أضيف في 12 نونبر 2018 الساعة 22:15

التشكيلية لطيفة مزهار : حين تصقل الهجرة الموهبة الكامنة لتعبر عن نضج تجربةتشكيلية كاملة الاركان الابداعية....الناقدة خيرة جليل


خيرة جليل



التشكيلية لطيفة مزهار : حين تصقل الهجرة الموهبة الكامنة لتعبر عن نضج تجربة تشكيلية كاملة الاركان الابداعية.... خيرة جليل
كما سبق أن ذكرت سابقا انه لا سن ولا وقت معين لبداية فنية ناجحة : فتجربة الفنانة التشكيلية العصامية لطيفة مزهار بموريال بكندا تعكس الاندماج الجيد بالبلد المحتضن وخدمة الثقافة المغربية والتعريف بغناها التراثي بتعدد روافدها اللغوية والثقافية والفكرية وتصالح تام مع الذات.
من خلال لوحات الفنانة لطيفة مزهار ، التي تنحدر من مدينة الرباط والتي شكلت انطلاق عمل تشكيلي جاد كان تمرة ورشات نظمت بلافال سنة 2015 ، فقد عبرت عن عمق فكرها وكرم عاطفتها وانسيابية ألوانها وكرم نفسها ورقي ذوقها الفني في فلسفة الجمال .... حين تستلها عن بدايتها، فهي تعبر بكل تواضع على أن أعمالها هي نتاج دروس تلقتها لبلورة أعمالها وأفكارها إلى جانب ابنائها . لكن في الواقع فأعمالها الفنية تأتي لخلق جسور ثقافية تخدم المغرب وإشعاعه الثقافي العالمي والتعريف بوحدته الترابية في اطار الدبلوماسية الموازية لتعكس عقلية إبداعية لفنانة منفتحة ومتعددة الروافد الثقافية والفنية ... فكيف تعاملت الفنانة لطيفة مزهار مع اللوحة الفنية كإبداع فكري جمالي؟ وما هي المدرسة التي اختارت التعبير في إطارها على نظرتها لمفهوم الجمال أو لتعبر عن همومها وتطلعاتها؟
أعمال الفنانة ستجذب المتتبع لها بتنوعها الذي يعكس تعدد تطلعاتها و جدية شخصية صاحبتها كمبدعة. فهي وإن كانت تُسخًر ألوان الاكريليك الشفافة للتعبير عن تطلعاتها فان موضوعاتها تختلف من لوحة لأخرى. فهي اتجهت قدماً إلى رسم لوحات تعبر عن ذاتها المبدعة المتفائلة. الفنانة حاولت محاكاة جمال ألوان الطبيعة الظاهر بلوحات تشكيلية تجريدية دون أن تسجن نفسها في رسم الأشجار والجبال والخضرة أو رسم المعمار والبورتريهات لأشخاص تلتقي بهم يوميا في حياتها . هي سطرت هدفها منذ البداية، وبدأت مسيطرة تماما على مادتها وخامتها بكل استقلالية ذاتية دون أن تحاكي أحدا . سخرت الألوان الخفيفة لتبدع لوحات حالمة بالغد الجميل، كما شيدت خيوط لا مرئية لأحلامها وهمومها وتطلعاتها ففتح بوابة الأمل بكل تفاصيلها الدقيقة لتعانق الإلهام من منابعه الغزيرة. اختصرت المرتحل الزمنية بحرفية وصبر ودأبت على مزاولة وصقل موهبتها لتقول: ها انأ ذا .
ما أنجزته الفنانة خلال فترة وجيزة من الزمن مع ابنائها ، وهي ترسم مخاوفها وتطلعاتها وأحلامها وانتظاراتها من المستقبل واجتهادها في استنطاق الحياة الكندية اليومية من خلال تمثلاتها الحضارية والفكرية ، يعادل مسيرة فنان لسنين طويلة . إنها مرحلة النضج الفكري العمري ، حيث يستطيع الفرد أن يكون أكثر استقلالية من الأنا وأكثر نضجا ومصالحة مع الذات المفكرة والمبدعة في آن واحد. لم تركز على التجسيدية في لوحاتها لأنها تكره أن تجتر التجارب السابقة، وتعلم جيدة أنها ستخنق أنفاسها في أشكال لا تعبر عن تطلعاتها، فلم تتقيد في لوحاتها لا بالشكل للجسد البشري ولا بالطبيعة الصامتة أو الميتة كما يحلو للبعض تسميتها . جاءت إبداعاتها تجريدية تسافر بالمتلقي إلى عوالمها الفنية لتفتح له بوثقة الإلهام نحو عالم أكثر فساحة وجمالا . معظم أعمال الفنانة تتميز بإشكال تجريدية انسيابية اكتشفتها لنفسها، مما يُوحي لنا غنى تجربتها وعمقها الفكري والإنساني وبعدها النظري، فبداخل كل تجربة واحدة تنبع من تنوع التجربة السابقة ومن داخل التجربة نفسها. حاولت التنويع أو بالأحرى حاولت عزف عدة نوتات لونية على ذات اللوحة اللونية الواحدة ، مشكلة نغمات بصرية منسجمة تعطي راحة بصرية ونفسية للمتلقي المتعطش للأعمال العميقة والمسؤولة والهادفة . كل لوحة هي معزوفة لونية بتمثلات لونية انسيابية منسجمة ومتشابكة فيما بينها دون أن تتسخ الألوان من بعضها البعض، رغم احتواء اللوحة على العديد منها. فيكون الانتقال بين الألوان سلسا ومتدرجا ومريحا للعين. إن الناظر آو المتأمل لأعمال الفنانة لا يمكنه أن يتجاوز احد أعمالها دون أن يعود إليها عدة مرات ، ليتمتع بها بتأني ويستشف جمالياتها في دقة توزيع ألوانها وقوة ضربات فرشاتها للسفر في عوالمها الشاسعة لغزارة تفاصيلها ، لا سيما تلك التي مزجت فيها أكثر من خمسة ألوان وهذا في حد ذاته إقحام للمتلقي. قليلا ما نجد فراغا أو بياضا بداخلها لأنها لا تمثل خربشات عشوائية تم إنجازها في أوقات الفراغ على عجلٍ أو إسكتشات أولية عفوية اوتحضيرية لعمل مستقبلي، بل أعمالها عميقة ومتكاملة منحته الفنانة كامل وقتها وأفرغت به كل أحاسيسها وارتساماتها وانفعالاتها، فهي استطاعت بعفويتها التقاط الحالة المرسومة وتجسيدها بلوحاتها حسب إلهامها وتصوراتها الفكرية والفنية .استطاعت بذلك أن لا تستغني عن الواقع واكراهاته بالمهجر، ولكنها أخذت سلبياته لتترجمها لايجابيات تقاوم بها الاحساس بالغربة والبعد عن عائلتها التي شكلت لها دعما أوليا في حياتها ، حتى تؤسس لإبداع يكون مصدر الهام لأسرتها الصغيرة بالمهجر ولأصدقائها ومحيطها القاسي. لتدعو فيه للتقيد بضوابطه وصرامته القانونية و في نفس الوقت تدعو للتمرد عليه بالفن والجمال والإبداع . فموسيقى نوناتها اللونية تعزف سيمفونية التحدي والمغامرة في الوقت نفسه. فهي لا تعترف بسن معينة لبداية أي مشروع فني جادا يكون ملهما لها ولغيرها. فجاءت أعمالها قوية وعميقة وتستجيب لواقعها وانتظاراتها وتردد صدى أنفسها المتطلعة للمستقبل بتفاؤل وعين رضى بأعمال تجريدية ذات الألوان الحالمة والمتمردة والمفعمة بالنشاط والحيوية. بعض لوحات جد متشابكة الألوان والخطوط مما يعبر عن كرم روحي واتزان نفسي تعبيرا عن حالة محددة تراها الفنانة، ولعل هذا التشابك العفوي لانتقاء الألوان وإسقاطها على المنشأ الفني يعبر عن صفائها الذهني ليفكك تعقيدات الحياة بالغربة ويبسطها من تشابكها في العلاقات والتقاطعات الفكرية والحضارية بين البلد المصدر للهجرة والبلد المستقبل لها ليخفف من تعقيداتها الكثيرة. فهي ترى الإلهام في ثلوج كندا البيضاء وفي أوراق خريفها الحمراء والصفراء والبنية وأشعة شمس ربيعها وشواطئها الصيفية. لتترجم ما يدور في خلدها ويضغط على روحها لألوان مسترسلة ومنسجمة فوق الأسطح البيضاء للوحات، للتعبير عنه وترجمته بطريقة مغايرة تجمع بين التجريدية في ضرباتها اللونية والسريالية في انسيابية ألوانها ، لتأتي على شكل كثير من الخربشات اللونية الدقيقة المحسوبة و كتلة من التنقيط والخطوط الطولية والعرضية الصاعدة والنازلة بتناسق تام لتتخلل الرسم بتوازن بصري منسجم ، فيضفي عليه من دلالاته وسحره وقوة حضوره ما يشد المتأمل لأعمالها. فكانت أعمالها سهلة ممتنعة بتقنية بسيطة في ظاهرها لكن عميقة في إحساسها وأفكارها وتطلعاتها، وغنية في ألوانها مما تطلب منها جهودا مضاعفة ووقتا أطولا، مستعملة تارة الألوان الاعتيادية وتارة أخرى الألوان المشتقة التركيبية القادرة على تغطية المساحات الانتقالية بين الألوان الأساسية مما يمنحها سرعة العمل في انجاز المنشأ الفني. وعملها عامة يحتاج إلى صبر وجهد إضافيين حتى يأخذ شكله النهائي الذي ترضي هي عنه في نهاية انجازها، سواء في أعمالها الصغرى آو الكبرى مما جعلها تستقطب اهتمام المتلقي بمختلف انتماءاته الثقافية آو الفكرية..... ورغم أنها تصرح أنها عاشت بداية التجربة الفنية مع ابنائها فهي، حين تستعمل الألوان تبدو في تنفيد أعمالها كمجربة وكحرفية لها خبرة في تشكيل اللوحة من حيث خلط الألوان وتنفيذها على عملها الفني.
عموما إن الفنانة تنتشي وتستمتع بعملية الرسم والتشكيل الوني والنسيج البنائي للوحاتها ، وظهرت متمكنة من صنعتها وحائزة على خبرة عميقة لها جمالية خاصة بها ، لأنها تداعب ألوانها بحب واهتمام لتنفيذ نظرتها الفنية الواقعية للفن التشكيلي التجريدي على انه مصدر الهام ونجاح وأساس التوازن النفسي في الحياة، ليشبِع روحها من الجمال ويلبي حاجتها الروحية ويشيع موجاتها الايجابية من حواليها محترمة الذائقة الجمالية للمتلقي العاشقة للفن التشكيلي، وللحظة النشوة الجمالية الفنية وتحريك جمال لحظة حالة السكون التي تعيشها بقلبها وعقلها. فهي بذلك تساهم في الحراك الفني والمجهود الجمالي الكبير لتجعله مصدر الهام حيث تقدم وتنجز أعمالا مقنعة، قادرة على ترجمة هذا الواقع إلى رؤى فنية خاصة بها تسهم بها في إغناء الذائقة الجمالية الجماعية للإنسانية وتنشر الجمال وتعالج قضايا فكرية ومجتمعية ،فتلفت الانتباه لأهمية الإبداع لكونها في الأساس تخاطب إحساس وشعور المتلقي، والأهم من كل هذا أن الفن التشكيلي في نظر الفنانة إغراق في الألوان المنسجمة للإبحار في عوالم الإلهام حتى تستطيع أن تخلق أجنحة أمل تطير الفرد بسماء الابتكار والفن والجمال الفني ......خيرة جليل



















































































































































قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب