أضيف في 24 أكتوبر 2018 الساعة 21:18

جرأة الفكر والشكل سفر في اللون بتجربة التشكيلي محمد الشقوري العروسي لرسم اندماج يناهض التطرف بجميع أشكاله......الناقدة خيرة جليل


خيرة جليل
جرأة الفكر والشكل سفر في اللون بتجربة التشكيلي محمد الشقوري العروسي لرسم اندماج يناهض التطرف بجميع أشكاله.

تأخذ الفنون وضعها الخاص في حياة الإنسان؛ إذ تشكّل طرائقه المتفرّدة والمختلفة من حيث طبيعة وسائطها وبنائها واشتغالها الدلالي. فهي أنماط تعبيرية تقدّم تصوراته عن ذاته وعالمه؛ مما يجعلها صياغة للتجربة الإنسانية، بوسائط متعددة بصرية أو لفظية أو سمعية.
عندما تقف لتسأل التشكيلي محمد الشقوري عن من هو كتشكيلي وإنسان وفاعل جمعوي بن مدينة طنجة؟
فإنه بكل عفوية يقول لك: "أنا المسمى :الشقوري العروسي محمد من مواليد مدينة طنجة تلقيت التعليم ابتدائي في مدرسة حكومية ، ثم الثانوية الثقنية ، شعبة الميكانيك الصناعية بالمدرسة الإيطالية بطنجة ، ثم هاجرت إلى أوروبا وفِي ألمانيا بالذات أتيحت لي الفرصة أن أكمل مسيرتي في مجال الهندسي الميكانيكي والتصميم الصناعي. بعد استقراري بهولندا الدولة التي احتضنتني وفتحت لي كل المجالات التعليمية والتدريبية والعملية في الهندسة الميكانيكية والتصميم الصناعي في شتى أنواعه، قدمت الكثير في الصناعة الهولندية كمغربي. علاقتي بالفن التشكيلي استلهمتها من عملي التقني الذي يركز على الرسم والتصميم الثلاثي الأبعاد. كما أني روحيا سريالي صوفي الروح و التفكير الذي يميل أكثر إلى التجريد، مما يمكنني من التأمل في الكون من خلال لغة الصمت والسكون، وما يمكن رصده من حركات تنبئ باستقراري الروحي والذاتي. وان أشعر وأؤمن بأنني جزء لا يتجزأ من البيئة ... ففي عالم التشكيل هناك استقرت نفسي وتجرأتُ لأقول ما أريد قوله محفوظا ومحميا من الطابوهات الغافلة والخانقة، وبديني الفن أريد أن أموت، أحاول التقاط بعض النفحات النفسانية الروحية بواسطة لوحاتي لأخدم مسألة الاندماج بكل أوجهه".

لكن تناولي لتجربته كفنان مغربي هولندي تشكيلي استطاع أن يحقق انزياحا فنيا في مساره يختلف تماما عن هذا الطرح السطحي للتجربة. هو تناول أعمق، إذ سأقوم بتطبيق منهج تحليلي نقدي لأعماله، حتى نقف عند خصائصها الفنية والجمالية، ومميزاتها فكريا وتقنيا . وكيفية تعامله مع مجاله الفني للتعبير عن تجربته بكل ثقة وجرأة فنية محمودة، إيمانا منه أن الفن التشكيلي وسيلة تعبيرية ليست في متناول أي كان. وأن التشكيلي في تعامله الفني مع المنشاة كأثر جمالي استيتيقي أو منجز فكري يدخل إلى حيز نقل أفكاره وتمثلاته الفكرية والفلسفية الى حيز تطبيقي مبسط ليعبر للضفة المتلقي، حتى يكون قادرا على التواصل معه على المستوى الفكري الفني والقيَّمي لخلق اندماج وانصهار يطبعه التسامح الحضاري والديني واللغوي. وهذا مشروع كبير تبناه الفنان كمشروع فكري فني تنموي تواصلي يخلق جسور التواصل بين الشمال الأوربي والشمال الغربي الإفريقي المغربي بصفة خاصة ، ناقلا بذلك أفكاره وهمومه وأحلامه وتطلعاته بقالب فني محض بعيدا عن كل تعصب فكري آو تطرف ديني .
فكيف حاول محمد الشقوري العروسي كتشكيلي التعامل مع التشكيل كمشروع تنموي تواصلي بكل من هولندة والمغرب؟ وكيف نجح في خلق اندماج لغوي فكري فني في أعماله لخلق حقل تواصلي يجمع شعبين من ضفتين حضاريتين ولغويتين مختلفتين تماما؟ وما هي المدارس التي حاول من خلالها شرح مقاربته الفكرية الفنية للعمل على موضوع الاندماج كأرضية خصبة لخلق جسور التواصل بين الشعبين لمحاولة الاستثمار في المجال الفني الذي هو الأكثر أهلية لاستقطاب المهتمين بالشأن الفني والاجتماعي والاقتصادي ...بصفة عامة؟ والى أي حد تفوق في إيصال أفكاره والعمل عليها في لوحاته كأرضية للحوار الفني الحضاري الراقي؟
أول ملاحظة بعد تأمل أعمال الفنان نرى أننا نتعامل مع مشروعه الفكري الفني من خلا مقاربتين فنيتين جماليتين مختلفتين عن بعضهما تماما.
المقاربة الأولى انطلق من المدرسة الواقعية بلوحاتها التي تعتمد على نقل الطبيعة الصامتة بدقة متناهية، في محاولة منه التلاعب بالتوزيع المجالي الدقيق للكتلة اللونية على اللوحة والعمل على توزيع التوازن اللوني على مختلفة المساحة حسب المتطلبات التمثيلية التمثلية للمشهد الذي يريد نقله لنا، مع احترام مستوى الرؤية ونقطة المركز وزاوية الالتقاط. وهنا كانت ضربات فرشته دقيقة ومتناغمة وحذرة لا تتعدى مجال نقل المنتظر منها. تعامل مع مسألة اللون والضوء بحكمة، لكن هنا لم يحقق انزياحه الفني بقدر ما عبر بشكل كبير عن تمكنه التقني . وهنا ندرك أن بالقدر الذي للألوان أهميتها الكبيرة في الحياة،ولا يمكن للون إلا أن يرى. والإنسان بطبعه عادة ينجذب لخضرة العشب في الحقول وبزرقة السماء. إلى حد هنا ، فإننا نرى الفنان بقي في حيز وصف الألوان أحياناً بالبرودة وأحياناً أخرى بالدفء في طريقة خلطه لها وإنزالها على منشئه التشكيلي برمزيتها ودلالتها المباشرة. مدركا أنه منذ القدم اكتسبت الألوان معان رمزية، كما يدرك ما أدركه القدماء أن للأحمر خاصية تتعلق بـ"الحياة" و"الخصوبة" و"العاطفة" و"القوة" و"السرور"، ومن ناحية فهو أيضاً مرتبط بالحرب، فعبر به عن حروبه ضد بعض الظواهر الرديئة كالنفاق .... بشكل جد ذكي لتمثيل شيء من واقع المعاش. لكنه تعامل معها بذكاء فني وجمالي دقيق. فمنح الفنان الألوان معان خاصة به . حيث أدخل قيمة اللون الظاهرة مع قيمته التمثيلية والانفعالية في العمل الفني شانه شأن الفنان الفرنسي "هنرى ماتيس"(H. Matisse(1869-1954 واستخدم الألوان" مثلما يتعامل مُلحن مع النوتات الموسيقية."[1] حيث تعامل مع العمل الفني على أساس أنه فعل، تنصب فيه «المدركات البصرية » مع «الاستجابات الشعورية» و«الدلالات الرمزية». حيث أن النشاط الجمالي يمثل المرحلة الأولية للمعرفة، وفيها تتشكل المشاعر في هيئة أشياء محسوسة. فجمالية التعبير لديه تتحقق باستعادة الأحاسيس بالتخيل والتعبير عنها. وقد عبر في لوحاته عن ابتهاجه بالحياة حيث قام بالتأكيد على التأليفات اللونية بين المساحات الصافية المبهجة والواضحة. أما في لوحة الطاووس فان كثرة الألوان لم تفقدها قوتها التعبيرية، بل عبر عن عالمه الخاص و أحاسيسه التي أيقظتها الألوان.

أما في أعماله التجريدية وتجربته الفطرية فإننا نلاحظ أنه أصبح أكثر تحررا فكريا وجماليا ، وبدأ يحقق انزياحه الفني والفكري ، وأكثر تمردا على الطابوهات الفكرية والجمالية بطريقته الفنية المميزة. أعماله التجريدية أو الفطرية كانت أكثر جرأة، وفكرة التمييز في عناصر العمل الفني بين قيم حسية وقيم مستعارة هنا قامت على أساس ميتافيزيقى يحرص على الطابع المباشر للخبرة الجمالية اللوحة: ، ولا يستنكر إضفاء أي صبغة ذهنية على العمل الفني. والمدركات الحسية حضرت بقوة إذ ليس من الممكن ممارسة خبرة حسية "جمالية" مباشرة على نحو منفصل، دون تداخلات نفسية وذهنية في أعماله، مما أنتج لنا في بعض الأعمال الأخرى خبرة توليفية (تركييية) synthesis، فأصبحت القيمة الجمالية في أعماله الفنية، لا تنحصر في مجرد الإحساس باللون منفصلاً ، وترتيب الأشياء على نحو منسجم يضفي على المتأمل الراحة البصرية والنفسية ، وإنما متداخلا ومتفاعلاً مع شخوص لوحاته وخطوطه وأشكاله الهندسية والرمزية بكل جرأة في الأشكال التمثيلية أو اللونية، بل وحتى على مستوى الفكرة والألوان المستعملة . واللون في أعماله غير منعزل عن الضوء، كما أن الألوان المستخدمة في الرسم هي عبارة عن "أصباغ" ،أي مواد ملونة على عكس الخط في استقراره. فاللون لا يبدو كما هو مرتين في نفس العمل من أعماله، لأنه يتغير بتغير الظروف المحيطة به وهذا يرتبط أكيد بشخصية الفنان وانفعالاته وانفتاحه على أعمال كثيرة مغربية وهولندية و أخرى عالمية. فجمال اللون في نظره يتوقف، في العمل الفني، على التداخل بين إدراكه بالعين كقيمة حسية مباشرة لا تحتاج إلى وسيط لغوي أو عنصر خارجي آخر عن الذات المتأملة للعمل الفني ككل وكقيمة معنوية تولف بين عناصر نفسية وذهنية وبلاغية. ومن هنا منح أعماله غبطة الحياة والقِيَّم المُحَولة من الألوان والطاقة المخْتَزَنة .

والواقع أن أعماله هي أفكار و صور ذهنية لا ترد له عمدا، بل هي تجيئه على شكل ومضات، لاتضىء إلا حينما يتحرر من المشاغل الجزئية السابقة بواقع بترجمتها لأفكار جريئة متمردة على لوحاته . لأنه يؤمن أن أجهزة الحس المختلفة ليست "سوى المجرى (أو القناة) التي تمر عبرها الاستجابة الكلية لخلق اندماج بصري وفني جمالي ، قبل أن يكون اندماجا حضاريا واجتماعيا لكائن متفاعل مع محيطه وهو الفنان التشكيلي اللوحة (2 ) . كما وجه جل طاقته الفنية والفكرية الخلاقة لتصب بقنوات فنية راقية تسهل عملية الاندماج الحضاري والفكري السلس، موضحا أن اللون على نحو ماهو مرئي، إنما يتسم دائماً بإرجاع ضمنية لأعضاء كثيرة، بما فيها من أعضاء الجهاز "السمباتاوى" وأعضاء اللمس، اللوحة( 2) فهو بمثابة الأنبوبة التي تمر عبرها الطاقة المختزنة،دون أن يكون ينبوعاً لها بأي حال. وحين تكون الألوان غنية أو نفيسة، فلابد من أن تكون هناك حصيلة عضوية شاملة قد استطاعت هذه الألوان أن تطورها في أعماقها."[3]فإن للعين ميلها للملاحظة والرغبة والانفعال متأثرة بالخبرات الحياتية السابقة، ليس عن طريق الذاكرة الواعية فقط، وإنما عن طريق رد الفعل المباشر والصدمة البصرية الفنية المقبولة.
عموما الفنان محمد الشقوري العروسي ، فنان له من الخبرة التقنية والفلسفة الجمالية الفنية ما جعله يترجم انكساراته النفسية وانفعالاته الفكرية وهمومه الاجتماعية إلى لوحات فنية تؤهله ليحمل مشروعا فنيا ضخما، ينهل من الفن والتسامح والسلام وكل القيم الإنسانية الراقية لترجمها لأعمال تخدم قضايا إنسانية كونية ترتبط بالإنسان واندماجه الايجابي بمحيطه. بل هو قادرا على أن يمد جسور التواصل والتنمية بين القارتين والبلدين المختلفين لبناء غذ إنساني فكري وفني واقتصادي واعد، يرتبط بما هو روحي ليحقق الاستقرار المادي والنفسي للإنسان بجرأة فنية محمودة تعكس القدرة على الخلق والابتكار وتحدي الجمود والإحباط الفكري والتحجر الروحي والتطرف الديني.....الناقدة خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب