أضيف في 2 أكتوبر 2018 الساعة 09:55

في قصر الملكة ...........(2)


د موسى أبومحلولة
في قصر الملكة ...........(2)

مررت من أمام البوابة الرئيسية الشهيرة لقصر باكينغهام بابوابها الحديدية السوداء المذهبة وانتصب على يساري النصب التذكارى للملكة فيكتوريا والذي صممه النحات السير توماس بروك عام 1911، وأطُلق عليه وصف “كعكة الزفاف” نظراً لشكله المميز الذي يشبهها، وأخذت مكاني في الطابور الطويل أمام أحدى بوابات القصر الجانبية المخصصة لدخول الزوار وكانت إجراءات أمنية مشددة ومتوقعة قد تمت في سرعة وسلاسة ورافقتها خيبة امل متوقعة ايضا فقد تم إعلامنا بشكل واضح ومتكرر بان التصوير ممنوع منعا باتا في اي مكان داخل القصر ... وبعد تفتيش دقيق وروتيني عبرت بعده بوابة الكترونية وجدت نفسي في داخل الفناء الداخلي لقصر باكنغهام والذي طالما شاهدته على شاشات التلفزيون في أكثر من مناسبة رسمية وها أنا اخيرا قد ولجت اليه وإلى عالم الفخامة والعراقة ودخلت إلى عالم الملكات والأمراء في جولة ملكية في قصر باكنجهام ...

كان الجو جميلا واشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر النوافد الأنيقة الى البهو الرئيسي للجناح الجنوبي للقصر عندما صعدت درجات قليلة لأقف مشدوها داخل اول ردهات القصر قبل أن استلم من موظفة الاستقبال دليلاً شاملاً لمختلف أقسام القصر الملكي، ومرشداً صوتياً باللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية إستمعت فيه إلى شرح كامل لتاريخ العائلة الملكية وسكان القصر وأجزائه المختلفة وكان لي خير دليل وافضل معين طوال جولتي الملكية فيما بعد ..
وبمجرد أن وطئت قدماي أرضية بهو القصر وشرعت في صعود ذلك السلم الانيق والمميز والمسمى بالسلم الكبير والذي صممه جون ناش ليكون الطريق الذي يؤدي إلى غرف الدولة الرسمية الفاخرة التسعة عشر والتي تقع في الطابق الاول حتى شعرت أنني أوغل في أعماق التاريخ وقد تحول شعوري هذا إلى حقيقة ماثلة وانا أقف في منتصف قاعة العرش الفخمة أتأمل روعة النقوش التي تزين سقفها والثريات المذهبة التي تتدلى منه وفخامة جدرانها الحمراء وتناسق قطع اتاثها الفاخرة والمثيرة والقديمة واستمع إلى لمحة تاريخية عنها وعن محتوياتها وما شهدته من أحداث تاريخية ومناسبات مخملية عبر العصور بما في ذلك حفلات زفاف الاميرين تشارلز ووليام عبر سماعات الدليل الصوتي المثبتة في أذنيّ ...

تواصلت بعدها رحلتي المثيرة عبر غرف الدولة التسعة عشر والتي تشمل بالإضافة إلى قاعة العرش قاعة الرقص، والتي تعتبر صالة الاحتفالات الرسمية للقصر وتتميز بفخامة أثاثها وحوائطها المزينة بلوحات زيتية أصلية، والقاعة المعروفة باسم “جاليري الملكة” أو معرض القصر حيث تُعرض الأعمال الفنية واللوحات الأكثر تميزاً في العالم... إنها كنوز ملكية لا تقدر بثمن وتشمل بعض أفخم الأثاث البريطاني والفرنسي في العالم إضافة الى اللوحات التشكيلية لكبار الفنانين القدامى أمثال رامبرانت وروبنز وفيرمير ويقام فيها اليوم معرض فني بمناسبة عيد ميلاد الأمير تشارلز السبعين وقد قام هو شخصيا بإختيار كل الأعمال الفنية المعروضة والتي تجاوز عددها المائة بين لوحات تعود إلى القرن السابع عشر وأعمال معاصرة أبدعها فنانون شباب من مدرسة الرسم الملكية التي أنشأها الأمير ويرعاها شخصيا وهو الذي عرف عنه ولعه بالثقافة والفنون.

عبرت بعد ذلك إلى القاعة الزرقاء المهيبة والقاعة البيضاء الرائعةحيث يختبئ باب سري في هذه الغرفة وراء ما يبدو أنه خزانة وهو يتصل بغرف جناح الاسرة الملكة الخاص ويؤدي إليه مباشرة.

وصلت بعدها إلى غرفة الموسيقى، حيث تم تعميد الأميرين تشارلز وويليام ويوجد في وسطها ويزينها بيانو الملكة فيكتوريا وزوجها الأمير ألبرت المذهب والمميز بنقوشه الرائعة وهو لايزال بحالة جيدة تسمح بالعزف عليه .

بعد غرفة الموسيقى نزلت ثانية إلى الدور الارضي حيث غرفة الرخام وهي قاعة مستطيلة طويلة عرضت فيها مجموعة نادرة من المنحوتات الرخامية الرائعة لاشهر النحاتين امثال كانوفا وشانتري وٱخرون ...

في هذه الأثناء وبعد أن انتهيت من تفقد قاعة الرخام نصحني الدليل الصوتي بأن وقت الزيارة قد شارف على الانتهاء ويجب علي الاستدارة الى الشمال لدخول بهو الخروج المؤدي الى حديقة القصر الخلفية والمقهى الجميل المطل عليها وقبل أن أغادر المكان لمحت على يميني الغرفة 1844 والتي سميت بهذا الاسم لأنه قد تم إعادة بناءها وتزيينها في عام 1844 وقد نرل فيهاا الامبراطور الروسي نيكولأس الاول أثناء زيارته إلى بريطانيا ويعقد بها اليوم إجتماع شهري للملكة مع كبار موظفي الدولة يكون فيه الجميع وافقون ولا يجلس أيأ منهم حتى نهاية الاجتماع لكنني لم أقف في هذه الغرفة طويلا و غادرتها وغادرت القصر متوجها إلى الحديقة الملكية الوارفة الظلال.

يضم قصر باكنجهام أكبر حديقة خاصة في بريطانيا وهي من تصميم كابابيليتي برون ، وأعاد تصميمها كلٌ من وليم وجون ناش، وهي تضم بحيرة كبيرة اكتمل العمل فيها عام 1828 وزودت بالمياه من بحيرة سربينتن وبها اليوم ما يناهز الابعمائة نوع من الزهور وتقام فيها حفلات الصيف الملكية.

سلمت جهاز الدليل الصوتي وبحتث في جيبي عن هاتفي النقال وشرعت في التقاط الصور فقد رفع الحظر عن التصوير بمجرد خروجي من القصر الى الحديقة التي امضيت فيها بعض الوقت قبل أن أتوجه إلى بوابة الخروج من عالم الملوك الحالم والعودة ثانية إلى واقع الرعية الصادم لأكتب لكم هذه السطور ... لكم جميعا تحياتي.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا