أضيف في 21 نونبر 2018 الساعة 18:10

التربية على القيم: قضايا ابستيمولوجية*


نورالدين البودلالي
Marcello Ostinelli

1. تقديم
على المدرسة اليوم مواجهة متطلبات جديدة، وهي متطلبات تستلزم أحيانا إدراج مواضيع جديدة للتدريس. القيم واحدة من بين هذه المواضيع. من الممكن أن يكون الطلب على تربية مدرسية للقيم إشارة لحاجة مماثلة لدى المجتمع الذي يرى أن المدرسة موكول لها أيضا تربية الطفل، لا تعليمه فقط.
بيد أن التربية المدرسية على القيم تثير العديد من التساؤلات، بل بعض الاعتراضات القوية، إذا أخذنا بعين الاعتبار، من جانب، طابع التعدد والتنوع الثقافي للمجتمع المعاصر؛ ومن جانب آخر حق الأولياء في أن تُحترم قناعاتهم الدينية والفلسفية. فمن جانب، تشير التعددية الدينية والثقافية إلى التعارض بين ما يجب وما لا يجب القيام به؛ ومن جانب آخر، إن الفكرة القائلة بضرورة تولي البرامج المدرسية التربية على القيم سيفضي إلى خلافٍ موضوعه تقسيم ساعات العمل في المجال التربوي بين المدرسة والأسرة.
2. واجبات للاحترام
بطبيعة الحال هناك حدود، بل إكراهات، تحيط بالمهمة التربوية التي تقوم بها المدرسة في شأن القيم. وبالفعل تنص الجملة الثانية من البند الثاني المتعلق باتفاقية 20 مارس 1952 المتعلقة بالمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن: «تحترم الدولة، أثناء ممارستها لمهامها في مجال التربية والتعليم، حق الأولياء في ضمان هذه التربية وهذا التعليم وفقا لقناعاتهم الدينية والفلسفية». وقد أوضحت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان مضمون هذا البند ضمن حكم 1976 المتعلق بقضية كيلدسن وبوسك مادسين وبيدرسن ضد دولة الدانمرك بشأن مشروعية البرامج التعليمية الدانماركية في مجال التربية الجنسية: «تتكفل الدولة، أثناء قيامها بوظائفها التربوية والتعليمية، بتوزيع المعلومات والمعارف المرتبطة بالبرنامج بطريقة موضوعية، نقدية ومتعددة». وقد أبرزت المحكمة، على الخصوص، أن الجملة المذكورة من البند الثاني من بروتوكول 1952 يحظر على الدولة «السعي إلى تحقيق تمذْهُب يمكن اعتباره لا يحترم المعتقدات الدينية والفلسفية للآباء. فهنا يوجد حد لا يجب تجاوزه»( ). كما أوضحت محكمة ستراسبورغ مؤخرا استعانةً بحكم 2007 المتعلق بقضية فولدجيرو وأخرين ضد الدولة النرويجية، أن المبدأ المصرح به يهدف إلى «الحفاظ على إمكانية تعددية تربوية»؛ وأنه «بسبب وزن الدولة الحديثة، من الضروري تحقيق هذا الهدف بالخصوص من خلال التعليم العمومي»( ).
هذا يستلزم تحديدا ملموسا للوظيفة التربوية للمدرسة العمومية، علما أن هذه الضرورة لا تجبره فقط على تعليم الطفل، ولا تمنعه من الاهتمام بالتربية على القيم أو، على الأقل، بالتربية على بعض القيم. والواقع أن تعليم المدارس العمومية لا يمس بحق الوالدين في احترام معتقداتهم، شريطة أن يعالج المدرسون المعارف «بطريقة موضوعية، نقدية وتعددية».
وعليه فالأسئلة التي تواجهها التربية المدرسية على القيم هي كالتالي: (1) تلك المتعلقة بمشروعيتها كموضوع للتدريس ضمن البرامج المدرسية؛ (2) تلك المتعلقة بامتدادها، بمعنى أيﱡ القيم يحق للمدرسة العمومية ترسيخها؛ (3) وفي الأخير الطريقة المناسبة للنقل الديداكتيكي بالأقسام، بما يتفق مع هذه المبادئ وييسر تحقيق الشروط المتطلبة حسب حكم 1976 لمحكمة ستراسبورغ.
تهدف ورقتي إلى دراسة مساهمة النظريات الفلسفية للقيم في حل هذه القضايا، خاصة ما تعلق منها بتدقيق الوظيفة التربوية التي على المدرسة العمومية القيام بها. منذ الوهلة الأولى سيكون هدف التربية على القيم أن تشترط على التلميذ فهم أن قيمةً ما لا تعني فقط التقدير الإيجابي من قبل المعني (المُقوﱢم l’aestimatio) وإنما أيضا أن تبرر أسباب وجيهة تقويمه. فهل من الممكن تحقق معنى واضحا للفكرة القائلة أن التربية على القيم تفترض وجود قيم موضوعية؟ هل بالإمكان اعتبار أن نظريات القيم تقدم حججا حاسمة للإجابة إيجابا على هذا السؤال؟ أم أن التأمل الفلسفي في القيم سيؤدي إلى طريق مسدود لن يفيد البحث في التربية؟
3. صراع القيم
جزء كبير من المؤلفات المتأخرة حول فلسفة القيم تأثرت بشدة بنظرية الخطأ لجون ماكي (Mackie, 1977). فبحسب ماكي ادعاء موضوعية القيم متجدر ليس فقط في التقليد الفلسفي بل في اللغة العادية كذلك: إنه على كل حال اعتقاد خاطئ. ففي النهاية لا وجود لقيم موضوعية: إذالقيم هي ذاتية.
ثمة حجتان لفائدة أطروحة ماكي المتشككة. فمن وجهة نظر أنطولوجية، الطرح القائل بأن القيم ذاتية هو المتمثل في الاستنتاج الذي يجب استخلاصه من حجة الغرابة (argument from queerness)، أي أن حجة وجود وقائع موضوعية –وهنا القيم- هي غريبة تماما إذا ما قورنت مع أي شيء آخر معروف في العالم المادي. فأيﱡ نوع من الوقائع الموضوعية ستكون عليه القيم، في العالم المادي الذي نختبره كل يوم؟ من وجهة نظر ابستمولوجية تعود الأطروحة القائلة بكون القيم الذاتية إلى الاستنتاج الذي ينبغي استخلاصه من حجة النسبية (argument from relativity)، أي من ملاحظة الاختلاف الفعلي بين أحكام قيمة الأشخاص، حتى وإن أصدروها في ظروف مثالية. الحقيقة أن أحكام القيمة لا تستند على الوقائع؛ إنها، على العكس من ذلك، تعتمد على الميل الطبيعي للعقل الإنساني عند إسقاط أحاسيسه على الواقع الخارجي. ومن ثمة فالاعتقاد في الوجود الموضوعي للقيم هو من مخلفات الوهم.
عواقب نظرية الخطأ لماكي بالنسبة لصلاحية قيام مشروع تربوي مدرسي على القيم هي جلية. الذين يقبلون خلاصات ماكي عليهم أن يصلوا إلى نتيجة مؤداها أن الهدف الشرعي الوحيد من البرامج المدرسية القائمة على التربية على القيم هو أن توضح للتلاميذ خطأ الاعتقاد في الوجود الموضوعي للقيم الذي يتسبب فيه وهم العقل البشري؛ وإلا عرّضوا أنفسهم لتهمة التمَذْهُب. وبالفعل، لا يمكن لتدريس أي قيمة كيفما كانت أن يستوفي الشروط المطلوبة لأي تعليم مدرسي، خاصة ما تعلق منه -الشرط- بموضوعية المعارف، نظرا لكون كل تقييم هو مجرد إسقاط لمخيلتنا و، بالتالي، أن لا أحد بإمكانه البرهنة على صدقه الموضوعي. أقصى ما يمكن للمدرس القيام به هو تهيء الشروط المناسبة المحفزة للتلميذ على إعلان التقييم الذي يناسبه (على سبيل المثال، وفقا لطريقة المنهج الدراسي المسمى توضيح القيم Values Clarification).
وبناءً عليه إذا كان الحل الوحيد الممكن للقضايا الإبستيمولوجية المتعلقة بالقيم يتمثل في نظرية ماكي للخطأ (أو أي نظرية أخرى أقل تطرفا، كالتعبيرية التي هيمنت على نقاش الأخلاق خلال الجزء الأول من القرن الماضي)، فسيتم تماما استبعاد شرعية التربية المدرسية على القيم. لن تكون هناك قيم موضوعية للتدريس في المدرسة.
4. بعض البدائل لنظرية الخطأ
في تحد من نظرية الخطأ المتشككة لماكي، عارضت الفلسفة المعاصرة نظريات فلسفية أخرى تدعي تبرير موضوعية القيم. من بينها على الخصوص النظريات الواقعية، والحدسية الجديدة (من بينها نظرية جون ماكدُوِييل ودافيد ويغينز) والبنيوية (خاصة نظرية جون راولز).
تبدو النظريات الواقعية جد مرتاحة وهي تفترض موضوعية القيم. فهي ترى أن هناك وقائع مستقلة تثبت حقيقة القيم. إلا أن النزعة الواقعية قد كانت محط العديد من الاعتراضات الأنطولوجية الابستيمولوجية المرتبطة بها، اعتراضات لخصها ماكي بشكل فعال بدفعه للحجتين المستندتين إليهما نزعة الشك المضادة للواقعية: حجة الغرابة (عن مظاهر النظرية الأنطولوجية) وحجة النسبية (عن المظاهر النظرية الإبستيمولوجية).
من الضروري إضافة اعتراض آخر إلى اعتراضات ماكي، وهو ذو أهمية خاصة بالنسبة لنظرية فلسفة التربية على القيم. فبحسب الأطروحة المركزية للنزعة الواقعية لا يتعلق وجود قيمةٍ بالضرورة بتقييم الشخص. القيم بالنسبة للواقعيين، كما هي الأشكال لدى أفلاطون، تحظى بوجود مستقل عن تقييم الفرد: فسين هي قيمة وإن لم يقبلها أحد كذلك؛ ووجود القيمة سين لا يرتبط باعتقادات الشخص بخاصياتها كما هي.
توجد هنا فكرة تربوية ضمنية، وهي من دون شك جد سلبية. فتدريس القيم بالنسبة للواقعي لا يتطلب بالضروري أن يتعرف التلميذ على أن القيمة سين هي واحدة من القيم التي يؤمن بها. على التلميذ أن يدرك بوجود القيمة سين بنفس الطريقة التي يدرك بها وجود خاصيات موضوعية أخرى لسين. عندها سيتم تقديم التربية على القيم وكأنها حقائق مفروضة على التلاميذ، بغض النظر عن مواقفهم المعلنة تجاه سين. لابد أن الصبغة السلطوية للتصور الواقعي للتربية على القيم جلية هنا.
خلاصة القول هناك أسباب قوية بما فيه الكفاية تحول دون قبول النظريات الواقعية للقيم كأساس ابستيمولوجي معقول، وبيداغوجي مقبول وسياسي أصلح للتربية على القيم بالمدرسة.
5. نظرية للتحسيس بالقيم
جون ماكدولاند ودافيد ويغينز، بتأملهما الإبستيمولوجي في القيم من خلال نظريتيهما الحدسية الجديدة néo-intuitionniste، يوفران لنا امكانية تجاوز التعارض بين شكية نظرية الخطأ لجون ماكي وسلطوية النظريات الواقعية.
أطروحة ماكدويل تتلخص في أن القيم، كما هي الألوان، ليست خصائص موضوعية مماثلة للخصائص الفيزيقية للأشياء (McDowell, 1998). ومع ذلك فالقيمة، كاللون، ليست مجرد تعبير عن تقدير ذاتي. إن القيم، كما هو الحال بالنسبة للألوان، هي خصائص شيء له هيأة تكشف بها للفرد حالاته. من ناحية أخرى إن القيمة، كما هو الحال بالنسبة للون، تُدرك بشكل صحيح شريطة أن يكون الفرد قادرا على النظر إليها بطريقة سليمة. فالقيمة واللون لن يكون لهما وجود دون وجود كائن قادر على تعيين هذه الخصائص لمواضيع محددة. على سبيل المثال يمكن التأكيد على أن باراك أمرد وعادل. الحق أن خاصيتي باراك حقيقيتين بطريقتين مختلفتين. وجود خاصية العدل لدى باراك (مثل وجود خاصية كونه أسود) تعتمد بالضرورة على وجود من ينسب له هذه الخاصية، مما لا ينطبق مع أي خاصية فيزيائية أخرى لباراك. والواقع أن باراك سيكون أمرد حتى وإن لم يرها أحد. في حين أن باراك أعدل إذا وفقط إذا أعتبره أحدهم كذلك. لكن هذا لا يعني أن القيم هي ذاتية فقط. يمكن قول نفس الشيء بالنسبة للصفات الثانوية كالألوان، حيث أن نسبةَ قيمةٍ لموضوع ما ممكنة شريطة أن يكون لها هيئة متميزة تظهر كحالة معينة لكائن قادر على إدراكها.
الواضح أن النظرية الحدسية الجديدة للقيم تقترح فكرة مثيرة للاهتمام بغية إقامة نظرية فلسفية تخص التربية على القيم. إنها مسألة مساعدة التلميذ على الإدراك خصائص معينة للأجسام، والألوان والقيم بطريقة مناسبة. ما الذي يمكن ان يعنيه هذا؟ هل هناك تناظر مع رؤية الألوان؟
السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لنظرية ماكدويل حول التحسيس بالقيم هو سؤال معقد. السؤال مرتبط بمعرفة ما إذا كانت –النظرية- تتوفر على معايير صالحة تسمح، من ناحية، بالإقرار بوجودٍ في موضوع الحكم المناسب (وهي معايير تتعلق بالجسم) و، من ناحية أخرى، تحديد ما إذا كان الفرد من الناحية المعرفية في الوضعية الصحيحة لإدراك خصائص الموضوع، أي إدراك قيمة الموضوع (وهذه معايير تتعلق بالفرد). يبدو لي للأسف أن البحث لم يشمل هذه النقطة. بالتالي إن نظرية ماكدويل لا يمكنها أن تفيد، على الأقل حاليا، في بلورة نظرية فلسفية عن التربية على القيم.
6. بنيوية جون راولز
تبقى لنا إذن، كمرشحة أخيرة لبلورة نظريةٍ فلسفيةٍ للتربية على القيم، بنيوية جون راولز وحدها. هذه ترى أن القيمة يكون لها وجود إذا قام الفرد بإجراءٍ مناسب للتداول العملي. موضوع هذا التداول القيم السياسية للمواطنة الديموقراطية. إن القيم المستقلة عن المذاهب الفلسفية أو الميتافيزيقية والتي تثير الجدل يعتبرها راولز سياسية، مثل العقائد التي تنشد الكمال والتي لها أطروحات بشأن «الطبيعة الأساسية للناس» (Rawls, 1999, p. 388). وبالتالي، على التداولات السياسية أن تتخلى عن القيم الناشدة للكمال القائمة على مفاهيم مفهومة ومعقولة عن الخير(دينية أو فلسفية). ينطبق هذا بالتحديد على مشروع للتربية المدرسية على القيم بشكل موسع، التي من المفروض أن لا يكون لأهدافها أي علاقة بمفاهيم مفهومة ومعقولة عن الخير.
تمتلك البنيوية طريقة لتفعيل فكرة التكوين السياسي للمواطن: إنها طريقة التوازن الانعكاسي l’équilibre réflexif. إنها تقوم على ثلاث مراحل. بادئ ذي بدء، لابد من تحديد أحكام متوازنة نثق فيها. نذكر، على سبيل المثال، كقناعات عن العدالة قولة ابراهام لينكولن حول العبودية، حيث يقول: «إذا لم تكن العبودية خطأ، فلا شيء خطأ» (« if slavery is not wrong, nothing is wrong »)( ). ثم في المرحلة الثانية يجب إيجاد مبادئ تسمح بفحص هذه الأحكام والإفصاح عنها. ومن غير المرجح ، حسب رولز، أن تتوافق المبادئ والأحكام منذ الوهلة الأولى. لذا تتطلب هذه الطريقة مرحلة ثالثة، هدفها تقريب التباعد بين هذه وتلك. النتائج المرجوة تكمن في إيجاد أحكام ومبادئ لا خلاف حولها.
لا ينبغي أن نعتقد أن هذه المرحلة الأخيرة يمكن بلوغها بشكل فعلي. الحق أن التوازن بين الأحكام والمبادئ هو بالأحرى إجراء تنظيمي مثالي البحث فيه «مستمر إلى أجل غير مسمى»، كما يقول رولز في كتابه الليبرالية السياسية (Rawls, 2005). هذه صورة جميلة تعبر عن الفكرة العملية التي يتشكل بها المواطن الديموقراطي. البحث عن التوازن يحتم بالفعل من الشخص إما التخلي عن بعض الأحكام ذات التقدير الجيد، أو التخلي عن بعض المبادئ، بغية التمكن من الوصول إلى توافق يمر عبر التقاطع مع المواطنين الآخرين. وبالتالي فإن التيار البنيوي مثال رائع على التماسك: إذ الهدف الذي يرمي إليه منهج التوازن الانعكاسي ليس هو طلب الحقيقة وإنما بالأحرى تبرير المعتقدات. وعلى معتقدات كل مواطن، في النهاية، أن تكون منسجمة بعضها البعض، بشكل متماثل. إنه بالفعل بحث سقراطي طالما أنه يتطلب تغيير شيء ما في ذهن كل مواطن (في هذه الحالة، كل تلميذ)، إما بعض الأحكام المصاغة بشكل جيد، أو بعض المبادئ. لا تترك هذه المنهجية الأمور كما كانت عليها من قبل. إنها تتوخى على وجه الخصوص التمييز بين دور القيم السياسية وتلك التي ليست سياسية عند المداولات الديموقراطية. وبالتالي إن منهجية التوازن الانعكاسي تمثل مصدرا أساسيا للتربية على المواطنة الديموقراطية، وذلك لكونها على الخصوص تهيئ للتلميذ الجو لفهم الوضعية المناسبة لمعتقداته الشخصية وهو يمارس المداولة الديموقراطية.
هناك سبب آخر يجعلنا نثمن أهمية منهجية التوازن الانعكاسي للتربية على المواطنة الديموقراطية. ليست المنهجية سقراطية فقط، بمعنى أن أيا من قناعاتنا الأخلاقية والسياسية، أكانت مبادئ أو أحكام رصينة، هي في منأى عن الفحص النقدي، أي عن البحث عن توازن انعكاسي. المنهجية تتطلب أيضا التزاما شخصيا عندما يتعلق الأمر بفحص وتصحيح قناعات الشخص، فهو وحده القادر على الحفاظ عليها أو تغييرها. ومن الطبيعي أن يستفيد كل واحد من البحث الذي انخرط فيه الآخرون. لكن الحل الأجدر هو القيام ببحث شخصي للوصول لنتائج موفقة. يمكننا أن نستنتج عن حق أنها مساهمة ثمينة في تكوين المواطن الديموقراطي. فالتلميذ يشارك في عمل فكري يمس قناعاته الخاصة وقناعات الآخرين ويتم فحص هذه القناعات خلال مناقشة عامة، تبدو قريبة من مداولات قضائية. وقد أظهرت البحوث التي أجريت على تطبيق منهجية التوازن الانعكاسي في مجال التربية على المواطنة الديموقراطية أنها تشكل عاملا مهما في تحفيز التلاميذ (Bull, 2008).
أعتقد أن المهارات التي ينميها التلاميذ باستخدام منهجية التوازن الانعكاسي هي ضرورية لفهم دور المواطن في المجتمع المعاصر. فاكتساب مهارة تقديم مبررات عامة، يمكن أن يقبلها كل مواطن، دون التفريط في المعتقدات الشخصية، هو هدفها الأساسي من هذه العملية. هذا ما يبرر من الناحية السياسية التربية على المواطنة الديموقراطية حيث لا يتم النظر إليها من طرف أقلية دينية أو ثقافية كإكراه ظالم. وهكذا سيتم احترام حق الآباء في تربية أبنائهم.
وعليه فبنيوية راولز قادرة على اقتراح فكرة عن أهداف وطريقة التربية على القيم، وهي رد مقبول سواء على الواقعية المتسلطة أو تشكيكية نظرية الخطأ.
ومع ذلك، إن تصور التربية على القيم الذي يمكن استخلاصه من النظرية الليبرالية السياسية لجون راولز لها، هي الأخرى، حدود واضحة: إنها تخص فقط القيم السياسية للمواطنة الديموقراطية دون أن تمس، للأسف، قيم أخرى كالقيم المعرفية والقيم الجمالية التي تبرمجها المقررات المدرسية بغرض تدريسها.
أضف، في هذا الصدد، أن طريقة التوازن الانعكاسي ليست خاصة بالأخلاق العملية. على العكس من ذلك فقد اقترحها وطبقها للمرة الأولى نلسون غودمان لتبرير قواعد المنطق الاستقرائي في مجال نظرية الاستدلال (Goodman, 1955). من جهة أخرى، قد أشار نورمان دانييل بحق أن طريقة التوازن الانعكاسي مطبقة بالفعل في جميع مجالات البحث العلمي، وليس فقط في المجال الأخلاقي: «التوازن الشاسع يشبه إلى حد كبير الممارسة العلمية. إننا، سواء بالنسبة للعلم أو الأخلاق، لا نكتفي فقط ب«تجريب» نظرياتنا على مجموعة من الحقائق المحددة سلفا والثابتة نسبيا. وعوض ذلك نعمل باستمرار على اعادة التحقق وتقدير مصداقية وملاءمة هذه الحقائق إزاء هذه النظريات التي نميل إلى قبولها wide equilibrium closely resembles scientific practice. Neither in science nor in ethics do we merely ‘test’ our theories against a predeterminated, relatively fixed body of data. Rather, we continually reassess and reevaluate both the plausibility and the relevance of these data against theories we are inclined to accept» (Daniels, 1996, p. 33).
يتعلق الأمر إذن بمحاولة تطبيق طريقة التوازن الانعكاسي بالمجالات التي لا ترتبط مباشرة بالقيم السياسية للتربية على المواطنة الديموقراطية. البحث المستقبلي سيخبرنا إن كانت فرضية العمل هذه، التي تم بلورتها بطريقة مناسبة وأكثر عمقا، تستحق ثقتنا.

الهوامش
*http://repository.supsi.ch/2332/1/Ostinelli.%20Questions%20%C3%A9pist%C3%A9mologiques.%20AREF%202010.pdf
1 - المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قضية كجيلدسن، بوسك مادسن وبيدرسن ضد دولة الدانمارك (الحكم الصادر في 7 ديسمبر 1976)، § 53
2 - المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قضية فلوجيرو ومن معه ضد دولة النرويج (حكم بتاريخ 29 يونيو 2007)، § 84.
3 - رسالة من أبراهام لنكولن إلى أ. ج. هودجز ، 4 أبريل 1864.

المراجع
Bull, L. B. (2008): Barry L. Bull. A Political Liberal Conception of Civic Education. Studies in Philosophy and Education, 27, 449-460.
Daniels, N. (1996). Justice and Justification. Reflective Equilibrium in Theory and Practice. Cambridge: Cambridge University Press.
Goodman, N. (1955): Fact, Fiction, and Forecast. Cambridge (MA): Harvard University Press.
Mackie, J. L. (1977). Ethics. Inventing Right and Wrong. Harmondsworth: Penguin Books.
McDowell, J. (1998). Mind, Value, and Reality. Cambridge (MA): Harvard University Press.
Rawls, J. (1999). Collected Papers. Cambridge (MA): Harvard University Press. Rawls, J. (2005). Political Liberalism. Expanded Edition. New York: Columbia University Pre


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب