أضيف في 7 أكتوبر 2018 الساعة 09:53

أنا وريكاردو ...


د موسى أبومحلولة
أنا وريكاردو ...

قال السماء كئيبة وتجهما
قلت إبتسم يكفي التجهم في السما

بيت شعر يدعو إلى التفاؤل والأمل ويحفز على المثابرة والعمل قرأته اول مرة في مطلع قصيدة لشاعر المهجر الكبير إيليا ابوماضي كانت من مقررات الادب والنصوص في مدرسة يفرن الثانوية في سبعينات القرن الماضي .. علق البيت بذاكرتي وتعلقت نفسي بأشعار البلبل اللبناني المهاجر إيليا ابي ماضي وتوطدت علاقتي بإبداعات الرجل يوم كنت أجوب شوارع طرابلس بحثا عن أي كتاب مفيد في أيام التصحر والجفاف الثقافي عندما تم فرض رقابة صارمة على الكتاب في أيام ماعرف بالثورة الثقافية فأغلقت مكتبات طرابلس أبوابها قصرا أو إختيارا ولم تبقى الا أكشاك قليلة متناثرة في بعض شوارع المدينة تبيع جريدة الفجر الجديد وأخواتها.

اذكر اني قد دخلت ذات مساء من ذلك الزمان لمكتبة في شارع ميزران في مدينة طرابلس :
- السلام عليكم
- وعليكم السلام ورحمة الله
كانت رفوف المكتبة شبه فارغة وبضعة كتب ومجلات مكومة على الأرض يعلوها الغبار وبعضها قد عبيء في صناديق كرتونية

وكان الضيق واضحا والإحباط بائنا على وجه صاحب المكتبة عندما قال:
- المكتبة ستغلق أبوابها يابني لا توجد لدينا كتب للبيع
- هل يمكنني أن اتفرج قليلا أو ربما اساعدك في جمع ماتبقى من كتب ...
إستغرب الرجل طلبي لكنه ما لبث أن إبتسم وقال :
- كما تشاء تفضل
شرعت اقلب ما تبقى من كتب كانت في أغلبها لاتسمن ولا تغني من جوع ولاحظ الرجل نهمي للقراءة وربما خيبة املي ايضا فقال:
- اعتقد انك تحب القراءة وتعرف قيمة الكتاب تعالى معي ...
فتح صندوقا كان يخفيه وراء خزانة بها رفوف شبه خالية من الكتب وقال انظر في هذه فلربما تجد ما يعجبك ...
قلبًت ما في الصندوق الكرتوني الكبير لأجد مجلدا احمر اللون يحوي الأعمال الكاملة لإيليا ابي ماضي وكتابين صغيرين في الحجم كبيرين في القيمة الأدبية لجبران خليل جبران هما الأجنحة المتكسرة والأرواح المتمردة...

مرت السنوات وقرأت الكتب الثلاتة عدة مرات وضاع اثنان منها ولم تبقى الا الأرواح المتمردة ...

خطرت على بالي هذه الحكاية القديمة منذ اسابيع عندما كنت في مؤتمر طبي دولي عقد في لندن ... المؤتمر طبعا كان للعلم والطب ولم يكن فيه مجال للشعر والادب حضرت الجلسة الصباحية وعندما حان وقت الغداء تناولت صحن وجبتي الشهية وجلست الى المائدة ليقترب مني زميل ويقول:
_ هل يمكنني الجلوس معك
_ نعم تفضل بكل سرور
_ انا ريكاردو من الدومينيكان
_ وانا موسى ... مرحبا بك في لندن
لم تكن ملامحه كاريبية ولا امريكية لاتينية فخمنت ان يكون قد إنحدر من اصول اسبانية او برتغاليةوكان هو الٱخر يتفحص وجهي ويخمن أصلي وفصيلة دمي قبل ان يسألني:
- قد رحبت بي في لندن بلد إقامتك لكن ماهو بلدك الاصلي؟
_ ليبيا ... انا ليبي
إتسعت عيناه وارتسمت إبتسامة على محياه وقال:
_ ملهم (ملحم) هو لقب عائلتي التي جاءت من فاليستاين (فلسطين) فأنا ريكاردو ملحم ..
وفي لمح البصر شرع كلانا يتحدث الى صاحبه عن بلده وعمله واسرته وكأنه يعرفه منذ زمن بعيد ...
حدثني عن أجداده الأوائل وهجرتهم من يافا الى جمهورية الدومينيكان في نهايات القرن التاسع عشر وكيف ان صديقه الذي هو الٱخر طبيب من اصول لبنانية ويقيم في كراكاس في فنزويلا قد أخبره عن هذا المؤتمر وشجعه على حضوره فانتهز الفرصة واصطحب زوجته معه ليزور كلاهما مدينة لندن لأول مرة في حياتهما.
سألته عن الحياة والعمل كطبيب في جمهورية الدومينيكان وحدثته بدوري عن ليبيا التي كان يعرف عنها الكثير ويسأل عن أحوالها اليوم وهي تغوص في عمق محنة حربها الاهلية...

انتهى وقت الغذاء وحان وقت الجلسة الموالية للمؤتمر فودعت صديقي الدومينيكاني الفلسطيني الاصل الذي لا ينطق حرفا بالعربية لكنني احسست وكانني كنت اجالس أحد أحفاد جبران خليل جبران أو ميخائيل نعيمة أو إيليا ابوماضي فهذا الشبل الذي لايزال دمه عربيا نقيا ولايزال فلسطينيا وفيا لأصله لن يكون الا من أحد أولئك الاسود ...

في المساء عدت الى البيت وبحتث بين كتبي القديمة عن كتاب الارواح المتمرده لجبران خليل جبران الذي إحتفظت به في مكتبتي تماما كما أحتفظ ريكاردو في قلبه بحب فلسطين.
امسكت كتاب جبران في يدي ووضعت رأسي المتعبة على وسادة مقعد الصالون وعلى شاشة التلفزيون امامي توالت مشاهد حرب طرابلس الأخيرة ومعارك العنف اللفظي والضجيج والصراع السياسي الغير محترف واللامنضبط فتساءلت متى يعود اليك السلام يا طرابلس واليك اعود؟
ودعوت الله ان يلطف بحالنا ويصلح لنا امرنا حتى لا يؤول حال احفادي واحفادكم لما ٱل اليه حال ريكاردو.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا