أضيف في 11 أكتوبر 2018 الساعة 19:24

اللغة العربية والأمن الثقافي للشباب


الحبيب عكي
لاشك أن جيل اليوم من الشباب أو بعضه على الأقل ممن كثر أو قل،يعاني العديد من التوترات والاضطرابات وحتى من الانحرافات التي تنغص إن لم تهدد حياته واستقراره وأمنه الروحي والنفسي والجسدي،وتعايشه السلمي مع أهله والآخرين في المجتمع،ولعل من أهم أسباب ذلك ارتماء هؤلاء الشباب رغما عنهم أو باختيار منهم في براثين ثقافات الآخرين ومسالك لغاتهم،واللغة جسر الثقافة وموردها الأساسي،وهي وثقافتها في الأول وفي الأخير ما يحدد أفكار هؤلاء الشباب بالسلب أو الإيجاب ويبلور سلوكهم بالخصوصية أو الاستلاب،و من الاستلاب فساد الذوق الفني والأدبي،وميوعة التدين ربما إلى درجة لا يحل صاحبه حلالا ولا يحرم حراما ولا يقف عند حدود الله؟؟.ترى ماذا فقد هؤلاء الشباب بهجرهم ثقافتهم الإسلامية الأصيلة وازدرائهم بعض لغتها ولغتهم العربية الجميلة،وماذا يمكنهم أن يسترجعوه لو بذلوا من بعض الجهد ما يحررهم ويعود بهم إلى محاضنهما اللغوية والثقافية والدينية الطبيعية؟؟.

إذا كانت الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي هي كل ذلك المركب الكلي من الأفكار والعقائد والعادات والقيم والسلوكات..التي تطرأ على المرء في بيئته وكل ما يكتسبه ويتصرف به بعد ولادته في أبعاده التربوية والعلائقية،فإن اللغة ركن من أركانها الأساسية وموردا من مواردها الثرية،ويسجل السوسيولوجيون أن استلاب هذه اللغات الغريبة اليوم قد ذهب بشباب العصر كل المذاهب وتاه بهم كل المتاهات:...انخراط في عصابات الإجرام والمخدرات..وشبكات الدعارة والدعشنة والتطرف والإرهاب..عنف غير مسبوق ضد المواطنين الأبرياء في الشارع..وحتى في البيت ضد الفروع والأصول..جرأة غير مسبوقة في ممارسة الشذوذ وطقوسها الشيطانية..والمناداة بالإفطار العلني والجماعي في رمضان...لم يعد شبابنا محصن ضد أي شيء،وهكذا حتى قبل أن يجد نفسه في ديار الغربة أو بين شباب المهجر،يستلب بعضهم في لغته ويتحلل من قيمه ويتخلى عن دينه وثقافته،بل ويعاديهما ويحاربهما في العالم الواقعي والافتراضي ويتزعم ضدهما المعارك والغزوات في عقر داره نيابة عن الأعداء وبالمجان؟؟.

لقد وصلنا مرحلة من الغزو الفكري والاختراق الثقافي غير مسبوقة،خاصة مع انتشار العولمة المتوحشة وما يسمى بالفوضى الخلاقة والتحلل من القيم وازدراء الأديان..،مرحلة لم تعد فيها الأمة تجتمع على شيء أو تكاد،حتى كلياتها الخمس والمعلوم من الدين بالضرورة،حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال،الولاء والبراء وغيرها من مبادئ العقيدة وأحكام الشريعة،وإذا بالإخوة يشنون الحرب على الإخوة،ويتحالفون ضدهم مع الأعداء،ويختلفون حول التطبيع مع الشيطان ويسمون المقاومة تطرفا والحراك العربي فتنة..،وكل يوم يبتلعون لسانهم على مستوى اللغة حتى انتقلوا من تدريس بعض اللغات الأجنبية في مدارسهم إلى التدريس بها وعلى حساب لغتهم،ومن يدري ربما تدينوا بها يوما بما عرب أو عجم،ولا يزالون رغم ذلك يدعون بكل وقاحة أن لغتنا العربية هي أجمل اللغات،لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والذكر والدعاء،وباعتبارها لغة الفكر والسلوك وليست لغة الكلام من أجل الكلام فحسب،وباعتبارها لغة الهوية والسيادة وليست لغة الاستلاب والذوبان المجاني في الآخرين،وأن اللغة العربية بهذه المعاني الجليلة والشاملة يمكنها أن تكون حبل النجاة للشباب بل للأمة ككل،للسان وللإنسان؟؟،

ولكن يبقى اللسان العربي هو اللسان العربي،لا يزال كما هو معروف عند الجميع ورغم كل شيء،لسان صدق وحق ورفق وعدل،لسان فصاحة وبلاغة واشتقاق وبيان،ويمكنه بحمولته ومن موقع القوة أن يساهم في علاج مشاكل الشباب باعتباره:
1- يحدد الهوية والمرجعية والانتماء،
2- يضبط المفاهيم ويحدد حكمها حسب هذه المرجعية،
3- يصحح السلوك وفق هذه المفاهيم وأحكامها،ويبين المقبول منها وغير المقبول.
4- يحل لنا العديد من الإشكالات التي طالما تخبطت فيها حياة الشباب حسب تصوراتهم وتصرفاتهم ومنها:
1- مسألة العقل والنقل.
2- مسألة القضاء والقدر.
3- مسألة حب الآخرين والتعايش معهم.
4- الموقف من ثقافة الآخر،ما يؤخذ منها وما يترك.
5- أسبــاب التوتر والقلق ومداخل الهدوء والسكينة.
6- مسألة الديمقراطية والحقوق والمواطنة والسلوك المدني.
7- مسألة تجاوز الذاتي والمحلي إلى الارتبـــاط بهموم الأمة.
8- مسألة التفاؤل والأمل و حب العمل و تشجيع المبـــــادرة.

إن في لغتنا العربية الجميلة يا شباب ما يستحق التبني والحذق وتشجيع الاستعمال،وما به يتم الإتباع والإبداع والأنسنة والمؤانسة والإمتاع،وقد ورد عن ابن تييمية معنى قوله:"ما خالطت العربية لسان امرئ إلا أثرت عقله وخلقه ودينه إثراء قويا قد يبلغ أو يشابه ثراء رجال صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح"؟؟،أو كما يقول عملاق الأدب العربي والإسلامي مصطفى صادق الرافعي:"ما ذلت لغة قوم إلا ذل،سجن لغتهم في لغة غيرهم سجنا مؤبدا،والحكم على ماضيهم بالمحو والنسيان،وتقييد المستقبل في أغلاله،وهمومهم في همومه،وأمرهم في أمره؟؟.قال عمر:"لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام(ولغة الإسلام)..فإذا ابتغينا العزة في غيره (أو غيرها) أذلنا الله"؟؟.

الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب