أضيف في 29 شتنبر 2018 الساعة 22:31

من خطاب إلى خطاب


عبد الإله بلقزيز

نجحت فرضية توسل حقوق الإنسان، في الحرب الأيديولوجية السياسية ضد الأعداء والخصوم، في اختبار تاريخي هو الحرب الباردة، وعلى نحو محدد، الحرب الأيديولوجية ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية. لقد كان لها من الآثار المادية والمعنوية الفتاكة ما لم يكن لأي حرب أخرى خيضت ضدهما؛ مثل الحرب الاقتصادية والتجارية، أو الحروب العسكرية التي جرت بالوكالة في مناطق نفوذ العظمييْن (في بلدان الجنوب خاصة).
نعرف تفاصيل ما جرى من تطورات دراماتيكية في العالم، منذ مطالع تسعينات القرن العشرين، جراء الاستخدام الأيديولوجي السياسي الجديد لفكرة حقوق الإنسان في السياسات الغربية، وقع تفكيك الاتحاد اليوغوسلافي، بمثل ما وقع به تفكيك الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا: تفجير حركات الانفصال القومية، وبعده تفكيك مضاعف للمفَكّك على قاعدة الانتماء الديني القومي (على نحو ما جرى في البوسنة والهرسك بين مسلميها والكروات والصّرب)، وهو عينُه ما سيجري في ألبانيا بفصل إقليم كوسوفو عنها.
ولقد جرى ذلك كله باسم حقوق الإنسان. وباسم حقوق الإنسان، أيضاً، شُنّت الحرب الأمريكية على نظام سلوبودان ميلوسوڤيتش في صربيا، ودُمّرت البلاد والاقتصاد عقاباً له على البقاء خارج النفوذ الأمريكي. ثم ضُرب العراق، واحتُل بعد ذلك، وحوصِرت كوريا الشمالية. ولم يكن ذلك، فقط، بدعوى امتلاكهما أسلحةَ دمارٍ شامل، بل أيضاً بدعوى انتهاكات حقوق الإنسان فيهما.
وبالدعوى عينها حُوصِرت الصين وحُرِّض ضدّ نظامها وسياساته، من قمع المتظاهرين في ساحة تيانان مين، إلى قمع سكان مقاطعة التيبت، كما حوصرت سوريا وصدر في حقها قانون من الكونجرس الأمريكي (قانون محاسبة سورية)، مهّد لكل ما نراه يجري اليوم.
وآخر مستحضرات دعوى حقوق الإنسان، في السياسات الغربية، ما جُرِّب تطبيقُه في البلاد العربية، في السنوات السبع الأخيرة، في نطاق ما عُرِف باسم «الربيع العربي»، تنفيذاً لهندسة سياسية كولونياليّة جديدة أطلّت برأسها منذ نهاية الحرب الباردة، وكان تدمير العراق، فقرة تمهيدية في نصّها المتعاقب فصولاً منذ ذلك الحين!
تلك عيّنة من فصول دموية للاستخدام الأيديولوجي لحقوق الإنسان في الصراعات الدولية في حقبة العولمة الجارية. والحق أن العولمة لم تُفْرِج عن إمكانيات تِقانيّة جديدة لتحسين شروط الاستخدام الأيديولوجي ذاك فحسب؛ بل وفّرت ممكناتٍ لإجراء تعديلات هائلة لمضمون حقوق الإنسان ولمفهومه الذي صاغه الفكر الإنساني، منذ القرن السابع عشر، وتَعَهّدهُ بالتطوير انطلاقاً من المقدمات الفكرية عينِها! عَنَتْ حقوق الإنسان، في أصولها النظرية، وحقوق الشعوب والأمم في استقلالها وسيادتها على أراضيها وثرواتها. وفي الحاليْن؛ سواء تعلق الأمر بالمواطن، أو بالشعب والأمة، فإن الرابطة التي تشدّ أياً منهما، رابطة سياسية ومدنية تتولد منها هوية عليا جامعة، هي الهوية الوطنية .
المتغير الاستراتيجي والخطير، في خطاب حقوق الإنسان اليوم، أعني في استخدامه الأيديولوجي الغربي، أنه خطاب أنثروبو ثقافي؛ أي دائر على فكرة الهويات الدينية والثقافية والطائفية والمذهبية (تحت عنوان الأقليات)، والحاجة إلى تمتيع الهويات تلك ب«حقوقها»، داخل الدولة، وصولاً إلى الاعتراف بحقّها في الانفصال إن «هي ارتأت»، أو قل إن ارتأى رعاتُها الخارجيّون مصلحة في ذلك الانفصال! وعندي أن في ذلك تزويراً فاضحاً لمعنى حقوق الإنسان؛ بل لمعنى الإنسان نفسِه؛ فالإنسان تحرّر من عبودية البنى الجماعوية التي كبلت وجوده، حين نجح بالتعاقد الاجتماعي في بناء مجتمع سياسي ومجتمع مدني بعيداً من الروابط التي تشُدّه إلى الجماعة الطبيعية أو الجماعة الأهلية، والتي تمنعه من تكوين مجال سياسي محكوم بقواعد التوافق على المصالح الجامعة والمشتركة؛ أي التي لا يقع التنازع فيها على أساس الاعتقاد الديني أو على أساس مصالح بدائية تقتضيها روابط طبيعية: مثل روابط الدم.
العودة بحقوق الإنسان إلى نفق الهويات الفرعية، عودةٌ بالإنسان إلى ما قبل قيام الدولة الوطنية، إلى ما افترض فلاسفة العقد الاجتماعي بأنه حالة الطبيعة، وانتقال بخطاب حقوق الإنسان من خطاب سياسي ومدني، كما كانَهُ دائماً، إلى خطاب أنثروبو ثقافي مشدود إلى أغراض منافية تماماً، لتلك التي قام من أجلها كخطاب: توطيد حقوق المواطنة، وتمتين قواعد النظام السياسي الديمقراطي في الدولة الوطنية الحديثة.
والحق أن إدراك أغراض الاستخدام الأيديولوجي لهذا الخطاب الأنثروبو ثقافي ليس عسيراً على مَن يتابعون مجرى السياسات الدولية اليوم، إنه خطاب وطيد الصلة بهندسة أنثروبو سياسية كولونياليّة جارية منذ عقود ثلاثة، تبغي إعادة تمزيق كيانات عدة من العالم وتفكيكها في دويلات تقوم حدودُها على حدود العصبيات الأهلية، وعلى حدود الأديان والطوائف والمذاهب! إنها هندسة ما بعد التجزئة السايكسبيكويّة؛ ولكن مداها اليوم عالمي ولا يتعلق، حصراً، بالوطن العربي، حتى وإن كان الأخير من ساحات الاختبار الأساس لها.
وإذا كانت أزمة نموذج الدولة الوطنية قد أطلت، منذ وقت مبكر، مثلما ذهبت إلى ذلك تعليلات حنّة أرندت، فإن الهندسة الكولونياليّة الأنثروبو سياسية الجارية ستضع إن هي نجحت فصلاً ختامياً لوجود الدولة الوطنية نفسه، تماماً كما تحاول العولمة أن تضع نهاية للمجتمعات، كما يذهب إلى ذلك ألان تورين.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب