أضيف في 24 شتنبر 2018 الساعة 22:39

نداء العبودية يرنّ في بلدة (العجيلات)


المصطفى سالمي
أحس السيد (الراضي) أن وطأة العبودية بدأت تسري بسرعة الصاروخ النفاث في كل شبر من أرض (العجيلات) وكل شريان من ناسها، وكأنما هو مجتمع أصابه وباء كل من شم رائحته أو لامسه يصبح في أقصى تجليات الأنانية والانتهازية، لقد ارتفع مؤشرهما في الآونة الأخيرة إلى نسب لا تطاق، فلا أحد أصبح يحتمل الآخر، الأخ يحقد على أخيه، والأب مستعد لوضع فلذة كبده في المزاد، والزوجة تتآمر على زوجها، والجار يتجسس على جاره وينقل الأخبار لشيخ الحارة أو عمدتها...
لم يجد (الراضي) لفظا أشد تعبيرا عن هذه الحالة من لفظ "العبودية"، فالكل استعبدته المادة وطغيانها، فرمى الانتماء والصداقة والأخوة والبنوة وكل الروابط والمعتقدات جانبا، إنها عبودية في أسوأ مناظرها وأبشع مشاهدها، ولو كانت عبودية للخالق لكان لها شأن وشرف، ولكنها عبودية لحجر وبشر ومصلحة وذات أنانية شقية. هكذا تكالب من خالهم (الراضي) أصدقاء ومعارف وأقارب على مصالحهم وداسوا الروابط من صداقة وقربى، لقد تحول جوارهم إلى إطلالات قميئة موبوءة، إن تحياتهم نفاق بائس وضحكات أفعوانية صفراء، سلامهم نفث سموم، وكلامهم الهجين تمهيد لمشروع انتهازي، لم يكن الأمر مقصورا عليه كما ستظهر له الأيام، لقد اكتشف أن السلام والمصافحة بين الناس أصبحا لغما، فمن يصدر عنه هو إما مغفل أو صاحب مصلحة كاقتراض أو انتهاز فرصة خادعة، ومن يرده إما دافع أذى أو مقلد أو صدى أو متمترس خلف صخرة الحذر. تذكر السيد (الراضي) عندها الحديث النبوي: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم)، أين ذاك العهد المتسم بصفاء القلوب والمحبة المستشرية بين الناس من عهد النفاق والأحقاد ببلدة (العجيلات)، حيث التملق والانتهازية يقرأهما كل عابر سبيل على جباه الناس ويراهما في أعين أهالي البلدة من الموبوئين بنداء العبودية اللعين؟! وما زال النداء يصدر أوامره للعبيد أن تعفنوا أكثر وأكثر، فيزداد البؤس والتعاسة والتملق، ويتضاعف الإذلال المقيت المتبادل بينهم. تساءل (الراضي) مع نفسه:
ـ ألا يجدر به بعد أن أصبح الحال بهذا السوء أن يذهب للعيش في الجبال والنجود والتلال خلف عنزات أو بعض الأغنام يرعاها ويسمع ثغاءها وهي البكماء، لعل الله يصرف الغمة وتقل وطأة الوباء اللعين، إن الكائنات البكماء أفضل حالا من الكائنات المتملقة الأفعوانية..!
كان (الراضي) يخاف أن يأتي يوم يصبح هو نفسه جزءا من وباء العبودية اللعين وتبعاته، فيغتاب هذا، وينم ذاك، ثم يغتاب الجميع في غياب الجميع، ويغتابه الجميع في غيابه، ويضحك مع الجميع على الجميع، إنهم هكذا في مجتمع العلل الصفراء، والأوبئة الغبراء، الكل يكيد للكل، أضاعوا الحلال واستبدلوه بالحرام، وانتصر الطواغيت في أرض (العجيلات) باستعباد الجموع الغفيرة بأن أفقدوها جوهرها، وسلبوها كرامتها من أجل دريهمات معدودات.
تُرى هل يأتي يوم يضع فيه (الراضي) نفسه في المزاد العلني لمن يدفع أكثر، إنه في سوق كبرى كل شيء أصبح قابلا للبيع والشراء، (بلحوس) مدير الشركة ـ التي يعمل بها (الراضي) ـ اختلس قبل تقاعده عدة آلات ومعدات من الشركة، وصمت رؤساء المصالح كما بلع المسؤولون ألسنتهم واحتضنوا لغة التواطؤ، فلو بلّغوا عنه ربما يكشف خباياهم وأسرارهم وفسادهم المضاعف، (سندس) تحظى بساعات عمل أقل لأنها عين المدير الجديد على العاملات، (برهومة) قد تتغيب عن العمل بالساعات والأيام لأنها مسنودة من قريب هو نقابي كبير، (عترمة) عاملة نشيطة تشتغل أكثر من كل العاملات، وتتلقى أقل منهن أجرا، ولا تستطيع أن تحتج وإلا مزّق المسؤول الإداري بطاقة العمل ورمى العاملة المجدة خلف جدران الشركة، بينما (هرهورة) ـ الموظفة البدينة ـ تشتري رضى الآخرين بالهدايا والكلام المنمق والمديح الموزون، فتتغاضى عنها الأعين، لأن الآذان إذا طربت لكلمات التزلف تعمى لغة الثواب والعقاب والمحاسبة والخطأ والصواب، وأما باقي القطيع ـ عفوا باقي العمال والعاملات ـ فغارق في المستنقع، يذوب في لحن نداء العبودية الذي يقول له باستمرار:
ـ إذا لم تعمل كثور الساقية معصوب العينين فالطرد من (الفردوس) ينتظرك...!
وقد يلتقي الجميع مع الجميع في مسالك الشركة وأثناء الدخول والخروج، ويضحك الجميع في وجوه الجميع، وتقول الألسن عكس ما تقوله القلوب، وتردد أعماق(الراضي): أليست هذه ثمار العبودية المقيتة؟!
إنهم وا أسفاه يظنون حقا أنهم يحيون حياة النعيم في الفردوس! لكن (الراضي) أصبح يرى نفسه حقا في السعير، وأصبحت نفسه تحدثه أكثر من أي وقت مضى عن سر عدم إصابته بالوباء المقيت، لماذا لا يصاب مثلهم ويصبح واحدا من القطيع المرتاح، لماذا لا يهنأ بحياته مثل الآخرين، إذن فهو ملقح بلقاح عجيب جعله يصمد عكس الآخرين، فهل تراه وحده من سيكسر هذا النداء المستشري في بلدة (العجيلات) الذي هو العبودية المقيتة، أم يكون مآله مثل مصير عنزة السيد (سوغان) التي كسرت القيد وقطعت الحبل، وفرت باتجاه الغابة بحثا عن الحرية والانطلاق، وانتهى بها الأمر فريسة للذئب؟! أم أنه سيصبح مثل البنفسجة الطموح التي حلمت بأن تصبح مثل الورود والياسمين متطاولة في عنان السماء، وحين حققت الطبيعة حلمها هبت في عصر ذلك اليوم عاصفة اقتلعتها من جذورها ولم يسلم إلا البنفسج الملتصق بالأرض؟!
تمر الأيام عصيبة على (الراضي) وهو يعيش مخاضا عسيرا ، وفجأة ـ وهو في قمة الصراع الداخلي ـ تعالى النداء من مكبر الصوت مرددا:
ـ الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله..
هذا النداء وحده كان حاسما للأمور، مزلزلا نداء العبودية المقيت المتربص بأعماق (الراضي)، إنه يعلن العبودية للواحد القهّار، وبدأ صاحبنا يردد وتردد معه أعماقه:
ـ لن أخضع بعد اليوم لتجليات الوباء الخبيث مهما كان أو يكون، إنني أعرف الملجأ والحصن الحصين يا أرض (العجيلات) الموبوءة...!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب