أضيف في 12 أكتوبر 2018 الساعة 11:52

قضاء وقدر أم جبرية في الإسلام؟ من فريدريك أولريش إلى فيبر* ج1


نورالدين البودلالي

يوسف دجيدي
في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية يخصص ماكس فيبر لمبدأ القضاء والقدر دورا ذا أهمية كبيرة في تكوين «سلوك الحياة» المميزة بشكل كبير للبروتستانتية الزاهدة. وباختصار، إن الكلفانيين المخلصين للقرار الفظيع decretum horribile لم يكتفوا فقط بتأكيد كونهم «مختارين»، بل جعلوا أيضا من الاجتهاد وهم يقومون بقداساتهم شاغلهم اليومي. فالكالفانية، من خلال إصرارها على عدم الفصل بين الإيمان وما يتم القيام به من أعمال، قد رصّت الطريق نحو تأكيد أن الخلاص [الشفاعة] لا يتأتى إلا باكتساب حرفة.
بطبيعة الحال، وكما يقول فيبر نفسه في مكان آخر، إن هذا الاعتقاد، والذي هي أقدم من البروتستانتية، ليس حكرا على المسيحية:
في الإسلام، نجد أن المتفانين في حب الله ينسبون له مطلق المقدرة ؛ بالضبط كما ينسبها الأجلاء المسيحيون للإله المتخفي absconditus deus. إن أمرا إلهيا، أمرا سياديا، حرا، لا يعلمه، لا من قبل ولا من بعد، سواه، مكتوب منذ الأبد، قد حدد مصير الإنسانية في الحياة والممات. فالمصير الدنيوي و، أيضا، المآل الأخروي مُحددان منذ الأزل. وبقدر ما تندب الحيوانات حظها كونها لم تُخلق على هيئة الانسان بقدر ما تستنكر رؤية رفضها محدداً بقضاء وقدر. (Weber M., 2001, I, 22 / 2, p. 260).
وكما يُظهِر ذلك فيبر بنفسه، فإن «نمط الحياة» الزاهد، وتأثيره على صعود الرأسمالية الحديثة، لم يكن محصورا على هذا الإيمان بالقضاء والقدر: إذ أن تيار تجديد لمعمودية (تشعباتها المختلفة) قد كان يتضمن في طياته تزهدا ملحوظا مشابها-إن لم يكن أكثر منه مقدارا- لمثيله الكلفاني، في الوقت الذي غالبا ما تم فيه رفض أي إشارة إلى القدرية. لكن من وجهة نظر ال«تاريخ الثقافي العالمي»، فأهم ما يجب استيعابه فيما يتعلق بالعقيدة الكالفينية في شأن القرار المزدوج، هو بالتأكيد، حسب ماكس فيبر، أن الدور الذي يلعبه هذا القرار في ربط العلاقة بين المصالح «الدنيوية» ومكتسبات الخلاص [الشفاعة] الأخروية دور غير مسبوق، لم يتم العثور عليه في أي مكان آخر.
هذا الاعتبار يؤذي الإسلام، وهو الذي بلور، بدوره، إيمانا بالقضاء والقدر. يعلم ماكس فيبر بوجود هذا الاعتقاد في الإسلام، لكن يجب الاعتراف بضرورة اتخاذ الحذر من بعض مزاعمه. بالتأكيد، لن يطعن أحد في إصراره على الطبيعة القدرية التي كانت منتشرة بين جمهور المسلمين في زمانه. لكن هل يرجع هذا الانتشار حقا إلى الإيمان بالقضاء والقدر؟ ألم تكن هناك علاقة مباشرة بين المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمسلمين وتصورهم القدري للعالم، كما يشير إلى ذلك صديقه وزميله كارل هينرش بكر؟
الحق أن الإيمان بالقضاء والقدر، كما يشرح ذلك ماكس فيبر نفسه، حين يتم إفراغه من معناه الصريح بالأمر المزدوج، فإنه يمكن أن يتحول إلى قدرية. إلا أن هذا سيعني أيضا غياب أي «إرادة إلهية» ومعها كل فكرة عن الحياة المستقبلية، وهو أمر أبعد ما يكون عن الحالة في الإسلام. والحق أن قدرية المسلمين، وفقا لفيبر، تنبع أصلا من حقيقة أن الإيمان بالقضاء والقدر في الإسلام تدخل في نطاق الجبر. ويتابع علماء الاجتماع لدينا هنا [بفرنسا]، كما يشير [فيبر] هو نفسه، الاستنتاجات المتوصل إليها من قبل القس فريديريك أولريش، في أطروحته اللاهوتية حول القضاء والقدر في الإسلام والمسيحية. (Ulrich F., 1912)
1 فريديريك أولريش وأطروحته حول القضاء والقدر في الإسلام وفي المسيحية
من حيث أنها بحث لاهوتي عالج نقطة من العقيدة الإسلامية، فإن أطروحة فريديريك أولريش ليست أصيلة تماما ولا تتناقض حقا مع الكتابات المشابهة هذه الفترة. إلا أن هذا لا يمنع كونها تمكنت أحيانا من التموضع ضمن النسق الفيبري عند الحديث عن الإسلام – أو حتى المنتمي للتيار الفيبري منها على الخصوص، والتي لا علاقة لها بالقضاء والقدر. ومع ذلك، ولكون الفترة قد اعتبرت مرحلة مواجهة دينية أكثر منها سياسية، فقد أبانت في مواضع عدة عن الامكانيات «التبشيرية» التي غذتها. أكثر من ذلك، إن تم مواجهته بأعمال من نفس الفترة في نفس الموضوع، نرى بوضوح أن المؤلِف –ومعه ماكس فيبر- قد ضل الطريق وهو يقدﹼم قضاء وقدر العقيدة الإسلامية كجبرية بسيطة.
لانعرف عن أولريش شيئا سوى ما ورد في بيان السيرة المقتضب، المثبت في نهاية أطروحته، بحسب التقليد الألماني. ووفقا لهذه السيرة الذاتية فقد كان هذا المؤلف قسا في ساربروكن. ولأن العاصمة المستقبلية لسارلاند لم تكن بها جامعة، فمن المحتمل أن يكون هذا هو السبب الذي جعل الرجل يهيئ أطروحته في جامعة هايدلبرغ، رغم أن ستراسبورغ آنذاك، والتي كانت واجهة للدراسات الشرقية بألمانيا القيصرية، فقد كانت تبدو في المقام الأول أقرب من ساربروكن. زد على أن المدينة التي كان يقطنها ماكس فيبر، والتي كان بها كرسيا جامعيا للغة العربية منذ القرن السادس عشر، كانت لفترة طويلة معروفة أيضا بأنشطتها في مجال البحث حول الإسلام.
نفس السيرة الذاتية تفيدنا أيضا أن النشاط التبشيري الذي قام به أولريش كان مرتكزا، قبل عام 1912، على الشرق الأوسط، وخاصة لبنان. بهذا يكون لنا الحق افتراض أن موضوع بحثه كان له علاقة واضحة بنشاطه التبشيري في أرض الإسلام. ويبدو أن اهتمامه بالإسلام لم يدفعه إلى إنتاج أعمال أخرى غير هذه الأطروحة. وبالفعل لا تعرف له كتابات أخرى لها علاقة بهذا الدين، ماعدا إن كان، مثلا، قد نشرها في مجلات البعثات التبشيرية. ويبدو أن أولريش، تتميما لما سبق، قد أصدر قبل سنة 1912 كتيبا صغيرا عن البروتستانتية الجديدة (Ulrich F., 1910)، والجزء الأكبر مما كتبه فيما بعد إنما يعكس اهتماماته الضيقة الخاصة بالجمعيات الخيرية (Ulrich F, 1925 ; 1929 ; 1932) واللاهوت البروتستانتي (Ulrich F., 1934 ; 1935)، التي لا علاقة لها بالإسلام.
لقد سبق لوولفغانغ شلوشتر في مقدمته لكتاب وجهة نظر ماكس فيبر في الإسلام أن استعرض القضاء والقدر في الإسلام وفي المسيحية (Schluchter W., 1987, p. 36 et suiv.). وإننا نرى من المناسب أن نقدم للقارئ غير الناطق بالألمانية ملخصا عن أهم أفكار أطروحة أولريش.
إن الإسلام، بالنسبة لهذا القس اللوثري، يتلخص في سيادة حكم الله ومطلقيته، والذي سيتحول إلى طغيان، لكن دون أن يولد ذلك شعورا ب«التبجيل». فالعلاقة بالله تأخذ شكل علاقة فرد بسيد، لا علاقة طفل بأبيه، في الوقت الذي لم تجعل فيه المسيحية علاقتها بالله علاقة ميكانيكية، ولا حتى عند صياغاتها الأكثر تشددا للمطلق الإلهي، كما هو الحال لدى كالفان(الهامش 1: نذكر أن هذا كان بالضبط أحد الانتقادات الرئيسية الموجهة للكالفينية من قبل ليبنتز...)، مثلا.
الحق أن ما ينقص الدين الإسلامي، حسب أولريش، هو غياب شخصية منقذة تقوم بدور الوسيط، إذ أن هذه الديانة التوحيدية صارمة، لا تجرؤ على إعطاء هذا الدور لأي إنسان، حتى وإن كان نبيا. والواقع أن هذا الاختلال لا يمكنه في حد ذاته أن يبرز سوى الضعف الظاهر بالفعل في العلاقات الأخلاقية التي تربط بين الله وعباده. وتكمن مضاعفات هذا الاختلال الكبير أيضا في غياب فكرة «الشخصية»، التي عرفت المسيحية، على العكس من ذلك، كيف تحافظ عليها، باعتبار أنها ترتكز على الإيمان والحب وليس على القانون والمحاسبة كما هو الحال لدى المسلمين. ويصر أولريش أيضا على الفكرة التي مؤداها أن الإسلام يتغاضى عن الذنب الحقيقي [الهبوط] ويجهل المسلكيات التقليداوية الناتجة عن الخطأ الأصلي(الهامش 2: عقيدة مسيحية ترى أن الذنب والموت ينتقلان عبر النوع الآدمي انطلاقا من أول خطيئة إنسانية. من هنا كانت الحاجة للتشفع. لكن هل كان هذا ال«هبوط» (lapsisme) مقدرا؟ نعم، يقول ال«supralapsistes»، على عكس ال«infralapsistes». بالنسبة للإسلام فإن الرأي العام كله supralapsistes، رغم أن القرآن لا يعامل خطيئة آدم وحواء باعتباره «هبوطا» بالمعنى الصرف). وهذا ما يفسر، بحسبه، غياب أي حاجة معينة للعفو الإلاهي [الشفاعة]، والذي يفتقد الإسلام مصطلحا تقنيا عنه.
بالمقابل، إنه يعترف أن الدين الإسلامي يكشف في بعض الأحيان عن تبدﱡدٍ للحتمية التي ترهق البشر ويقبل بوجود فسحة لحرية الإنسان وتحمله مسؤوليته. ويعتقد أن الإسلام في هذا الصدد لا يملك أي ميزة، ما دام أنه ليس بالمستطاع أن نغيب موضوعات متجذرة بشكل عميق من التاريخ الديني ومن الروح الإنسانية تغييبا كليا ولا نهائي. ويقدم تطور الكالفينية، عند الضرورة، الدليل على ذلك. وبالمناسبة –وهذا ما تبناه فيبر من هذه الأطروحة-،
يمكننا الحديث عن الإيمان بالقضاء والقدر في الإسلام، من حيث المعنى الذي يعطيه له التاريخ العقائدي، أي بالقبول المتفرد لمنحى الخلاص [الشفاعة]! [...] لنعاين المسألة بوضوح، إن ما يميز بالفعل العقيدة الإسلامية هو كونها تتضمن بشكل ملزم قدرية كونية [kosmologisch bestimmter Prädeterminismus]، يسيطر فيها، ليس مفهوما عن الخلاص [شفاعة] إلاهي منتقى [Gnadenwahl] ولكن توكلا شديدا على الله، الذي تحدد إرادته المطلقة مجموع مصائر الأفراد. لاوجود للقدر، إذ من العبث البحث في القرآن عن المشيئة إلهية المزدوجة يعتق بها البعض ويدين الآخرين. فالمصلحة المرتبطة بالخلاص [شفاعة] –وعلى الإسلام التوفر على مذهب في الخلاص- تمّحي بالتالي أمام المصلحة اللاهوتية والغائية. من هنا كان هذا الميول القدري المتكشف أكثر فأكثر في العقلية الإسلامية، وهو الميول الذي لا تعرفه بطبيعة الحال المسيحية. إذ العكس هو الصحيح. فحتى عندما يحدث أن تشهر -المسحية- صراحةً قدريتها، [...] لم يكن ذلك يتم إلا بالتوازي مع الحرية الإنسانية. والمذهب الكلفاني الذي أبان ذات يوم عن قدرية قاسية دأب، في نفس الوقت، على إظهار نوع من النشاط القوي وثقافة تطوعية [Kultur des Willens] التي قلما لوحظ مثيلا لها في التاريخ. (Ulrich F, 1912, p. 130-131).
هذه الفجوة العصية عن التجاوز، والمحصنة بدقة كبيرة من قبل الله ومخلوقاته، هي التي، من وجهة نظر أولريش، في أصل الجفاف المرضي للحياة الدينية الإسلامية. بنفس الطريقة، فإن للقدرية والجبرية، التي هي نتيجة طبيعية لسابقتها، لهما، دون شك، نصبيهما من المسؤولية في الخمول الفكري الذي ضرب الشعوب المسلمة لفترة طويلة.
من المؤكد، كما يخلص أولريش، أن الإسلام –رغم من قدرية إيمانه بالقضاء والقدر- قد حصل من أتباعه على تضحيات جسام وصبر في مواجهة الشدائد مدهشين ورائعين. لكن لم تكن هناك أية محاولة في تجديد الحياة الأخلاقية والثقافية. إن ما يفتقده الإسلام بالتحديد هي الروح المسيحية، أي المضمون الديني الأخلاقي، في حين أن الإيمان بالقضاء والقدر فقد حرصت عليه المسيحية مع تنظيمه بشكل دائم من قبل نظيرٍ أخلاقي.
2 السياق والمصادر
مما لاشك فيه أن فريديريك أولريش لم يكن له من مبرر لينجز مؤلفا يقوم من خلاله بعمل الباحث الإسلامي Islamwissenschaftler، في الوقت الذي كان فيه علماء الإسلام أنفسهم، مثلهم في ذلك مثل المتخصصين في «علوم الثقافة» الأخرى، لايزالون يناقشون الاسم الذي سيسمون به تخصصهم (Djedi Y., 2011). ما قام به في الواقع هو «توغل»، كما كان جارٍ به العمل في الغالب، لإظهار التفوق «الثقافي» - وأيضا بارتباط مع ما له علاقة بعلم الخلاص- المسيحي. ومن الأمثلة النموذجية في هذا الصدد يمكن ذكر أدولف فان هارناك، والذي كان تصوره عن المسيحية، وخاصة عن زهد الرهابنة في العصور الوسطى، قد أثر بشكل كبير على علماء الاجتماع البروتستانتيين، وعلى رأسهم فيبر. ففي مؤلفه كتاب من تاريخ عقيدة Lehrbuch der Dogmengeschichte (Harnack A. v., 1964, II, p. 529-538)، كرس اللاهوتي البروتستانتي فصلا كاملا عن الإسلام، انتشر صداه حتى في الأوساط الإسلامية المعاصرة له آنذاك (Hanisch L., 2000, p. 159)، نتيجة لتسليطه الضوء بشكل أفضل على التفوق الديني والثقافي للمسيحية.
على كل حال، ودون الرغبة في الرجوع إلى المساهمة النشطة والهامة للبعثات البروتستنتية في التوسع الاستعماري في بلاد الإسلام (Becker C. H., 1967, II, p. 211 et suiv. ; Miège J.-L., 1955, p. 153-189 ; Tibawi A., 1963, p. 137-182)، لا يسعنا إلا أن نرى في أطروحة فريدريك أولريش وثيقة مميزة طبعت هذه الفترة، حيث تم أيضا النظر ل«مسألة الإسلام» -أو ال «مسألة الشرقية» (Hauri J., 1881, p. 1)- من وجهة نظر تبشيرية. هذه حقيقة أكد عليها بشدة في ذلك الوقت صديق وزميل ماكس فيبر المدعو كارل هينريك بيكر (Becker C. H., 1967, II, p. 211)، والذي كان هو نفسه جد منخرط في مسألة التوسع الأوروبي. أما بالنسبة لفيبر فنعرف أنه كان شديد الحرص على متابعة مختلف الأنشطة التبشيرية، بما فيها التي شملت الصين البعيدة (Weber M., 1988, I, 100 n. 3).
إننا الآن في الفترة التي سبقت نشوب الحرب العالمية بقليل، وألمانيا هي الداعم الرئيسي للإمبراطورية العثمانية المتدهورة، وهي التي تعيد لها بناء جيشها على المستوى التنظيمي. لن يتأخر القيصر في إعلان نفسه صديقا للأتراك وللإسلام، بعدما وعدوه بأن يكون ممثلهم الوحيد. وكان هذا يتجاوب أيضا مع دعوات المنظرين ذوي الميل إلى أوروبا الوسطى Mitteleuropa، من مثيل إرنست جايخ Ernst Jäckh الذي سيجالسه كل من ماكس فيبر وغوستاف فان شمولر ضمن اللجنة من أجل أوروبا الوسطى، التي تأسست عام 1916 على يد فريدريك نومان. وقد شدد جايخ ومؤيدوه على الأهمية الجيوستراتيجية للإمبراطورية العثمانية، واعتُرِف لها، بالتالي، بمكانتها الأكيدة ضمن المجموعة التي رأوا أن نشاطها سيوازي في المستقبل القريب نشاط الإمبراطوريتين البريطانية والروسية.
وفقا للبيبليوغرافية المذكورة في أطروحته، لم يكن فريدريك أولريش مستعربا جيدا. وبالفعل، فالجزء الأكبر من الوثائق التي اعتمدها هي من أصل أوربي. فبالنسبة للهوامش القرآنية، مثلا، قد استعمل النسخة اللاتينية للبيضاوي، التي حررها هاينريخ لبرخت فلايشر (Baydawi A., 1846/1848). والحق أن البيضاوي لم يكن أقل نشأنا من غيره من كُتاب هوامش القرآن، حينما يتعلق الأمر بالإيمان بالقضاء والقدر. صحيح أيضا أن هذا الأخير يبدو وكأنه ضاع في خضم الأحاديث التي جمعت في صحيح البخاري، والتي أعدها، سنوات قبل ذلك، لُودولف كريهل (Buhari M. i. I. 1908)، الذي أخذ عنه أولريش مقالا خُصص بالتحديد للقضاء والقدر في الإسلام (Krehl L., 1873)، كما استند على مقال لبرنار سبييس (Spiess B., 1872).
قد يبدو هذا مستغربا، إلا أن موضوع القضاء والقدر، في شكله المرتبط بالأمر المزدوج، كما جاءت به قرائن قسنا، كان آنذاك موضوعا قليل التناول من قبل فطاحل الدراسات الإسلامية. بل إن جولدتسيهر نفسه الذي يضرب به المثل، الذي تدرع فريديريك أولريش بتأثيره الواسع، لم يكن قد حسم بعد في هذه النقطة، إلى أن تم وضع أطروحة الهولندي أبراهام دي فليغر (Vlieger A. [de], 1902)، التي نشرت عقدا من الزمن قبل أطروحة القس ساربروك، والذي كان قد استعملها. وقد صاغ جولدتسيهر منها تقريرا في السنة نفسها (Goldziher I., 1902, p. 392-402) وأدرجها، ثلاث سنوات بعد ذلك، ضمن رسالة موجهة إلى «مؤتمر الفنون والعلوم سان لويس» حول «التطورات المتحققة في الدراسات الإسلامية خلال العقود الثلاث الأخيرة»، وهي فترة مميزة جدا (Goldziher I, 1905, p. 208).
لقد استطاع أبراهام دي فليجر، لتوفره على وثائق أساسية، التوصل إلى خلاصات تناقض أطروحة فريديريك أولريش. وبذلك يمكننا القول أن هذا الأخير قد تسرع قليلا في الاستمتاع بتوافق آرائه مع آراء جولدتسيهر (Ulrich F., 1912, p. 61 n. 1). وفي جميع الأحوال، القول أن القرآن لا يعلّم القضاء والقدر، كما يدعي ذلك أولريش، هو ليس فقط «تعنيف لبساطة حرفية» كتاب الإسلام المقدس، كما أشار إلى ذلك من قبل بهاردت سبييس (Spiess B., 1873, p. 4)، وإنما يؤدي أيضا إلى القول التافه، الذي بمقتضاه يكون «كبار رجال الدين المسلمين الذائعي الصيت لم يفهموا شيئا في القرآن.» (Vlieger A. [de], 1902, p. 10-11). من هنا تبرز مدى خطورة أن لا نرى في المعتقد الإسلامي في القضاء والقدر سوى جبر ميكانيكي لما هو مقدر.
الواقع أن أطروحة فريديريك أولريش تسير على خطى الأطروحتين، اللتان وظفهما بشكل واسع، واللتان كانتا بدورهما من توقيع قسيسين: Der Islam in seinem Einfluss auf das Leben seiner Bekenner [الإسلام وتأثيره في حياة معتنقيه] ليوهانس هوري (Hauri J., 1881)، من مركز بدافوس بسويسرا، و Der Einfluss des Islam auf das häusliche, sociale und politische Leben seiner Bekenner . Eine Culturgeschichtliche Studie [تأثير الإسلام في الحياة العائلية والاجتماعية والسياسية لمعتنقيه. دراسة تاريخية الثقافية] لصاحبه نثنائيل س. بيشون (Pischon C. N., 1881)، اشتغل Preußische Gesellschaft d’Istanbul [الجمعية البروسية في إسطنبول]. للعلم حازت الدراستان جائزة la Haager Gesellschaft zur Vertheidigung des Christentums [جمعية لاهاي للدفاع عن المسيحية]، التي نظمت مسابقة، عام 1878، حول سؤال من شقين متعلق بمعرفة الدور الذي لعبه ولايزال يلعبه الإسلام في الحياة الأسرية، والاجتماعية والسياسية لمعتنقيه، و، من ثمة، ما يجب على المسيحية القيام به لمواجهة الإسلام والمسلمين.


* Youcef Djedi (Université de Versailles), « Prédestination ou prédétermination dans l’islam ? », Revue européenne des sciences sociales [En ligne], 49-2 | 2011, mis en ligne le 01 janvier 2015, consulté le 01 octobre 2016. URL : http://ress.revues.org/1065 ; DOI : 10.4000/ress.1065


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب