أضيف في 29 شتنبر 2018 الساعة 11:31

العروي والحيحي: كلمتان


نورالدين البودلالي
بالكلام عن العروي والحيحي أدرك أنني أضع نفسي في بؤرة رمال متحركة: إذ هما يثاران في إطار مسألتين يتقاذفهما الذاتي والموضوع.
*******
كلما أصر صديقي الحيحي (حاحة منطقة أمزيغية سوسية جنوب بلاد المغرب)، بكثير من التحدي والتباهي exhibitionnisme، على أن الحضارة "العابرة" بالأندلس قد كان في مهدها أمازيغ وليس اليمنيون القادمون من بلاد الحرب، أجدني صامتا مبتسما: أولا لأن المُوجﱠهَ له ذلك الكلام هو عربي الأصول، ولربما جد أجداده يمني؛ ثانيا أن الموضوع فيه حساسية مفرطة من قبل مُنتجِه لكن، أيضا نزع للعقل: إذ العقل الحداثي يعتبر أن التسامح بين أفراد المجتمع الواحد يقر بالتعدد الثقافي واللغوي... وأن دستور هذا البلاد (المغرب) يحمي هذه التعددية. في هذا الإطار مجبرون على اعتبار هذا الإقرار كونه امتداد لرغبة نخبة عرقية في تركيز الذات الأمازيغية كذات أصيلة ومؤسﱢسة مستفردة، انتُزع منها هذا التأسيس انتزاعا. لا ينبغي لهذه العرقية أن تنسينا أننا في القرن 21 لا في بداية نشر الدعوة الإسلامية، وأن الأجناس قد اختلطت وتلاقحت، وامتزجت معها الثقافات والعادات والتقاليد.
حين قطع المغاربة نحو اسبانيا في عهد الفتوحات، كان منهم السياسي والفقيه، السيف والقرآن (بالضبط كما فعل البروتستانت الفارين من قهر الكاثوليك نحو العالم الجديد، وكما فعل المستعمر إلى بلاد الهند والقارة الافريقية)؛ وحين ازدهرت الثقافة العربية الاسلامية بالأندلس شملت شتى العلوم النظرية والتشريعية، والدقيقة أيضا. الدول التي تعاقبت على حكم الأندلس، كامتداد لل"خلافات" الاسلامية المغربية، شيدت حضارة عربية اسلامية لا ينكرها أحد ولا يمكن لأحد أن ينكر أصلها العربي والاسلامي في ظل حضور تنوع لهجي ملحوظ (ليس في هذا تباهي وإنما إقرار بمعطى تاريخي).
إن الإنسان، أيا كان انتماؤه العرقي، قادر على اشعال الحرب وعلى تشييد ثقافة. والتاريخ يذكر أنه كان هناك عبد المومن بن علي الكومي وكان هناك المختار السوسي صاحب "رجال العلوم العربية في سوس"، كان هناك قادة دول وكان هناك علماء، وسيبزغ منهما الكثير بكل الأجناس واللغات ما دامت الحياة على الأرض..

*********
لا أدعي التطاول على هرم الفكر المغربي السيد عبدالله العروي، لكن ثمة ملاحظة في قضية عامة، أبدى فيها رأيا، هي الآن موضوع جدل حتى وإن حسمت فيها وزارة التربية الوطنية.
لقد دافع الدكتور عن مسألتين في فترتين متباعدتين زمانيا: أما الأولى فتتعلق بأنوار أوروبا، حيث حث بإلحاح أن التقدم وصناعة التاريخ الحديث بالنسبة للعالم العربي والإسلامي يبدأ باتباع نفس الخطى التي قطعها الفكر الأوروبي مرحلة مرحلة.. ومعلوم أن أنوار أوروبا شملت كل الميادين، ساهمت في ذيوعها الطباعة وترجمة النصوص اللاتينية، وهي التي كانت خاصة ببعض النخبة ورجال الدين. فكثير من النصوص، بما فيها الكتاب المقدس المسيحي، قد ترجمت إلى اللغات الشعبية، مكنت العديد من العامة من الاطلاع عليها. في هذا يقول برتراند رسل في كتابه حكمة الغرب «دانتي قدم [أعمالا] باللغة الشعبية تلك الأداة التي جعلت الكلمة المكتوبة متاحة للإنسان العادي غير الملم باللغة اللاتينية».
لكننا نجده، ثانيا، يرافع من أجل صيانة وحماية اللغة العربية، علما أن أشعار العربي ومقاماته التراثية تبقى عصية على فهم العامة. إن الخاصة هي التي تقوم بقراءة هذا التراث، بل وجزءا كبيرا من الآداب المعاصر، وكذا المذاهب الفلسفية والتيارات الفكرية. صحيح أن الوحدة العربية تبرز جلية من خلال الحرص على اللغة، شفاهيا وكتابة، إلا الحياة العامة والتي تحياها شعوب العالم العربي هي تختلف بشكل كبير بين قطر وآخر، وهذا سيضطرها إلى، لا إقحام كلمات دارجة في برامجها التعليمية وإنما، تقعيد ما يمكن أن يقبل الصياغة تركيبا وصرفا وإملاء.
إني أرى أن تقعيد بعض الدارج من الكلمات والتعابير، التي تقبل الخضوع لقواعد اللغة العربية الفصحى أولى للشعوب العربية للانفتاح على عالم القراءة واحتضان المنتوج الثقافي.




[email protected]


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب