أضيف في 1 نونبر 2018 الساعة 16:58

الساعة المرة


رشيد اليملولي
الساعة المرة .
لا نبغي مناقشة الإطار القانوني و التشريعي و السلطة التنفيذية المرتبطة به ، و ليس المقام مقام محاسبة و محاكمة ، و إنما هو مساءلة تستمد قوتها من السلطة الرمزية للمجتمع و قوته الاقتراحية و الإضافية ، ما دام هو مصدر الشرعية السياسية لأي مشروع ، أو برنامج مهما كان نوعه و طبيعته و خلفياته ، و أي قرار يتخذ خارج هذه المرجعية يعني ببساطة أننا بصدد دولة فاشلة في المقام الأول ، و غير ديمقراطية في المقام الثاني ، حيث ترى عنفها المشروع عقيدة ، لا يتسرب إليها الشك ، و لا تشوبها الأخطاء و الهفوات و الزلات ، و ليس النابعة من الفعل الإنساني و مقوماته النفسية و الاجتماعية .
إن قرارا بهذه الحجم ، بغض النظر عن الزمن القياسي الذي صيغ فيه ، وإنزاله في توقيت قياسي ، يستدعي على الأقل و في الأدبيات الرمزية و الحقوقية فتح نقاش عمومي ، و تأطيره ليس من وجهته القانونية و الدستورية ، التي أصبحت الشغل الشاغل لفاعل سياسي و نقابي ، بقدر ما يجب مناقشته من الوجهة العلمية اجتماعيا و تربويا و نفسيا و ثقافيا و انتربولوجيا ، مادام المجتمع و " طبقاته " على اختلاف مشاربها هو المعني بالدرجة الأولى بالأثر المترتب على هذه الزيادة ، غير أن الأمر خلاف ذلك ، إذ اقتضت العملية مجلسا حكوميا متسرعا ، و القرار قيد التنفيذ طبعا مع وعد بتكييف الأمر لاحقا وفقا للسياقات المختلفة للقطاعات الوزارية ، و كأن المجتمع و أطيافه و مثقفيه ، فلاحيه و صانعيه ، مياوميه ، و عاطليه مجرد وعاء لتصريف المنتج الحكومي و القرارات الصادرة عنه ، لدرجة أصبح الفاعل الرئيس يستقوي على المجتمع ليتجاوزه ، عوض أن يكون المجتمع هو الذي يجر قاطرة التشريع الاقتصادي و الثقافي و الفلسفي ، أما أن تنطلق الفلسفة التشريعية من أحادية الصيغة في اتخاذ القرار ، فذاك يعني أننا حيال وهم مؤسساتي .
ماذا يعني أن لا تنتبه السلطة التنفيذية إلى مختلف الشرائح الاجتماعية و سياقاتها و ظروفها و محنها و الأخذ بعين الاعتبار لمجمل الآثار المترتبة على هذه الفئات ؟
أليس حريا الانتباه إلى مختلف الأضرار النفسية و الاجتماعية على الفئات الخاضعة لمشروع التعليم 2015ـ 2030؟ .
و هل استحضرت السلطة التنفيذية هواجس الأسر و الأطر التربوية و سياقات تكسير الزمن و الإيقاعات النفسية و البيولوجية ؟.
الدال في تقديرنا أن الساعة المرة لا تقاس قسرا وضرورة بالعائد المالي و توفير الطاقة على الدولة ، لأننا فعلا أمام مشروع اجتماعي فاشل بكل المقاييس ، لأن إنتاج الثروة غائب و مغيب بدرجة كبيرة ، لمستوى يسمح لنا بالقول أننا إزاء دولة الضرائب ، حيث تبنى الميزانية السنوية على حجم المدخول الضريبي بشكل كبير ، لذلك نقول أن الساعة مرهونة بهدر ممأسس للطاقة النفسية و الاجتماعية لمختلف مكونات المجتمع ، و سعي حثيث لتحويل هذه المجتمع إلى فاعل سلبي ، تتجلى قوته و قدرته في التقبل التنظيمي للقرارات التي تتخذ في غياب إرادته و تقديره ، و تجعل من سياسة تحفيزه و إثارته مجرد عناوين للانتخابات ، و استدرار الوطنية المعهودة في الأعياد و مباريات كرة القدم ، و في المحن السياسية التي تجتازها البلاد خاصة في ملف الصحراء ، وحقوق الإنسان و اتفاقيات الصيد البحري ؛ فالمحصلة النهائية أننا بصدد مشروع و هندسة اجتماعية لتفقير المجتمع و إخوائه من طاقاته و حيويته ، و رفعه إلى مرتبة الولي الذي يتبرك به في الانتخابات و المباريات الرياضية ، و التصويت على البرامج الترفيهية .
لقد أفرز القرار في شكله و صيغته و توقيته و فلسفته العديد من التمثلات التي أصبحت فعلا ممارسا بقواعد " دستورية " و ليس اجتماعية ، منها مثالا لا حصرا ، موت القوى الحية و الفعاليات السياسية و المدنية المحتضنة لقضايا التنوع الاجتماعي ؛ فعناوين الاستقالة من هذه القضايا ، بل و " التواطؤ " الممأسس على مصالحه و الالتفاف عليها أضحى علامة مميزة لمغرب الحداثة و الديمقراطية المزعومة ، و تحولت صيغ الرفض و المشاكسة و الاعتراض و الاحتجاج البناء إلى موضة ماضوية ، لا تعكس وعيا ، و إنما تدل على الفتنة و التغريد خارج السرب ، فهل يتعلق الأمر بموت دولة السياسة و انتصار ممنهج لسياسة الدولة ؟، أم أننا نعيش فقط مرحلة انتقالية لصالح الدولة القوية بفعالية إطارها الأمني و دون الأمن القومي بدلالاته المركبة ؟ .
الراجح أننا نعيش فعلا أمام دولة تظهر فيها المؤسسة مهيكلة ، و لكنها من دون روح وطنية ، يحتل فيها الحق و الواجب و القانون و العدالة قيما مثلى ، و ما نراه و نلمسه و في الكثير من القضايا خطاب فضفاض عام موجه أساسا للاستهلاك الإعلامي الداخلي و الخارجي معا ، دون أن يجسد ذلك إلى فعل ملموس ، يؤشر عليه مستوى التعليم و إنتاج الثروة و الدخل الفردي ، و مؤشرات التنمية التي نراوح فيها مكاننا منذ زمن بعيد ، و مع ذلك لازالت أنظمة الخطاب المستهلك و تنمية التخلف هي السائدة مبنى و معنى .
لو صح استمرار التوقيت بالصيغة التي قدم بها ، قد تم بضغط من أحد الشركات المستثمرة ، فهذا عذر أقبح من ذنب ، إذ كيف يصح إهمال العديد من مطالب الشعب و يلبى اقتراح شركة لا تشغل إلا نفرا قليلا ؟، بهذا الفعل ـ إن صح و جاز لنا مسايرته ـ نكون قد أدينا صلاة الجنازة على شرعية الدولة و مشروعيتها ، و دفنا سلطة المجتمع إلى غير رجعة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب