضعوا رؤوساهم كالنعام بها تاركين زوجاتهم وبناتهم تنظمن الليالي الحمر لتجلب الضباع والذىاب للحصول على جزء من الغنيمة .
اي والدي اختلط الحابل بالنابل واصبحنا غرباء وطن لا لشيء الا لاننا نؤمن بشيء يحكى عنه ان اسمه كان يسمى قيم واخلاق وكرامة. اي والدي لا تنزعج من سماع وطن احتارت فيه الساعة بين الفصول، واغتيلت فيه الكرامة بالمدن كالسجون وذبح فيه الذي كاد ان يكون رسولا على يد الامانة.
اي والدي قلت لي يوما : ظهر الاسلام غريبا وانتهى غريبا وطوبى للغرباء.
اليوم يا والدي كلنا غرباء ، الوطن غريب والدين غريب والمواطنين غرباء. اليوم حرنا في من اكل الغنم هل الراعي ام الذىاب، وهي التي اتهمت منذ عصر يوسف، فكيف لها ان تدافع على نفسها اليوم ؟ ان اول من يهاجم اليوم الوطن هو من ربى من خيراته بطنا بحجم برميل النفط ، وبنى بيتا بجمال قصر قارون. فعض اليد التي رعته يوم كان لا يملك ما يكسوا به عورته؟ ترى اهو جحود للوطن؟ ام انه يكره الوطن لانه يذكره بحقيقته حتى وان رفل في الحرير والجواهر؟
اي والدي، الشمس اصبحت تشرق من الغرب لترضي مجنونا لا يشم الا راىحة الدولار ، ودم الصحفي السعودي فرق على قباىل العالم لترضي اهل الكعبة. والكعبة تنتحب من ظلم وقهر الحجاج وهم ببيت الله الحرام. فاين الاسلام ان سيس لاغراض شخصية. اليست الجاهلية بجاهليتها تحترم اشهر الحرم؟ ترى هل ضاق صدر امة محمد بالاسلام وعجزت عن تدريسه لتاتي قبيلة الامم مبشرة بحقوق الانسان؟ ام ان ليبرالية واشتراكية الاسلام عجزت على التنظير للفكر الاسلامي امام تفرقة شعوبه؟
يا ولدي، لا اعرف لا احوالك ولا اوضاعك هناك، انما اخبرك ان بين جحيم الحياة والاخرة حجاب رقيق ننسجه كل يوم من اليقين بالله في عدله وكرمه . اننا لا نعيب على زمن ونحن نعلم ان العيب فينا ، انما تفرقت السبل بنا وسفينة نوح اصبحت مهترىة من كثرة الترقيع. فما هو حلال هنا حرام هناك ، وما هو يمين هنا يسار هناك ، وما هو جهاد هناك ارهاب هنالك وتعبنا من كثرة المفتيين في الدين ونحن نعلم انهم اول التاىهين عنه واول المارقين عنه، فمن يملك لحية طويلة وجلبابا قصيرا ويفتي بالمنبر صباحا ، يرقص عاريا مساء تحت ذريعة اذا ابتليت فاستتروا؟ الا يعلمون ان عين الله في كل مكان حتى ولو كانوا ببروج مشيدة او ببطون الحوت. ان من يدعي الليبرالية والقيم الانسانية نراه قد جعل لنفسه وسادة من الدولارات وامبراطورية من العقارات وارسل الذرية للخارج لكبريات الجامعات، وينفق باوربا الملايين بالمستشفيات ، وكان الوطن لا يصلح الا للفقراء الذين صوتوا عليه في شبه انتخابات. الكل يتقاذف الكرة نحو الاخر والاخرون هربوا بالمرمى بدعوى عدم الرضا.
يا والدي نم قرير العين على وطن بلا مواطنين ومواطنين بلا وطن. فالمواطن الاشتراكي نادى بالاشتراكية في كل شيء الا في اقتسام الخيرات . والديمقراطي نادى بالحرية في كل شيءالا في الانتخابات. وشباب لا يعرف من ثقافة حقوق الانسان الا الحقوق ولا شان له بما يسمى بالواجبات.. ...فنم قرير العين ما دمت قد فزت بقبر قبل ارتفاع سومته في هذه الحياة او قيام الاحياء بثورة لانتزاع القبور من الاموات......خيرة جليل
،


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب