أضيف في 1 أكتوبر 2018 الساعة 21:34

وإذا اللغة فقدت الروح والمعنى،فعرنسوها أو درنجوها سيان؟؟


الحبيب عكي
لا زالت اللغة العربية الفصحى تحتل المكانة المرموقة من بين كل لغات العالم،فهي ضمن اللغات الست المعترف بها في الأمم المتحدة،وهي الرابعة من حيث التداول العالمي في 66 دولة،متقدمة في ذلك على الإسبانية والروسية والبرتغالية والألمانية والفرنسية التي بالكاد احتلت الرتبة التاسعة،وهي السابعة من حيث اللغات الأكثر استعمالا ونموا في الأنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي،يتحدثها حوالي 300 مليون شخص عربي،بالإضافة إلى حوالي 160 مليون من المسلمين الذين يتكلمونها كلغة ثانية،وهي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف،قال تعالى:"إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقبون"يوسف/02.يتعبد بها حوالي مليار وربع مسلم عبر العالم،من بين حوالي 8006 لغة عالمية أكثر من نصفها مهددة بالانقراض،وفوق الأصوات الجميلة والكلام والمعاني تمتلك هذه اللغة الجميلة قواعد وتراكيب تحفظ لها كيانها كحاملة للدين و الوحدة والتواصل والثقافة و الخير من التراث والحضارة؟؟.

كل هذا لم يشفع لهذه اللغة العربية اليتيمة المسكينة من أن تواجه سيلا من الحملات التشويهية المستمرة والهجمات الانشطارية من العديد من أعدائها الفرنكفونيين ومن لف لفهم من العلمانيين والعاميين وغيرهم ممن غزوها ويقصفونها بسيل من النقائص المفتراة،ويسعون جاهدين ماكرين لإحلال لغات أجنبية ولهجات عامية بدلها يكاد يكون حظها من العلم و البيداغوجيا والتداول والتواصل ضعيفا،كما أنهم يشوهون وجهها الجميل وأدبها الساحر بهذه المفرقعات الأجنبية والمتفجرات العامية الانشطارية،سرعان ما تكون بالنسبة إليها كما تكون الخلايا السرطانية بالنسبة للجسم،تغزوه في مدة وجيزة رغم كل المقاومة المعنوية والعلاجات الطبية فتهلكه كما يهلك الفصحى الأرقى إحلال اللهجة والخليط الأدنى محلها،وكأن الأمة قد ولدت ربتها واستسلمت المسكينة لوقاحتها وترهاتها فغاب التقعيد وغاب المعنى وانحصر التواصل وتردى الأدب وانقطعت الوحدة وساد اللغو بدل اللغة والكلم بدل الكلام؟؟.

هذا غزو لغوي هوياتي صريح وفصيح،ولكن يبقى الناس اتجاهه أحرارا في أن يأخذوا به أو يدعوه ما دام لا يرقى إلى امتلاك سلطة دستورية او تشريع قانوني،بل مجرد فوضى واقعية ولوبيات سياسية ذات مصالح اقتصادية وكثير من التفلت والغزو الإعلامي،وهي كلها ولاشك قد تكون خطيرة،ولكن الخطر الأكبر والحقيقي والذي لا ننتبه إليه ولا نثير من أجله إثارة ولا نبذل من أجله مبذولا هو أن تكون للغة العربية مكانتها الدستورية المحترمة،وحتى شيوعها في بعض الإدارة والإعلام والمقررات الدراسية وغيرها من المواقع والهيئات والمؤسسات،ولكن بطابع ممسوخ يفقدها الروح والمعنى قبل الشكل والمبنى،فتصبح وكأنها لغة لقيطة خارج كل القواميس اللغوية والسياسية والعلمية والاقتصادية وغيرها،فتجدها مع الأسف تعجز عن تسمية الأشياء والمبتكرات،والأخطر من ذلك أنها في أحسن الأحوال تقول المعنى واللامعنى بل الشيء وضده في نفس اللفظ والكلام،ولعل هذا هو الواقع المرير لما نتحدث اليوم ومصدر اللخبطة التي تجتاح المجتمع وتعابيره المتضاربة،خليط لغوي هجين كثيرا ما نسميه تعسفا لغة و زورا عربية،كما في العديد من هذه المواقف والحالات؟؟.

1- لغة الفرض: فما أن تتصل بإدارة أو مؤسسة حتى تجيبك الرابضة على الجانب الآخر من الخط مباشرة Oui Etablissement XXXX Bonjour،وكأنها تأكدت من أن المتصل لا يمكن أن يكون إلا فرنسيا ولا بد من التواصل معه بلغته القومية،أما إذا كان مواطنا فلا بد أن يتواصل هو أيضا بلغة الاستعمار،ولا بأس إن كانت مرشوشة ببعض الدارجة؟؟.
2- لغة الخلط: وقد غزتها العديد من اللهجات والدارجات واللغات الأجنبية والمعلوميات والإلكترونيات،وغالبها خارج القواعد لكنها متجذرة ومنتشرة بل وحلت محل مرادفاتها ولا تدري الأجيال مع الأسف أيها الأصيل وأيها الدخيل؟؟.
3- لغة غير ضرورية: قد يستغني عنها البعض بلغة الأحاسيس والرموز والإشارات والموسيقى والتشكيل وفنون التعبير الجسدي والغناء،وإن في مرافىء متعفنة يدعي فيها المدعون أنها فطرية وطبيعية،وما أفطرها وطبعها غير الضعف و التفلت من اللغة السليمة؟؟.
4- لغة الالتباس: المقصود وغير المقصود للمعاني والمصطلحات،خاصة في الروايات والأفلام و وسائل الإعلام،فإذا بالملتزم متطرف وبالمجاهد إرهابي وبالمستشهد انتحاري وبالتطبيع تسامح و بالتفسخ انفتاح؟؟.
5- لغة الكذب والنفاق: التي تغلف حياة أصحابها ولا يملون من ممارستها حتى على أنفسهم قبل ضحاياهم،وقد يتنفسونها وتصبح إكسير حياتهم ويمارسونها مهما كانت الظروف والملابسات والمسؤوليات؟؟.
6- لغة التجاهل والتحامل المجاني: على المستضعفين والحراكيين الذين يتجرؤون على المطالبة بالإصلاح وتحسين الأوضاع وحظهم من الكرامة والعيش الكريم،فإذا بهم عند المسؤول انفصاليين،خونة،فتانين وقتلة..،لا بد أن يجرجروا في متاهات المحاكمات وينتهوا في غياهب السجون؟؟.
7- لغة التطرف والعنف والاغتصاب: لإرادة الأشخاص أو حتى إرادة الشعوب،تصوت لحزب فيحكم آخر،ويطالب الناس بالحرية والكرامة والاستثمار والتقدم والازدهار،فإذا بالعجب العجاب يجرهم إلى كبتها والريع والبؤس والتخلف والاندحار؟؟.
8- لغة الشارع والتشرميل: وغير ذلك مما تصنعه ثقافة المسؤول الفاشل التي لا يجد الناس بدا معها إلا نطح الحائط وإن شق رؤوسهم،و شرب الحنظل وإن قطعت مرارته أمعائهم،والتيه في الفيافي وإن ابتلعتهم مجاهلها،فإذا الغلاء والبطالة والهجرة القسرية حكايات وبطولات؟؟.
9- لغة العولمة المتوحشة: فيما يفرض تفكك الكيانات الضعيفة و تغول الكيانات القوية،ليصبح لا معنى لأي تعايش بينهما غير الانبطاح والاستتباع،"معنا و لنا أو ضدنا و مع الإرهاب"؟؟،شعار نظام دولي جديد أو على الأصح كولونيالية فاشتية جديدة؟؟.
10- لغة المواطنة المزاجية: قد يحترم فيها المواطن وطنه ومواطنيه ويتعامل معهم بالسلوك المدني الراقي،وقد يسخط عليهم وينتقم منهم شر انتقام،وقد يحترم الملك العمومي ويؤدي الواجب الوطني أو يكون عكس ذلك مدمرا وصوليا يأكل الغلة ويسب الملة،حسب الهوى والمزاج؟؟.

فهل تتصدى العامية أو الفرنسية أو غيرها لكل هذه المطبات والانحرافات اللغوية الطاغية في الواقع؟، وقد يقول قائل أن كل اللغات واللهجات مثل بعضها مملوءة بكل المعاني:الحق والباطل والصواب والخطأ والحلال والحرام والصدق والكذب والإخلاص والنفاق والخير والشر والوضوح والغموض والكسل والاجتهاد..؟،ولكن لا ننسى أن اللغة العربية وحدها الأقدر على تحديد المعنى وضبط المبنى،بل وحمل القوم على الوفاء والانضباط؟،لأنها لغة الروح وروحها كتاب الله القائل:"إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقبون"يوسف/02 "،ولغة المعنى ومعناها في سنة رسول الله:"ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك"؟،غير أن هذه الروح والمعنى ورغم كونهما عبادة لا عادة عدلا لا جهالة وتدينا لا سفسطة،فلن تفرضا وقعهما ورفعتهما ولغتهما على الواقع بسلطة القانون أو بمجرد فخر الانتماء،بل بضرورة توفير بعض الشروط الأساسية لعل أهمها حسب تحديات العصر هي:
1- النهوض بالبحث العلمي والتطوير المختبري والبيداغوجي والإبداع التقني الذي سيطر وسيسيطر على العالم عقودا وعقودا قادمة؟؟.
2- تفجير حركة فكرية وإمتاع أدبي وصناعات فنية شيقة وأخلاقية مفيدة تملأ تلك الحوامل الفنية والإطارات التقنية ملأها للحياة؟؟.
وإذا اللغة فقدت الروح والمعنى،والحامل على الانضباط والمبنى،فلا تستغرب في أن ترى متحدثيها من عالم الكبار يلقون بالشرور على عالم الصغار،ويسببونها لهم و يغرقونهم في أتونها ومتاهاتها وتخلفها المزمن،لذا نعود ونقول:إذا اللغة فقدت الروح والمعنى،والحامل على الانضباط والمبنى،ف"عرنسوها"أو"درنجوها"سيان.."عرنسوها" أو"درنجوها"سيان؟؟.

الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب