أضيف في 5 نونبر 2018 الساعة 16:41

لن تسرقوا أحلامي..!


المصطفى سالمي
أحس السيد (الراضي) بالغبن وابنته تُحرم من المنحة الجامعية، لقد علق آمالا كبيرة على ذلك المبلغ الهزيل الذي لا يكاد يصل لألفي درهم تُمنح مرة كل ثلاثة أشهر، إنه على تواضعه سيساعد (فاطنة) على مصاريف الحي الجامعي والتنقل والأكل وشراء لوازم الدراسة، أما الملابس فالقديم منها يكفي. كان (الراضي) مجرد فلاح بسيط، وقد اشتغل مؤخرا في شركة للبناء في المدينة، لكنه عاد بعد أن أمضى عامين هناك، عاد لأرضه وزرعه بعد أن أعياه المرض جراء الأشغال الشاقة المرهقة في ورشات العمل، إنهم يمتصون آخر قطرة من دم العامل مقابل لقمة العيش، هو الاستعباد ذاته، وها هم يصدمونه ويحطمون أحلام الفتاة في استكمال دراستها الجامعية، لقد عبأت (فاطنة) كل الأوراق والوثائق اللازمة، ولكنها حرمت من حقها البسيط هذا، في حين استفاد غيرها، ومن المستفيدين أبناء الأعيان ممن هم في غنى عن هذه المنحة التي لا تعني شيئا لهم، ترى إلى أين المُشتكى؟ ومن بيده الحل والعقد؟
اتجه (الراضي) رفقة (فاطنة) من قريتهما (العجيلات) نحو مدينة سيدي بنور، أقلتهما سيارة أجرة كبيرة في يوم ممطر قاتم الملامح، نزلا وتوجها نحو مديرية التعليم وسط المدينة، دخل الاثنان إلى مكتب المنح، أبدى الرجل تضامنه مع مزارع يعيل أسرة ويعلق آمالا على كبرى بناته لتحمل قليلا من العبء عنه وعن إخوتها، إنها شعلة من الاجتهاد والتفوق، هي الأولى في القسم بلا منازع، وهي من الأوائل في الثانوية العامة، لكن الموظف المسؤول أبدى عدم مقدرته في الحسم في هذه النازلة، إن أصحاب الاختصاص الحقيقيين ممن يجب الشكاية لهم في مثل هذه الحالات مكتبهم في عمالة الإقليم.
اتجه (الراضي) وابنته (فاطنة) نحو مقر العمالة، استقلا سيارة أجرة صغيرة للوصول إليها، إنها تقع في طرف المدينة الشمالي، كانت الأمطار ما تزال تنهمر بدأب وإصرار، نزلا من السيارة وصعدا أدراجا صغيرة ليجدا نفسيهما قبالة رجل أمن في البوابة، طالبهما ببطاقة التعريف، سلمها له (الراضي) ليسجل الآخر الاسم والرقم التعريفي، وصعد الرجل وابنته باتجاه الطابق الأول حيث أشار رجل الأمن، هناك وعلى الباب الزجاجي كُتب بخط عريض "السيد كريم العدوي" وتحت هذا الاسم عبارة: "مكتب المنح الجامعية"، كان مجموعة من الطلبة وذووهم متحلقين وقوفا، فأشار المسؤول الإداري للسيد (الراضي) وابنته بالدخول، كان الموظف كأنما يلقي عليهم محاضرة في شروط الاستفادة من المنح الجامعية، وأنها تخضع لمعايير قانونية مضبوطة.. لعن (الراضي) وقتها الكراكيز الإدارية التي يعينها المخزن لمواجهة أبناء الشعب، كان الرجل منتفخ الأوداج منفوخا شحما ولحما، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، لقد كان يكفي بالنسبة لهذا الأخير أو غيره أن يتأمل ملابس وأحذية المتحلقين حول مكتبه الوثير، كان يكفي أن يلحظ ملامحهم البئيسة الكئيبة ليتأكد من وضعيتهم الاجتماعية، لقد كان القدر قد خط على جباههم علامات الفقر اللعين. وقتها دارت في مخيلة (الراضي) صور السهرات اللعينة والمهرجانات الماجنة التي تقيمها سلطات بلاده التعيسة لفائدة شعب منكوب، يُستدعى إليها الراقصون والراقصات من كل بلاد الدنيا، وينفق عليهم بسخاء مقداره ملايين الدراهم عبثت بها يد السفهاء، إنهم يرقصون على إيقاعات شقاء فقراء هذه البلاد الذين يُراد تجهيلهم قسرا. كان (الراضي) رغم فقره رجلا واعيا خبر الحياة والناس، إنه يعلم أن تلك المنحة الجامعية الهزيلة ليست هبة أو صدقة أو منّة من الدولة، إنها جزء من الضرائب المفروضة على هذا الشعب المغلوب على أمره، وإنها جزء يسير جدا من ثروات هذا البلد التي يتم تهريبها في جنح الظلام، بل في واضحة النهار نحو كل بلاد الدنيا، وما من رقيب أو حسيب إلا علام الغيوب، وكل هذا ينفق ويا للأسف في غير أوجه الصلاح..!
بدأ الموظف المنتفخ الأوداج يسأل المشتكين عن أسمائهم الواحد بعد الآخر، ويبحث في حاسوب أمامه، ثم يقدم مبررات مختلفة لحرمان كل واحد من المنحة، بعضهم يقول بشأنه:
ـ إن البحث الميداني أثبت أن مداخيل ولي الأمر هي فوق المسموح به، إذ يتقاضى ألفي درهم شهريا..
كان ينطقها بصوت ممطوط كأنها مبلغ تطير له الألباب، مشددا على عبارة "بحث السلطات"، مع أنه ليس إلا تقريرا ينجزه (مقدم الحارة) الذي هو عين وأداة "مخزنية" تدون ما يطلب منها، وغالبا ما تزور الحقائق بشأن الوضعية الاجتماعية للطلبة إذا لم تتقاض رشى سخية كريمة تقدر بمئات الدراهم..
كان الموظف المنتفخ البطن والأوداج يجد صعوبة في تقديم المبررات للتلاميذ المنحدرين من القرى الفقيرة جدا، لكنه لم يكن يعدم الحيل الماكرة الخبيثة من قبيل ما يلي:
ـ إن نسبة الاستفادة هي خمسون في المائة في هذه الجماعة، وقد تم استيفاؤها، وسنرسل طلبات أخرى للإدارة المركزية، إنني أحس بكم جميعا، ولكن لا سبيل لإرضاء الكل، أنا لا أحابي أحدا، أنتم مجرد أرقام بالنسبة إلي...
لم يقتنع أي واحد من المشتكين بأي كلمة تصدر عن المنتفخ البطن والأوداج، فهو نفسه لم يكن في قرارته مقتنعا بما يقول، شيء واحد ووحيد من كلام ذاك الطبل اقتنع به السيد (الراضي) كان هو ادعاء الأخير أنهم مجرد أرقام، حقا إنهم كذلك بالنسبة للبطون المنتفخة حراما، وبدا هذا (الأراجوز) بأنه لن يقدم أو يؤخر، هكذا أمسك (الراضي) يد ابنته ليعودا أدراجهما باتجاه محطة سيارات الأجرة الكبرى التي ستقلهما إلى قريتهما البئيسة.. لقد قرر الأب أن يبذل الغالي والنفيس لتدريس ابنته ، لقد صبر لسنوات طويلة متحملا ضنك العيش، وسيصبر سنوات أخرى إن لزم الأمر، حتى تحصل (فاطنة) على الشهادة الكبرى. لكن الشيء الذي هو متأكد منه فعلا كان هو الروح الوطنية التي ذابت تماما في أعماقه، فليذهب الوطن المجنون إلى الجحيم هو وكل الكراكيز التي استولت عليه.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب