أضيف في 2 نونبر 2018 الساعة 23:23

حيرة الزهور المتمردة بفلسفة الجمال من خلال تجربة التشكيلية زينب السليماني الادريسي >>>> الناقدة خيرة جليل


خيرة جليل


في المغرب الكثير يرسم لكن القليل من يدرك لماذا يرسم؟ الكثير يرسم نفس اللوحة التي رسمها غيره فقط ليبرز انه يمتلك الجانب التقني ليطلق عليه اسم فنان تشكيلي ، وهذا النوع هو من لا يدرك معنى مسؤولية أن تكون تشكيليا صانعا للجمال ومهذبا للذوق ومعبرا عن هموم العصر وممررا لرسالة جمالية و قِيَّميَّة و فلسفية. لكن ما يجب التسليم به هو ليس هناك تشكيليا في الكون من يرسم من فراغ فكري أو فلسفي، حتى وإن لم يكن مدركا لفعله الإبداعي بأبعاده الفكرية. فكل عمل تشكيلي هو وليد إشكالية فكرية فلسفية جمالية، إما عن وعي من الذات المبدعة أو عن غير وعي منها. وعندما حاولت أن أمارس النقد التشكيلي بعد العديد من الورشات التي حضرتها مع بعض الزملاء بالصين و بأمريكا، كنت على وعي مني بان يكون عملي هو ذلك التغيير الذي انشده في مجال التشكيل ممارسة ونقدا. على أن نرتقي بالتشكيل لمستوى يكون فيه قادرا على التعبير عن فكر فلسفي جمالي يهذب ذوق الناشئة ويعبر عن همومها وتطلعاتها شأنه شأن الموسيقى والمسرح..... ومن هنا كان لي لقاء مفتوحا بمجموعة من التشكيليين مما مكنني أن استمع لكل واحد وهو يتحدث كل عن أعماله وخلفيته الفكرية وانتظاراته من التشكيل .......
ومن جميل الصدف أن تطرح تشكيلية سؤالا لتشرح وضعها وإحساسها عند ممارستها للتشكيل قائلة:
- لا اعرف ما المطلوب مني لأرسم ولا كيف ارسم ؟ وأي مدرسة يجب أن ارسم في إطارها للتعبير عن أفكاري وهمومي واحتياجاتي الفكرية والجمالية.....؟ إني أحس بالحيرة وأنا تائهة رغم أني درست جميع المدارس التشكيلية ومتمكنة تقنيا.
كان جوابي لها: طوبى لك سيدتي بحيرتك، فهي العلامة الصحية على انك فنانة تشكيلية صاحبة قضية، لو اختفت حيرتك ووجدت جميع الإجابات لأسئلتك، لكنت تشكيلية عديمة الجدوى تجتر تجارب الآخرين. هذه الحيرة الفكرية الفلسفية هي التي ستقودك في مسارك الإبداعي لنقل أفكارك حول الجمال والفلسفة والفكر والإبداع إلى لوحات تعج بالأسئلة والأفكار بعيدا عن استنساخ أعمال الآخرين. قد تكون لوحاتك رسم لأشياء بسيطة، لكنها ستكون عميقة من حيث التقنية وحافلة بالأفكار التي قد لا تلتقطها عين الإنسان العادي غير المحترف .
التشكيلية زينب السليماني الإدريسي. ابنة سلا إحدى مدن الفن العريق كموكب الشموع والمدارس العتيقة المزخرفة....فنانة تبني تاريخها الفني حافلا بالإنجازات والمعارض والجوائز والشهادات التقديرية المحلية والدولية.
وهنا وضعتنا في إشكالية : فلسفة الجمال بين العقل والإحساس في التأسيس المعرفي الفني والمراجعة النقدية في الإبداع التشكيلي . و هذا موضوع أضخم مما قد يظهر للإنسان البسيط .
يقول ديكارت "أعترف بأني ولدت وفي نفسي نزعة عقلية تجعلني أجد اللذة القصوى في اكتشاف الحجج بنفسي، لا في الإصغاء لحجج الغير"1 وإذا كان ديكارت، أسوة بأفلاطون، قد جعل من العقل الإنساني صورة من العقل الإلهي ينطبق عليه ويعبر بالضرورة على آثاره في مخلوقاته بصورة رياضية ، وظل واثقا من قدرته على فهم أسرار الكون واكتشاف قوانين الطبيعة التي تتماثل مع قوانين العقل المطلق، فإن كانط تحت تأثير هيوم ونيوتن قد وضع حلا نقديا لمبدأ المطابقة وشيد العقلانية النقدية لتحل محل العقلانية المطلقة الديكارتية، وجعل شروط التجربة الظاهرية هي التي تفرض بالضرورة على الطبيعة قوانين الفكر. كما ألح على أن تمتثل الطبيعة لأطر العقل حتى تتم معرفتها ، وانتبه إلى أن الذات العارفة هي المشرعة على الصعيد العلمية. ولكن رأى أنها لا تدرك من العالم الخارجي إلا ما يتم تمثله وفق مبادئ العقل وقوانينه التي يضعها بنفسه. وهنا نسأل أنفسنا هل العمل التشكيلي فعل عقلي مدرك بقوانين أو انه إبداع مرتبط بانفعالات أحاسيس المبدع في حد ذاته، في علاقته مع محيطه وما يطرحه من إكراهات يومية أمامه؟
لقد رأى التجريبيون بأن مبادئ العقل مستمدة من التجربة على سبيل الاكتساب مثل :لوك وهيوم وهوبز، وبأن العقل يتغير بتغير الأفراد بالرغم من وحدة كيفية الإدراك، ويقتصر على عمليات التمييز والتبويب والحساب لكل ما يأتي من التجربة. وهذا ما حاولت التعبير عنه الفنانة من خلال حيرتها ورسمت قاعدة الزهور المنبثقة من سواد وغموض ذهني، لكنها في نفس الوقت تربطها عادة باللون البنفسجي الذي يمثل الصفاء الذهني في اطار يخدم الطابع ألتزييني والقيم الجمالية لرسم الحيرة الفكرية لتبتعد عن استعمال أية زخرفة فارغة لإخفاء ضعف ما في العمل الفني، فهي تفضل السواد كرمز للاحتراق والغموض.
أما العقلانيون مثل ديكارت وكانط و هيجل، فهم قد اعتبروا قوانين العقل سابقة على التجربة ومركزوه في طبيعته بصورة فطرية وقبلية كما يقرون بوجود عقل كوني واحد يتطور في مسرح التاريخ عبر أشكال متعددة .
في تحليل لأعمال التشكيلية أدركت أن تناولها للعمل الإبداعي بهذه الحيرة الفكرية والتمكن التقني، تريد أن تعبر على أن العقل في إنتاجه للمادة الجمالية هو يدخل في صيرورة فكرية لتؤكد انه إلى جانب النظري المعرفي هناك جانب عملي تطبيقي.
حين ترسم التشكيلية الإدريسي الحصون والمباني والقلع فهي تقول : العقل النظري هو قوة يحصل للمرء بها بالطبع – لا ببحث ولا بقياس- العلم اليقين بالمقدمات الكلية الضرورية التي هي مبادئ العلوم : الكل أكبر من الجزء والمقادير المساوية لمقدار واحد هي مقادير متساوية، وعندما يتقوى الاستعداد للمعرفة فإن العقل لا يخطئ وينتج معارف صادقة ويقينية "5 "
وحين ترسم الطبيعة الصامتة بتمكن تقني وتوليف لوني تقول: إن العقل العملي هو قوة، بها يحصل للإنسان ، عن كثرة تجارب الأمور وعن طول مشاهدة الأشياء المحسوسة، مقدمات يمكن بها الوقوف على ما ينبغي أن يؤثر أو يجتنب شيء من الأمور التي فعلها إلينا. بعض من المقدمات تصير كلية وأخرى تظل مفردات جزئية" 6 " .
في حيرتها عند رسم أي لوحة ندرك أنها دخلت في نسق فلسفي فكري ، قد تعبر عنه بلوحات بسيطة لزهور بألوان الحياة تنبعث من اللون الأسود أو الأزرق الغامق لتتطلع نحو الأعلى . هذه الزهور في معظمها عادة ما تكون بمركز اللوحة بشكل معقلن ومنطقي حسب قياسات الهوامش ، وهي بذلك تؤكد أن العقل هو مركز وفعل أو جزء من النفس، ويتميز عن سائر الأجزاء النفس الأخرى التي هي الإحساسات والخيال والانفعال والذاكرة والشهوة. لكن إذا كانت النفس هي مبدأ الحياة ومصدر كل أشكال النشاط الحيوي فهي تمثلها بألوان زهرية ، وعادة بنفسجية . ونحن نعلم دلالة اللون البنفسجي في الصفاء الروحي لتؤكد أن العقل هو مبدأ المعرفة والرؤية والتقدير. لقد استخدم أفلاطون عبارات اللوغوس والنوس للإشارة إلى العقل ، كما عبر عنه أرسطو بالنفس الناطقة. في حين أدرج ديكارت وظائف الإحساس والتخيل والانفعال والشهوة ضمن وظائف العقل. وهي مارست هذا الجدل الفلسفي والفكري في لوحاتها دون أن تدرك إنها بصدد إشكالية فلسفية فنية أكبر مما ترسمه فرشاتها وألوانها.فالفن بالنسبة إليها هبة من الله ولكن في كينونة طبيعتها، لتظل الطبيعة ملهمتها والورد عشيقها . لوحاتها فضاءاتها زهور ملونة، لأنها لم تفقد الأمل في تحقيق أحلامها واقعيا فهربت إلى سطح اللوحة لتؤسس مدن أحلامها وتمارس تمردها. فهي تدرك أن من لم يفهم لغة الورد وفك رموزه فلا يمكنه معرفة قدر وقيمة تلك الزهور، مؤمنة بالمقولة التي تقول: " اذا معك رغيفان، فبع احدهما واشتري به وردا وكل الثاني لتغذي جسدك " فهي ترسم احلاما مستقبلية لنفسها ولبلدها .
فهي تعلن ضمنيا أن اللوحة هي بناء عقلاني وميلاد روحي في الآن ذاته ، لأنّ الفن معرفة والمعرفة لا يمكن أن نفصل فيها بين المادة والروح . فالتشكيلية تؤكد على أن العمل الفني هو وليد لحظة روحيّة وإحساس المرهف وهي تخطه ببناء عقليّ حتى تتمكّن من الإقناع لأنّ هناك ذوق متلق ينظر متعة بصرية وراحة نفسية يلتقي فيه ما هو عقلي بما هو روحي.
بذلك نستخلص أن الفن نسبي وليس معيار في كل الأزمنة، وفي كل مراحل فلاسفة الفن بالعالم لم يستطيعوا أن يحددوا معيارا أو مقياساً للفن . فالسيالة العصبية لدى التشكيلية الإدريسي تجري من فرشاتها إلى رعشة وإحساس عميق ليستفيض منها إبداعا ينبض بالحياة ليفجر حيرة متمردة وتجسد هوية لونية تتجسد ورودا في لوحات تشكل عالما غنيا باللون والشكل والطبيعة بشكل عام. تعشق البنائية اللونية الزاهية والصريحة والمغامرة في الكم اللوني والغنائية والتجاورية فيما بينهم وتلك الألوان التي تجسد الفرحة والصفاء والإيقاع الموسيقي البصري سيمفونية بصرية بضربات للريشة بجنونية كرقصات أدائية حسية وروحية تعبر عن ذات متمردة ..

[1] ديكارت (رونيه)، قواعد من أجل توجيه العقل، القاعدة العاشرة، أنظر كتاب ديكارت، نجيب بلدي ، دار المعارف، مصر.طبعة 1987.
[2] الفارابي (أبو نصر)، فصول منتزعة، بيروت، دار المشرق، بيروت، طبعة سنة 1971، ص89.
[3] « Le bon sens est la chose du monde la mieux partagée » , Descartes )René(, Discours de la méthode, I, La Haye, 1637.
[4] ديكارت (رونيه)، قواعد من أجل توجيه العقل، القاعدة العاشرة، مرجع مذكور.
[5] الفارابي (أبو نصر)، فصول منتزعة، نفس المرجع، ، صص50-51
[6] الفارابي (أبو نصر)، فصول منتزعة، نفس المرجع، صص54-55.
[7] كانط (عمونيال)، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الإنماء القومي ، بيروت، لبنان، دون تاريخ، ص54.
[8] كانط عمونيال، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مرجع مذكور، ص55.
[9] كانط (عمونيال)، نقد العقل المحض، ، مرجع مذكور، صص276-282.
[10] هيجل، ممهدات للفلسفة، سلسلة تأملات، صص81و82.
[11] هيجل ، العقل في التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، القاهرة، الطبعة الثالثة ، 2007.
[12] برجسون (هنري) ، التطور الخلاّق، ترجمة جميل صليبا، المكتبة الشرقية، بيروت، لبنان ، طبعة 1986. ص179




قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب