أضيف في 24 أكتوبر 2018 الساعة 22:07

بقعة سراب


المصطفى سالمي
تنفس السيد (الراضي) الصعداء شأنه شأن معظم أهالي بلدة (العجيلات)، لقد أصبح يمشي على طريق رصيفها لامع براق زين بقطع الزليج الأشبه بالرخام، واستنبتت عليه نخلات باسقة أعطت المكان رونقا وجمالية، وزينت جوانب هذه الطريق بمصابيح حديثة تضيء ليلا بعد أن كانت العتمة الداجية هي التي تفرض سلطانها على مستعملي هذا المسلك الذي يؤدي إلى المستشفى الكبير للبلدة، مرورا بالثانوية العامة والمدرسة الإعدادية. كان (الراضي) يسلك هذه الطريق إلى عمله بأحد الأوراش في طرف البنايات التي لا يوجد بعدها إلا السواقي وحقول البرسيم والشمندر السكري، لقد كان صاحبنا يسلك في السابق أرضا غبراء مقفرة ثم ينحرف يمينا حيث أكوام التراب التي تتحول إلى أوحال في الشتاء وغبار متطاير في الصيف، وكان (الراضي) يشفق على حذائه وعلى هندامه الذي يصبح في وضعية مزرية أثناء العبور من مسلك العذاب اليومي هذا الذي كان يسلكه باستمرار، إلى أن جاء الفرج وبدأت أوراش تبليط طرقات البلدة، لكن فرحة (الراضي) اغتيلت ذات صباح حين وجد صاحبنا قطع الزليج ـ الأشبه بالرخام ـ تم اقتلاعها من مكانها في عدة أماكن من رصيف طريق العذاب والسراب، وتوهم عندها أن الأمر يتعلق بمشاغبين من المراهقين أو الرهط المفسدين، لكن الأمر كان غير ذلك، إنهم المسؤولون عن المجلس البلدي من يقف وراء الاقتلاع المذكور، لقد قيل إن الأمر يتعلق بمماطلة هؤلاء للشركة صاحبة التجهيز التي تطالب بمستحقاتها المالية، فكان أن بدأوا بالبحث عن العيوب ما ظهر منها وما خفي، وكل قطعة زليج بها مجرد خدوش طفيفة فهي عرضة للاقتلاع من الأرض من أجل إعادة الإصلاح والتجهيز من جديد، هكذا تراكمت أكوام من الحجارة والتراب من جديد على أرض ما كادت تنعم بزينتها أكثر من أسابيع معدودات، وعاد (الراضي) ومن على شاكلته من المتحمسين لإصلاح أوضاع بلدة (العجيلات) إلى المربع الأول، إلى نقطة الصفر، وإلى بناء أحلام جديدة عن بلدة براقة جذابة جميلة، بينما ردد بعض المعقبين الساخرين:
ـ لو أن المسؤول في شركة التجهيز أعطى رِشى للمجلس البلدي لما تأخرت المستحقات المالية لأصحابها، ولما عابوا تلك الأشغال التي كانت متقنة ولأول مرة يا أرض (العجيلات) التي يخيم عليها السراب..!
وعقب آخر:
ـ إنه جزاء الإتقان والإخلاص في بلدة تحكمها السفاهة والتفاهة..
وقال ثالث:
ـ أجمل شيء بالنسبة لي هو أن تُتركَ الأشغال هكذا متوقفة عقابا للمسؤولين الفاسدين على اقتلاعهم هذه الحجارة في بدايات فصل الشتاء حيث أصبحت بمثابة برك مائية وهو ما أفسد وأتلف الرصيف كله..
وعاد المواطن الثاني ليقول:
ـ إنه المواطن البسيط المغلوب على أمره في بلدة السراب وحده المعاقَب بمثل هذه السلوكيات العبثية، لكن لا عليكم، حافظوا على سلامة أعصابكم، فحتى لو عادت الشركة ورممت كل شيء فلن يطول الأمر حتى يتم حفر كل شيء من جديد من أجل تمرير قنوات الصرف الصحي، أو تثبيت أعمدة الهاتف أو الكهرباء.. أو أي مبرر كأن يقولوا: "إنهم لاحظوا اعوجاجا في تعرج الطريق"، أنسيتم أننا في بلدة السراب واليباب..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب