أضيف في 14 نونبر 2018 الساعة 11:00

الحصيلة العجفاء لربع قرن من «أوسلو»


عبد الإله بلقزيز



تاريخ قضيّة فلسطين منذ نكبتها الأولى، قبل قرن (وعد بلفور)، ونكبتها الثانية، قبل سبعين عاماً (اغتصاب «إسرائيل» لها) تاريخُ مآسٍ ومِحَن لا سابق لها في الشِّدّة والحِدّة (وتاريخ بطولات أشبه ما تكون بالأسطوريّة في الوقت عينه). لكنّ أسوأ تلك التواريخ في تاريخها هو مرحلة الخمسةِ وعشرين عاماً الأخيرة منه؛ أي الفاصلة بين توقيع «اتفاق أوسلو»، سيّء الذِّكر، ويومنا هذا. والأسوأ فيها ليس يكمَن في أنّ شعبها دبَّ إليه التعب وأرهقه الاحتلال، وتراجعتْ في صفوفه قوّة المواجهة، بل في أنّ نُخبَه السياسيّة بلغت من الانحدار والبؤس درجةً مخيفة، تهدّد بشطب البقيّة الباقية من مكتسبات ذلك الشعب وثورته الوطنيّة السابقة. في هذه السنوات العجاف حصلت أمور كثيرة متعاقبة:
1- اعترفت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بِ«شرعيّة» وجود «إسرائيل»، بعد سنوات خمس من إعلان المنظمة قيام دولة فلسطين في اجتماع المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ في الجزائر (15 نوفمبر 1988)؛ والحال إنّ الاعتراف بوجود «إسرائيل» ينطوي على تنازلٍ وجوديٍّ - لا استراتيجيّ فحسب- لأنّ فيه نقضاً كاملاً للحقوق الوطنيّة والتاريخيّة الثابتة لشعب فلسطين في أرضه ووطنه !
2- تَلقّى المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ ضربةً في الصميم بالتنازل عن حدّه الأدنى الوطنيّ الجامع (الاستقلال الوطنيّ وإقامة الدولة على المناطق الفلسطينية المحتلّة في 1967، تكون القدس عاصمة لها، وإقرار الحق في عودة اللاجئين إلى ديارهم التي اقتُلعوا منها في حربيْ 1948 و1967)، والقبول بصيغة الحكم الذاتيّ الانتقاليّ من دون ضمانات مكتوبة، ما خلا تلك التي يقدّمها الراعي الأمريكيّ للمفاوضات؛ المنحاز - أصلاً- إلى «إسرائيل»!
3- قامت سلطةٌ فلسطينيّة ذاتيّة - بمقتضى «اتفاق أوسلو» - على مناطق «أوسلو» (المقسّمة بين: «أ» و«ب» و«ج»)، وفُرِض على هذه أن تخوض مفاوضات الوضع الانتقاليّ على نقل السلطة إليها من فئةٍ من المناطق إلى أخرى (طبقاً لمزاج المفاوض «الإسرائيليّ» وتقديراته لمدى التجاوب الفلسطينيّ مع الإملاءات). وإذْ سُمِح لهذه السلطة بأن تقوم بما كانت تقوم به البلديّات - قبل «أوسلو» - من خِدْمات اجتماعيّة، وبأن تقيم أجهزة أمنيّة محليّة، فقد جُرِّدت من أيّ حقٍّ في السيطرة على «الحدود» ( المعابر)، أو في امتلاك سيادةٍ خارجيّة !
4- رُسِمت للسلطة حدودُ وَلايتها على السكّان ومناطقهم (سكّان الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة وفلسطينيّ شرق القدس من دون أرضهم). أمّا الجسم الفلسطينيّ اللاجئ خارج وطنه فلم يكن للسلطة تلك وَلاية عليه، ولا تملك الحقّ في النطق باسمه ومطالبه في أيّ مفاوضات مع «إسرائيل». ومعنى ذلك أنّ «اتفاق أوسلو» نجح - بإقامته السلطة - في إخراج أكثر من نصف الشعب الفلسطينيّ، ممّن يعيش في فلسطين 48 أو في مناطق اللجوء، من أيّ تسويةٍ سياسيّة ممكنة، وفَرَض إعادةَ تعريفٍ للحقّ في العودة بما هو حقّ محصور في مناطق وَلاية السلطة !
5- انتزعت السلطةُ الفلسطينيّة، بقوّة الأمر الواقع، السلطةَ التمثيليّة والديبلوماسيّة من منظمة التحرير لتحتكرها هي (رئاسة السلطة، وزارة الخارجيّة) بدلاً منها. ومعنى ذلك أنّها بدّدت أهمّ ورقةٍ سياسيّة فلسطينيّة بيدها؛ وهي أنّ منظمة التحرير ممثِّل شرعيّ للشعب الفلسطينيّ كلِّه!
6- فرض اتفاق «أوسلو» على السلطة التعاون الأمنيّ مع أجهزة الاحتلال، وقام جهاز «الأمن الوقائيّ» في غزّة والضفّة، وأجهزةٌ أمنيّة أخرى، بتعقّب خلايا المقاومة وشبكاتها، في أراضي السلطة، واعتقال أطرها وتعذيبهم نيابةً عن الاحتلال، وامتثالاً لإملاءاته.
7- بلغت سياساتُ قهرِ السلطة لشوكة المقاومة ذروتها بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات، واتخذت عنواناً لها اسم: رفض «عسكرة الانتفاضة».
8- دخلتِ المعارضة الإسلاميّة «حماس»، بعد طولِ تمنّع، في جملة العاملين تحت سقف «اتفاق أوسلو»، من طريق دخولها إلى المؤسّسات التي أنتجها الاتفاق (المجلس التشريعيّ، الحكومة). وبذلك فقدتِ الساحة الوطنيّة الفلسطينيّة قوّةً اعتراضيّة على مشروعيّة اتفاق الإذعان ذاك.
9- بلغَ الصراع ذاك بين القوى الفلسطينيّة حدّ الصدام العسكريّ والحسمِ المسلَّح، من خلال سيطرة «حماس» - بالقوّة- على غزّة الأمر الذي تولَّد منه انقسامٌ داخليٌّ حادّ: جغرافيّ، وبشريّ، وسياسيّ، ووطنيّ: جغرافيّتان منفصلتان (الضفّة وغزّة)؛ سلطتان وحكومتان متنازعتان؛ وحدة وطنيّة مشروخة؛ إجراءات قمعيّة متبادلة بين الفريقيْن في منطقتيْ سيطرتهما. ولأوّل مرّة في التاريخ الحديث لفلسطين، يُنجز الفلسطينيّون في شعبهم ما لم يَقْو الاغتصابُ والاحتلال على إنجازه: تقسيم الشعب ومصادمة بعضه ببعض!
10- استفادت «إسرائيل»، في حقبة «أوسلو»، بأكثر مما استفادتْهُ قبلها؛ التهويد الشامل للقدس؛ مضاعفة الاستيطان ثلاث مرّات عمّا كانهُ قبْلاً؛ وأدُ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وتغيير استراتيجيّاتها.
تلك حصيلةٌ ثقيلةٌ ومُرّة لاتفاقٍ مازال يوجد، بيننا، من يدافع عنه!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب