أضيف في 13 نونبر 2018 الساعة 11:29

البعد القيمي لعلوم التربية*


نورالدين البودلالي
Develay Michel

مسألة القيم في المدرسة
تُستحضر مسألة القيم في الممارسة اليومية للمدرسة على عدة مستويات:
• على مستوى الأحكام الصادرة في حق المدرس: »إنه إنسان طيب يحب الأطفال، رجل ينفذ ما يقوله، رجل يحسن الاستماع«، أو »إنه رجل قاس، بل سادي، متمسك برأيه، ولا يمكن الاعتماد عليه«.
• على مستوى الحكم على التلاميذ، خاصة ما ارتبط منه بالنتائج الدراسية:» تلميذ جيد، ذو عزيمة قوية ومحترم من قبل زملائه«، »تلميذ صعب، لا يحب الدراسة...«، »تلميذ متوسط، يمكنه أن يحقق نتائج أفضل«.
• على مستوى اختيار المضامين الدراسية. عند تدريس التاريخ يتم التساؤل، بطبيعة الحال، حول المكانة الواجب تخصيصها لبعض الحقب، والأهمية الواجب إيلاؤها لبعض الوقائع. من الممكن تعميم القول على جميع التخصصات، بما فيها التخصصات العلمية. وعليه، فعندما تتم، في مجال البيولوجيا، بلورة مقاربة إحيائية باعتماد مستوى الخلية لوحدها، دون التساؤل حول العلاقات الكائنة بين الكائنات الحية داخل المحيط الحيوي (علم البيئة)، أو عند اتخاذ أو عدم اتخاذ قرار بتدريس التربية الجنسية، فإن هذا يعد اختيارا لقيم محددة. جعل الإحصائيات، باعتبارها من ميادين الرياضيات، تحظى بمكانة المكون الذي تجب بلورته بغية الفهم الأفضل للمعطيات العددية التي تمدنا بها وسائل الإعلام، أو اختيار تدريس أو عدم تدريس العلم الباحث في مظهر الكون وتركيبهcosmographie ، هي في مجموعها اختيارات لمضامين تحيل بدورها على اختيارات قيمية.
• عند اختيار المناهج التعليمية. إن فعل التربية يعني تحقق ما لم يكن ممكنا تحقيقه، اعتمادا على مبادئ يمكن أن تفرض، أو أن تناقش، أو يتم التعاقد بشأنها، والتي تؤسس لمناهج تشاركية أو تصادمية بدرجات تختلف مستوياتها. وتختلف هذه المبادئ بحسب الأفراد، والمجتمعات والثقافات.
• عند النقاشات الدائرة حول المدرسة، فتتقد هذه حالما تبرز مسألة ما بشكل عنيف. مثال ذلك قضية الحجاب الإسلامي، وتقليص الأسبوع الدراسي إلى أربعة أو خمسة أيام، ومخصصات الدخول المدرسي، وتوزيع العازل الطبي بالثانويات.
الحقيقة أن مسألة القيم بالمدرسة يتشعب عنها سؤالان جزئيان هما: القيم الممكن تدريسها والقيم الواجب تدريسها. الأولى سبق لنا إثارتها من خلال مفهوم الغيرية. إنها تؤدي بالمربي إلى تبني طريقة تمكنه من أن يوجه اهتمامه إلى ما هو عملي وليس النظري. هذا الإجراء يمكن فهمه باعتباره القدرة على التنبؤ وقبول الغير المتوقع لا كقَدر، وإنما كفرصة لمرافقة ذلك الذي نقوم بتربيته دون أن نُكرهه على أمر ما، اعتمادا على ما نتبناه كتوقع. أما الثانية فلم نتناولها بعد بالدرس، حتى وإن كانت في صلب الاهتمام الفكري لعلوم التربية، كما تدل على ذلك بعض الأمثلة السابقة. فكل فعل، أكان بيداغوجيا أم لا، فعل يحبل في نهاية المطاف بالقيم. تهم هذه الأخيرة، في المجال المدرسي، مضامين خاصة (التربية المدنية)، لكنها توجد أيضا متضمنة في كل لحظة، وكل مضمون، وكل منهج، وكل بنية، وكل طريقة للعيش، وللقول، وللفعل أو لعدم الفعل. بل يمكن إعادة النظر في أفعالنا التي نعتبرها الأكثر طبيعية، من خلال التأمل في القيم.
وبما أنه لا وجود لتربية دون قيم، ولأن تجسيد قيمة يتحقق عند النطق بكلمات من قبيل أخلاق، عمل، اندماج، ثقافة، سلطة بل وأيضا متعة، استقلال، حرية، حقيقة، إبداع، جمال فمن الضروري العمل أولا على تثبيت المصطلح، والتساؤل، ثانيا، حول ما إذا كانت القيم تتساوى كلها أم أنه لا وجود لقيم كونية من الواجب على كل تربية أن تطمح إلى اعتمادها.
لنتطرق بعد ذلك إلى مسألة القيم الواجب تدريسها بالمدرسة. حينما يتحدد ما يجب أو لا يجب القيام به كقيم دينية، فالأمر لا يحتاج إلى نقاش: إذ يوجد بشكل مسبق قانون، يجب احترامه، للأفعال الخيرة والأفعال السيئة. وبعدما تخلصت المدرسة من المراقبة الدينية، وأصبحت دنيوية، سارعت إلى وضع مسألة القيم موضع تساؤل، وما يستدعي أن...، وما يستأهل التضحية بشيء منها لصالح أمر آخر. إن التخلص من الطابع الديني لا يعني موت الأخلاق، وإنما إعادة تحديد مجاله عبر احترام التوافقات الجديدة التي يجب إبرازها داخل مجتمع يعيش تحولا سريعا. بالأمس أمكن للعلم ومفترضه العقلاني، والتقنية وادعائها تحرير الإنسان من استيلاب العمل له، أن يُعتمدا كمرجعين للتفكير في القيم المدرسية. أما اليوم فمعظم الخطابات المعاصرة تغوص في نقد المجتمع الصناعي والتقاني، حيث تسمح تكنولوجيات الإعلام والتواصل والأشكال الجديدة للاقتصاد بتقليص( ) الزمن والمكان، ومضاعفة الحوار عن بعد. والنتيجة هي أن القيم الواجب بلورتها في مجال التربية ملزمة، على ما يبدو، أن تتمركز من جديد حول محاور تتجه أكثر نحو البرهنة ونحو أخلاقيات الحوار الذي من شأنه أن »يطور أشكال العلاقة بالآخر... وأن يأخذ الواقعة والسبب في إطار التعددية... أن يندرج ضمن الحوار وليس ضمن الفرض، على أن تتكلف التربية بمهمة اقتراح أسلوب الحوار على الناس نهجا« ( ).
ننهي الفصل بالتساؤل حول الكيفية التي يتم بها اليوم استيعاب القيمة المؤسسة للمدرسة، وهي قيمة ليست للتدريس، ولا من الواجب تدريسها، وإنما تأتي على رأس المؤسسة وتحدد طبيعتها في شموليتها: إنها العلمانية.

فكرة القيمة :
تعرف القيمة، في معناها الأكثر شيوعا، بكونها، كما كتب أولفييه روبول Olivier Reboul :» ما يستحق أن يفعل أو لا يفعل، أن يفكر فيه، أو لا يفكر فيه«( ). إن تحبيذَ قيمة يسمح بربح أمر ما وخسارة آخر. قراءةُ هذا الكتاب، مثلا، هي مسألة شَجاعة، بل حتى مسألة إرادة، وبالتالي مسألة أخلاقية. لقد اخترتَ أن تشتري هذا الكتاب، وبذلت مجهودا لاكتشافه، ومن ثمة التضحية بإغراءات أخرى، ومتع أخرى في سبيل هذه القراءة. إنك تحصل، وهذا أملي، على معرفة أحسن لرهانات علوم التربية، مقابل تزجية وقت كان من الممكن أن تصرفه في شيء آخر. تستحق التربية هذا الجهد لكونها تضع كمسلمات لها قيما نلاحظ أن لها علاقة بالمضامين المُدرسة. أولى هذه القيم التي تحضر إلى الذهن هي، بطبيعة الحال، سبب البحث عن الحقيقة الدائم الحضور. فالصواب، والخطأ، والصحيح، والغلط، والتفسير الخاطئ، كلمات تعج بها الفروض المدرسية والأحكام الشفوية. المدرسة تتأسس في كليتها على البحث عن الحقيقة عبر اكتساب الثقافة. إلى جانب هذه القيم العقلية، ثمة بالمدرسة تثمين للقيم الأخلاقية( »هذا حسن، هذا ضعيف، تلميذ متضامن، تلميذ جد أناني، عليه أن ينفتح على القسم«) وللقيم الجمالية (»هذا جميل، هذا غير جميل، مجموعة متناغمة، تمثيل موفق، فرض أنيق«).
هكذا تترجم عادة هذه القيم بواسطة أحكام تتأسس على اعتقادات يصعب مناقشتها، لارتباطها برأي راسخ، يرى كل واحد من خلالها أنه محق. أحيانا تصف هذه الاعتقادات ما هو كائن (مثلا: هذا المدرس جيد لحبه الأطفال أو لأنه صارم معهم، أو لأنه ذو سلطة أو لأنه يبرم تعاقدا) وأحيانا ما هو موجود( ليس من اللائق أن يناقش التلاميذ استعمال زمانهم، أو من الأفضل أن يكون بإمكانهم توضيبه؛ من اللائق أن يبدي أو لا يبدي المعلم سلوكات وجدانية بالقسم، أن يتجاوز أو لا يتجاوز دوره الضيق كأستاذ...). بل إنها في أحايين أخرى تطمح إلى وصف ما يجب فعله( هل من الضروري تكوين المدرسين على تدبير الصراع، وهل هناك فائدة من تكوين المدرسين سيكولوجيا).
يمكن للقيم أن تكون مقبولة بحسب الاعتقاد الذي يولدها: نقوم بأمر ما لاعتقادنا أنه...، أو نرى أنه...، أو نريد أن.... أوليفييه روبول يقترح طريقة أخرى للحكم على القيم، وذلك بالوعي بها كتضحية. وبهذا يتم اختيار القيم بحسب ما نقبل التخلي عنه وما نقرر الاحتفاظ به. وعليه يتطلب التعلم من التلميذ العمل على تجاوز ما يعرفه( على المستوى الإدراكي)؛ إذ لاكتساب المعرفة يتوجب عليه التخلي عن تمثلاته. هذه التضحية التي يقبلها (لكونها حرة، مبررة ومقبولة) يمكن أن تقوده إلى وضعية جديدة سعيدة. » تربية فرد ما تعني إفهامه أننا لا نحصل على شيء دون مقابل، أي دون مجهود، ودون خطر الفشل، وأن التعلم يوجب هذه التضحية، بغض النظر عن قيمة ما نضحي به [...] إلا أن هذا يكون بثلاث شروط. أن تكون التضحية، أولا، حرة، مستوعبة ومرغوب فيها من طرف من يقوم بها. لا قيمة لكل تضحية مفروضة. [...]على التضحية أن تكون، ثانيا، مبررة. علينا أن نعرف لماذا ومقابل ماذا نضحي بما نضحي به[...]. وأخيرا لا يجب على التربية أن تفرض تضحيات فارغة؛ إذ من المفروض أن تكون كل تضحية مفعمة بالقيمة التي تسمح ببلوغها.[...]وأخلص، بعد تسجيل هذه التحفظات، إلى أن كل قيمة تتحدد بحسب التضحية، وبما أنه لا وجود لتربـية دون قيمـة، فإننا لا نتـعلم شيئا دون تضحية ) «. لكلمة التضحية هذه دلالة إضافية دينية (في بعض الديانات، يتم التضحية بحيوان لاسترجاع براءة دنسها خطأ، أو للتصالح مع العالم ومع الله)، ولها أيضا معنى علماني (إذ باسم التسامح قد نضحي بأنفسنا في سبيل الإنسانية).
غير أن التضحية أنواع. فباستلهامه لماكس شيلر Max Scheler ( )، ذكَّر أوليفييه روبول بالمستويات الخمس للتضحية، مع أن كلا منها تتفوق عن سابقتها نوعيا. فـفي المستوى الأول تعمل المتعة، التي تطابق الإشباع الآني لرغبة ما (أرغب في...)، على إشباع إحدى الغرائز. فالمتعة قيمة حقيقية، ما دامت التضحية، بهذا الفعل أو ذاك مقابل تحقيق متعة، فيها بالفعل إنكار للذات. نسجل أيضا أن هناك أشكالا من التضحية تؤدي إلى تحقيق متعة نظرا لوجود توافق بين الفرد وإرادته (حالة بعض الآباء الذين يرون أنهم يتفصدون من أجل أبنائهم، شاعرين بالمتعة في هذا الإيثار من جهتهم). يأتي بعدها المفيد، الذي يكون استعماله نافعا، مجزيا، ورحيما لأي فرد، دون أن يتطابق ذلك بالضرورة مع تحقيق المتعة. إن مستوى المفيد أعلى من مستوى الممتع، لإمكانية التضحية بالممتع من أجل المفيد. نضحي بملذات كثيرة، ونقبل بالآلام من لأجل نجاح اجتماعي أو صحة قد نعتبرهما ذات فائدة لشخص ما. وقد لا يعمل النافع أحيانا إلا على تأجيل المتعة: فالمال، والعمل والصحة فوائد لتحقيق ملذات، ويمكنها أن تصبح هي في حد ذاتها ملذات. ثم هناك أيضا الجماعي، الذي يتطلب التضحية بالمصلحة الخاصة، ويفرض التضحية بالممتع والنافع. فمن الممكن التضحية بالصحة وبملذاتها في سبيل العائلة. إلا أن الجماعي، وإن كان يتجاوز الفردي، فهو لا يبلغ الكوني. بعدها الإنساني. يتم هنا تجاوز الجماعي لتصبح القيم المرغوب فيها هي قيم الإنسانية. حقوق الإنسان لاتهم فقط الفرنسيين أو البروطونيين أو الباسكيين لوحدهم. المصالح المستهدفة هي مصلحة عموم البشرية، التي تتجاوز مصلحة الجماعة. وفعل التربية يعني الأخذ بعين الاعتبار التميُّز من أجل الوصول إلى الكونية. ولأن الكون لم يكن سابقا في الوجود عن الإنسان، فالإنسان هو الذي يشيده كل يوم، فمن غير الممكن التشكيك في هذا الموقف الإيجابي تجاه الفرد كي نجعله جزءا مما يوحد الإنسانية. أخيرا الخلاص [السعادة] ذو العلاقة بالماوراء-إنساني، لتحققه بعد الموت. إنه يفترض وجود حقيقة تجعل الإنسان متعاليا، وهو ما نجده في الديانات أو لدى المفكرين الملحدين كآلان Alain ، و كونت Comte أو سبينوزا Spinoza. قد تكون القيمة العليا هي الله، وقد تكون هي الإنسان [المطلق].
تتضمن كل قيمة، في المجال التربوي، تضحية لا يمكن المطالبة بها إلا إذا كان هناك توافق عليها، وكانت مفهومة، ومقبولة في حدود ما تسمح به. و على كل واحد أن يقرر نوع التضحية التي ينخرط فيها.

القيم الواجب تدريسها بالمدرسة:
تقوِّم المدرسة القيم العقلية الباحثة في الحقيقة، والقيم الأخلاقية الباحثة فيما هو خيِّر في مقابل ما هو سيِّء، والقيم الجمالية التواقة إلى الجميل.
إن الحقيقي يعد قيمة فعلية لافتراضه وجود إرادة، وجود تضحية. إن العمل على الفهم والتساؤل حول الصادق والخاطئ يدفع إلى طرح الأسئلة بعيدا عن كل حاجة اقتصادية أو خوف ديني. وقد قال آلان » حصول الفهم لا يتم إلا بالتخلي عن الأخذ«. إن الصياد لن يكون أبدا في حاجة إلى علم المتخصص في حيوانات الأنهار، ولا الساهر في البرد فوق كرمة إلى معارف المتخصص في علوم الطقس. الحقيقة قيمة فعلية لكونها تؤدي إلى التخلي عن التمثلات، والمعتقدات والآراء الخاصة. ليس من السهل رفض ما نعتقد فيه حتى نفكر بشكل مغاير. وقد تبينا بالملموس، خلال فترات تاريخية، كيف ضحى رجال بأنفسهم في سبيل البحث عن الحقيقة. ولنا في جاليليو جليلي مثال الرجل الذي رفض أن يساير الكنيسة وكان مجبرا على التنكر لنظرية كوبرنيك، تحت ضغط المحكمة.
أما البحث عن الخير فوجوده رهين بالإرادة الإنسانية. فإذا ما وقفنا على بعض القيم الأخلاقية، سنلاحظ بوضوح أنها من الصعب أن توجد دوما وأنها تنتمي إلى خط من الأعراف، وتوثر بين قطبين متناقضين. وقد كتب أرسطو قائلا:» إنه من الصعب جدا الحصول على الوسط العادل مثلما نحصل على مركز الدائرة«، لعدم وجود مسطرة ولا بركار للحصول على قيم أخلاقية. إن الأخلاق، وقبلها علم الأخلاق، يبدآن بعيدا عن أعين الدركي. لابد من التمييز بين الأخلاق والقانون: ففي الحالتين نكتب أنه لا يجب القيام بفعل القتل، لكنه في الحالة الثانية يقابل بالعقاب. الإلزام في الأخلاق شخصي وداخلي، وهو في القانون خارجي و إجباري. وهكذا تستوجب القيمة الأخلاقية جهدا أكبر من احترام القوانين الجنائية. يمكن التمييز ضمن القيم الأخلاقية بين قيمة الإرادة التي تتطابق مع الحرية، ومع قدرة كل فرد على قبول أو رفض إغراءات العالم الخارجي وإغراءاته الذاتية؛ قيمة التبادلية التي تؤشر على أن ما لا يجب فعله بالنسبة للآخرين، هو بالضبط ما لا نود أن يقوموا به تجاهنا، ولا يمكن أن أطلب من الآخر احترام حريتي، إذا كنت لا أحترم حريته؛ قيمة اللا.-تبادلية التي يدافع عنها إيمانويل لوفيناس Emmanuel Levinas ( )، والتي لا يجب علينا بموجبها أن ننتظر أي شيء من الآخر، وإلا دخلنا معه في علاقة مقايضة. في هذه الحالة تتمثل القيمة العليا في العطاء الذاتي: إذ لا يجب انتظار الشكر كي نعطي، ولا الإحساس بالمسؤولية تجاه مسؤولية الآخر.
البحث عن الجمال، هو الآخر، قيمة لكونه غير لحظي. لم يتم الحديث عن القيمة بالنسبة للبحث عن الجمال؟ يمكن البحث عن الجمال في لون، تمثال، جسم، وجه، لكن أيضا في ندبة، أو برهان رياضي أو جملة، أوصمت، أو صخب. فالجمال الذي يحيل على الجميل (حتى نميزه عن الفني) يوافق الجانب الانفعالي. وكي نجد شيئا جميلا، علينا أن نهدِّئ من تلهفنا ورغباتنا التلقائية ونقبل الدخول في صلب ما نلاحظ، حتى تتم رؤيته بأعين المتذوق للجمال الذي لا يطلب مقابلا، والذي قد يجد الجمال في ميدان الحرب، حريق، أو منظر زلزال أرضي. فالجميل هو القبول بعالم خاص، موجود في الماوراء، بعيدا عن العالم الواقعي. ليست ممارسة الفن بالمدرسة هي البحث عن محاكاة الطبيعة، ولا العمل على تقديم مناهج أو تقنيات، تساعد التلاميذ على تقليد فلان... وإنما جعل التلاميذ يفهمون أعمالا تمكنهم من استيعاب العالم الخاص للمبدع، فيعملون على ترجمتها. ولوجهم عالم الفن يعني النفاذ إلى رغباتهم، إلى فنطازماتهم، إلى »حماقاتهم«، وبالتالي قبولهم انفعالاتهم.

قيمة المدرسة: العلمانية
تعرفنا اللحظة عن القيم بالمدرسة. أما فيـما يتعلق بالقيم المدرسية، فيبدو لنا أنها تتمحور حول مسألة العلمانية.
لنعد بداية إلى أصولها. ففي سنة 1792، حين أعلنت الجمهورية الأولى، بزغت روح العلمانية في صيغها القانونية. تأسيس الدولة المدنية، وأحدثت مكاتب الحالة المدنية التي كان من مهامها الإشراف على حالات الولادة، والزواج، والوفيات، مؤسسة بذلك فضاءا مدنيا، متميزا عن الفضاء الديني الذي أشرف عليه، إلى ذلك الحين، رجال الدين. بهذا تم ضمان الحق في المواطنة بشكل دستوري، لاغية بذلك العقد الذي جمع إلى حدود سنة 1801 الدولة بالكنيسة Concordat (التوافق الذي حدث بين نابليون الأول والبابا بعد انشقاق 1791، والذي فرض على الكهنة الوفاء للدستور مقابل راتب شهري). وقد أقام برودون Proudhon في كتابه بحث في الأخلاق الصادر سنة 1858 تقابلا بين موقفين أخلاقيين. أصل الموقف الأول كنيسي، حيث تفرض القيم على الناس دوما من فوق، وكأنها أمر متعال خارج عنهم؛ إنه الموقف الذي لا يزال قائما بالبلدان الإسلامية حيث تحدد الشريعة الأخلاق والقوانين، كما نجده لدى المتطرفين الكاثوليك والأصوليين البروتستانت. أما الثاني فقد كان مصدره الإنسان والذي أصبحت الثورة معه منذئذ يقظة للاحترام الذي سيوليه وعي لآخر، في مطلقيته الشاسعة. وقد اختار برودون العدل المشيد عوض العدل الممنوح. إن الحقوق الإنسانية في مقابل الحقوق الإلهية تشدد على الأخلاق العلمانية المرتكزة على ثلاث اعتقادات قوية: العقل، العلم والتطور. وفي سنة 1905 تم التوقيع على القانون الذي يفصل بين الكنيسة والدولة، مفرِّقا في الحقوق بين المجال الخاص الذي من بين مكوناته الجانب الديني، والمجال العام التي تعد المدرسة من عناصره. في غضون ذلك تم علمنة المدرسة الابتدائية. علمانية تضمنت عنصرا مقدسا، وهي العقيدة العلمانية، التي كتب فردنان بويسون في شأنها قائلا:» إننا حين نثبِّت العلمانية، فإننا تثِّبت فقط الدولة، أي إننا، وإن اختلفنا في الرأي، نؤكد على هذا الفضاء المشترك الذي يوحدنا ضمن عقيدة واحدة«( ). وبهذا تكون العلمانية القيمة الأوحد التي تتأسس عليها المدرسة الفرنسية لكونها منفتحة على الجميع، لا تأخذ بعين الاعتبار الاختلافات بين الناس، ولا الخصوصيات الثقافية، ويجب عليها أن تساهم في تأسيس الدولة.
إن العلمانية، في الأصل، تتبنى التسامح، والتوافق، واحترام المصلحة العامة، و الحس الجمعي الذي يشكل ذروة هذه السوسيولوجيا الأخلاقية، جاعلة من الجمهورية أفقها. لكن عوض السعي إلى التوحيد، كان على العلمانية البدء بتأكيد انفصالها عن الكنيسة. هذا ما ترتب عليه ما سماه البعض، مع بعض السخرية، بالنزعة المتعلمنة Laïcisme. فتحول ال»علماني« إلى »متعلماني« Laïcard، تحدوه الرغبة أحيانا في إبداء العداء تجاه رجال الدين، عوض إحداث الأثر عبر الانشغال بتعاقد جمعي من أجل إيجاد فكر قادر على فحص، وفهم والحكم على الأخلاق، والقيم، والفلسفات والثقافات.
واليوم، وفي ظل مجتمع متعدد، يعرف فيه العقل تناقضا (انظر الفصل القادم)، والعلم نقاشا، ولا تقبل فيه فكرة وجود تقدم، يمكن التساؤل حول طبيعة الصورة التي يمكن رسمها عن العلمانية؟ يقترح جون هوساي ما يلي: » إن مجتمعا دنيويا، معروفا بهذه الصفة، من المفترض أن يمر من قيمة علمانية أدنى يتلمس فيها انخراطا معقلنا لكنه متصلب في الحياة الجماعية، إلى قيمة قصوى تقبل بمواجهة الأخلاق، والقيم والفلسفات، وذلك على أساس مبدأ التماثل في نفس الوظيفة البيداغوجية، الأمر الذي لا يقصي تعبير المرجعية المتعالية.[...]. لم يعد بإمكان العلمانية أن تكون حيادية ولا انتقامية، وإنما ذات طابع فكري، أي تسمح وتزاوج، في نفس الوقت، بين المواقف المتخذةـ التسامح والتحليل النقدي.[...] وعليه، وجب علينا أن نقبل أن يكون للعلمانية، بعيدا عن موقف الخوف، مهمة طرح قضايا المجتمع والعالم اللذين نعيش فيهما في عمقهما.« ( ) وقد أدت وجهة النظر هذه إلى تسرب الشك الناتج عن الحوار كأفق بيداغوجي لمدرسة علمانية معاصرة. مسألة الحجاب مثال مؤثر ستتعارض بشأنه قيمتين بدتا متنافرتين لكن يقربهما الدستور: الحرية التي تتطلب القدرة على الفعل بحسب المزاج الخاص، والمساواة ( التي عيشت كتوحيد للنمط) التي تؤدي إلى عدم قبول الاختلاف، علما أن الحرية و المساواة هي في صلب التمايز بين الديمقراطية والجمهورية.
تتعارض الديمقراطية مع النظام الشمولي وتساير النظام السياسي الذي تكون فيه السلطة بيد المواطنين، لاحترامه مبادئ الحرية الفردية( في التعبير، والرأي، والتدين)، وتَمَُيزه باقتسام السلطات، والسيادة الوطنية: انتخابات حرة بالاقتراع السري، خلال الانتخابات العامة. في هذه الأثناء لا تستبعد فيها الديمقراطية نفوذ الديانات: كحالة الديمقراطية الإنجليزية التي تتمتع فيها الملكة برئاسة الكنيسة الأنكلوساكسونية، وحالة أمريكا التي يؤدي الرئيس القسم على الإنجيل، ويذهب، بصفته الرئاسية، إلى أية مهمة دينية.
يتعارض النظام الجمهوري مع النظام الملكي؛ إذ لا تكون السلطة في يد رجل واحد ينفرد باتخاذ القرار، ولا تخضع لأي نفوذ ديني. إلا أن فكرة الجمهورية تنمي، إضافة إلى ذلك، فكرة الترابط الاجتماعي الإرادي، وسيادة شعبية ترادف المواطنة. »يرتكز مفهوم السيادة هذا على فكرة عقلانية، إن لم نقل وظيفية للحياة الاجتماعية: إذ بمساهمته في الخلق الجماعي للجسد الاجتماعي يتكون الفرد، يتحكم في انفعالاته ومصالحه، ويصبح قادرا على الفعل بعقلانية « ( ).
ستبرز مسألة الحجاب توجهات متعارضة بين القائلين بمدرسة جمهورية حريصة على حياد فعال للمدرسة( يرفض فيه الحجاب على غرار كل علامة دينية استعراضية)، وقائلين بمدرسة ديمقراطية تدافع عن الحق في التميز الذي سيرخص لهذا اللباس( ). وقد كشفت هذه المسألة بوضوح عن وجود شرخ في العلمانية بين مبدأ للمساواة( يخفف منه مبدأ الإنصاف) ومبدأ الحرية. وليست العودة اليوم للأخذ بمبدأ الاختلاف بالأمر المجاني. كما أن العودة إلى الأخذ بمسألة الأخوّة ليست مجانية أيضا(من خلال مسألة الرابط الاجتماعي).
وهكذا تؤدي العلمانية اليوم إلى إعادة الاعتبار في الأسس التي تقوم عليها المدرسة، سواء تعلق الأمر بالمبادئ الجمهورية أو الديمقراطية. ليس الغرض إكساب المدرسة طابعا دينيا وإنما: »لإعادة قبول شرعية تواجد ثقافة دينية بالمدرسة باعتبارها منبع معرفة أفضل لأصولنا، وذلك لربط الصلة بالقيم الجماعية، ونكون أكثر حرصا على حقوق الأفراد، ونكون أكثر انسجاما مع مبادئهم الخاصة المرتبطة بالمساواة والديمقراطية«( ).
لا يمكن لأي وسيلة غير مقبولة أن تبرر أي هدف كيفما كان نوعه. فلا هذه الأهداف تحيل على عقلانية أداتية، ولا تلك الوسائل تحيل على تفسير غير عقلاني. لنتصور أن البحث في القراءة سيبرهن غدا، بطريقة لا تترك مجالا للشك، أن السبيل الأفضل لتعلم القراءة يتمثل في إشراط، بل وترويض التلاميذ، مثلما تروض الحيوانات، على الجمع بين الأصوات والرسوم الخطية. هل يكفي، لتأييد هذه الطريقة، القبول كلية بنتائج هذا البحث؟ بالتأكيد لا. السبب في هذا أن كل مشروع تربوي هو مشروع يهتم بالخير وبالعادل، وأن لا وجود لتربية مفعمة بهمِّ التحرير، ومُطالبة بالتأمل الأكسيولوجي، تربية، عند أخذها الأشياء بعين الاعتبار، تضع الآخر كمرجع، ضامنة بذلك شروط بروز الذات. وما من شك أن العلوم التربوية المهتمة بالقيم التي تُدرس، والقيم الواجب تدريسها، وبقيم المدرسة، سيكون عليها أن تحول نظرها نحو باحث كيورگـن هبرماس Jürgen Habermas الذي بلور عناصر لعلم أخلاق قائمة على تقديم الحجج والحوار، ويصبح معها النقاش وسيلة للتحرر. »فالتوجه اللاعقلاني للسيطرة، الذي اتخذ في الوقت الحالي أبعادا تنبئ بخطر موت جماعي، يمكن تجاوزه عبر قيام إرادة سياسية، ترتبط بمبدأ قوامه نقاش عام وخال من الهيمنة«( ).
الهوامش
-* من كتاب "قضايا في علوم التربية" ، ميشيل دوفولاي، ESF،2001
- »لا نريد مساعدة الأساتذة نريد تغييرهم، تصحيح ممارستهم، وإعادة تربيتهم بغرض جعلهم يتكيفون مع العالم الحديث. والحقيقة أن علوم التربية تقنيات لإعادة تكوين الأساتذة « أ. فينكولكرو A. Finkolkraut لوبوان. 12 أكتوبر 1992.
-2انظر روبول أ.، قيم التربية، باريس، أ. كولان،1992
-3روبول أُ .المرجع السابق ، ص:32
-4 روبول أُ .المرجع السابق ، ص:32
-5 شيلر م.، النزعة الصورية في الأخلاق والأخلاق المادية، باريس، جاليمر، 1955.
-6لوفيناس إ، الشمولية واللانهائية ، باريس، كتاب الجيب، 1961.
-7 استشهدَت به جاكلين گـوتيران Jacqueline Gautherin ضمن مقالها »العلمانية« الموجود ضمن قضايا بيداغوجية التي أشرف عليها جان هوساي، منشورات هاشيت التربوي، 1999
-8 - هوساي ج.، »قيم وتربية« ضمن هوساي ج.، قضايا بيداغوجية ، منشورات هاشيت التربوية،1999.
-9 توران أ، ما معنى الديمقراطية؟ باريس ،فايار،1994
-10 كان هناك وجود لرهانات أخرى غير مكشوفة: التمثلات تجاه الديانة الإسلامية، وضعية المرأة في الديانة الإسلامية الأصول الاجتماعية للأطفال، مقاصد الأئمة.
-11 كوتيران ج، انظر ما سبق
-12هبرماس ج، نظرية الفعل التواصلي، باريس، فايار، 1987


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب