أضيف في 21 شتنبر 2018 الساعة 05:41

المعنى من التعلمات: من الرغبة إلى المرور الفعل* ج:2


نورالدين البودلالي

Michel Develay
مساعدة المتعلم على الوعي بالاستعمال الممكن للمعرفة المُدرّسة
حين يطرح التلاميذ السؤال عن «الفائدة من تعلم الرياضيات، أو التاريخ، أو بقية المواد الأخرى؟»، فإنهم يطرحون على أنفسهم سؤالا عن العلاقة بين ما يرونه ضروريا من استثمار للاندماج مع هذه التعلمات وما يمكنهم جنيه منها من فوائد. لديهم مقاربة اقتصادية عن المدرسة، بل يمكننا القول ميركانتية. يمكننا حقا أن نأسف لذلك، مادام كل مدرس يرغب أن يعيش جميع التلاميذ علاقة بالمعرفة غير موعى بها بالتمام. لكن، في خانة الاستعمال البعدي، لابد من معرفة مكمن الخلل؟ وفي جميع الحالات، من الأفضل بالتأكيد أن نقدم لهؤلاء التلاميذ إجابة مقنعة.
كيف نرد عليهم؟ بطريقتين: نظهر لهم، أولا، أي استخدام اجتماعي يمكن أن يؤدي إلى إنتاج معرفة تدريسية من خلال ممارسات اجتماعية مرجعية، وبدفعهم، ثانيا، إلى التفكير في الاستخدام الشخصي الممكن القيام به للمعرفة المدرسية باعتبارها مشروع مدرسي ومشروع مهني.
• يبنى المعنى في بعده الاجتماعي عندما يتمكن التلميذ من إيجاد علاقة وظيفية للمعلومات المُدرﱠسة. ويكون للتعلم بذلك علاقة بالممارسات الاجتماعية المرجعية( : - تم تعريف وتوضيح هذه العبارة بشكل موسع في: MARTINAND, J.-L., Connaître et transformer la matière, Berne, Peter Lang, 1986).
يمكن لهذه التطبيقات المرجعية أن تتجسد على صورة مشكلات تسمح المعرفة بفهمها، أو مهام، أو مواقف أو أدوار اجتماعية. فمفاهيم الفيزياء، أو البيولوجيا أو اللغات الحية تدير علاقات وطيدة مع وضعيات اجتماعية تظهر في خضمها ضرورية. أحيانا ينسى المتعلم استخدام المقررات المدرسية لكونها تبدو له بديهية. بيد أن غايات المدرسة تتمثل أيضا في ال«ما بعد» المدرسة أو «جنبة» المدرسة. غالبا ما ننسى أن التعلم هو في خدمة الممارسة؛ وأن المعارف المدرسية لا تكمن غاياتها فقط في المرور إلى القسم الموالي، ولكن المساعدة على فهم العالم.
• يؤَسس كل مشروع على منطق التفاعل بين فرد وما يواجهه من وضعيات سيعمل على تغييرها. لا وجود لمشروع إلا بوجود مستقبل قابل للبلورة. في هذا المعنى يتطلب كل تعلم رؤيا شاملة لاستعماله المدرسي الممكن ويؤدي إلى الوعي بما يسمح به من استعمال. ومن الطرق الممكنة لإعطاء معنى للتعلمات، مساعدة التلميذ على التفكير في الاشباع الذي سيسمح به النجاح في تعلمه، بالنظر إلى مشروعه المدرسي ومشروعه المهني. والأكيد أن العمل مع التلاميذ على تحقيق مشروعهم الشخصي، هو من الشروط الأساسية لالتزامهم المدرسي. إذن فالمسألة تنحصر في جعلهم يحسون بالمسؤولية حتى يتمكنوا من تحقيق أصغر فارق ممكن بين تطلعاتهم والاستثمار الضروري لإشباعها.
في هذا الاتجاه، على المدرسة أن تعمل أكثر وفق نظام التعاقد منه على نضام المشروع. فالتعاقد يؤدي إلى التزام مسؤول بين المدرس والتلميذ حول ما سيقوم به الأول لمساعدة الثاني على تعلم هذا المفهوم، لأو تملك هذه المنهجية، وهو أيضا الالتزام الذي يتعهد به الثاني للوصول إلى تحقيق هذه الغايات.
إن المشروع المدرسي و، أكثر من ذلك، التعاقد المدرسي يشكلان شرطا من الشروط الأساسية لإبراز وعي المتعلم بما يدرسه واقترانه بنجاحه الآني أو الذي سيأتي في المدى البعيد. إن المشروع يتطلب بدءا استكشاف الخيارات الممكنة، فبلورة اختيارٍ محدد، ثم نُعَيّن ما نختاره ونقدر عليه، وما نحققه في الأخير، أي نمر مما نرغب فيه وصولا إلى الفعل. والنتيجة: «أن كل مشروع إنما يؤدي إلى اكتشاف ما، وإلى التنظيم، وإلى الاختيار، وإلى التصرف( : PELLETIER, D., « Le projet ou l’élaboration cognitive du besoin » dans Projet-formation-action, Revue éducation permanente, 1986.)»
إن المشروع المهني يدفع الفرد إلى تحديد مسار تكوينه الخاص وفق منطق مهني يضع له كل من غاي بونفالوا وبرناديت كورتوا أربع خاصيات يتم اتباعها إلى النهاية: أصالته (خطوة تطوعية تتطلب التزام الفرد)، فاعليته (فالمشروع يقود إلى المخاطرة، واستثمار والقيام بجهود)، الفعالية (على المشروع أن يحقق لصاحبه إشباعا)، متعدد الأبعاد (إذ يتعلق بالبعد المعرفي، لكن أيضا بالعلاقات الفردية والشخصية).
مساعدة المتعلم على الوعي بفكره الخاص، والوعي بلحظة وعيه
المعنى يتجلى من خلال العلاقة بين هامش الربح المتوقع من الناحية المهنية والشخصية أو من ناحية الممارسة الاجتماعية، من جهة، والفعل الاستثماري الضروري لتحقيقه، من جهة أخرى. وبذلك يتم تجسيده على المدى البعيد، وهذا تَيَسّر لنا ملاحظته للتو. غير أن المعنى يكمن أيضا في العلاقة التي تنشأ بين المهمة المدرسية التي يجب إنجازها والفائدة التي يمكن الحصول عليها على المدى القريب إذا تمت بنجاح.
هذا المعنى الذي تأتى من العلاقة القصيرة المدى بين الفرد (التلميذ) والموضوع (المهمة)، مكن من وضع ثلاث افتراضات للفعل البيداغوجي.
• بالنسبة لبعض البيداغوجيين المعنى رهين بالفرد. فالتلميذ هو الذي عليه أن يستثمر طاقاته في الوضعيات المقترحة عليه، كيفما كانت هذه الوضعيات؛ إننا إزاء بيداغوجية الجهد، بيداغوجية الإرادة. هذه الإرادة التي يمكن اعتبارها كإحدى فضائل التفاهم، والتي هي «عسكري العقل» سيتم تطبيقها بمدرسة ذات ملامح قاسية، تواتي فقط العمل المجرد الذي يقبله كل تعلم( : - يمكن الرجوع إلى ALAIN, Propos sur l’éducation, Paris, P.U.F., 1948).
• بالنسبة لبيداغوجيين آخرين، يكمن المعنى في الموضوع الذي تدفع المدرسة التلميذ إلى التواجه معه. وعليه يكون من المناسب أن نقترح عليه أنشطة ترفيهية ستعمل على إثارة تعلمات؛ وهذا يمثل تيار المدرسة الجديدة، التابعة لمركزية بيداغوجية خاصة.
• بالنسبة لبيداغوجيين آخرين في النهاية، إن التعلم لا يكمن لا في القيود التي تؤدي إلى إثارة الانتباه، ولا في تمديد الحاجات التي تعتبر طبيعية من الضروري الحفاظ عليها. إن التعلم يكمن في القدرة، التي يوفرها المدرس للتلميذ، على التحليل المتواصل للعلاقة التي تربطه، باعتباره فردا، بالمواضيع المقترحة عليه. فالتعلم لا يرتبط، بحسب هذا التصور، لا في وضعية الإجهاد، ولا في وضعية الحرية، لكنها تنتج عن تبين العلاقة التي تربط الفرد بالموضوعات التي يواجهه بها المدرس.
التعلم، بالنسبة لبيداغوجيات الإرادة، هو الاستماع. والتعلم، بالنسبة للبيداغوجيات المستوحاة من المدرسة الجديدة، هي الفعل. ونحن نقاسم الرأي القائل أن التعلم هو أن أفعل وألاحظ نفسي أقوم بذلك النشاط.
المعنى إذن هو بين قطبين، بين الخطاطة التي نضعها والنتيجة التي نتوصل إليها. فالوعي مرتبط بشكل وثيق بالوعي بالذات. إنه يكمن في الوعي بالوعي بالذات. إذ الوعي هو يفكّر الفردِ فكره، وهو الوعي القصدي.
إن الأنشطة الماوراء-معرفية (البادئة méta تدل على «على جانب») وظيفتها مساعدة التلاميذ على التنحي، على التموضع خارج أنشطتهم الادراكية لاكتشاف توجهاتهم الثقافية. بمساعدتهم على تحليل العمليات الماوراء-انتباه، و الماوراء-ذاكرة، و الماوراء-استراتيجية التي تؤدي جميعها إلى إنجاز مهمةٍ معطاةٍ، تسمح لهم هذه الأنشطة الماوراء معرفية على التعرف وتفكيك المشكلات التي طرحت عليهم لحلها ضمن المهام المدرسية. عمليات التفكيك التي تتلوها عملية التركيب ضمن المهام الجديدة، هي في الأصل عمليات لنقل الإدراكات خلال عملية التعلم. إن المقابلة التفسيرية التي يقول بها بيير فيرميرش( : - يمكن الإحالة من بين كثير من المراجع إلى مقالات ب. فيرميرش، مثل المقال المنشور ضمن دفاتير بومون شهر أبريل من عام 1991، تحت عنوان: المقابلة التفسيرية) تشكل تقنية عملية جد متطورة للمساعدة على الاستبطان والتعبير الشفاهي، الضروريان لكل نشاط ماوراء-معرفي. فهذا الكاتب «يقوم بتوجيه الفرد في عملية التعبير الشفاهي الدقيق يأتي به من تصرفات، أي لأفعاله المادية والعقلية». لذا فهو يؤكد، أثناء إجراء المقابلة، على البعد الوصفي الواجب عليه اتخاذه (حيث يستفسر التلميذ بسؤال كيف وليس لماذا)، وعلى أهمية جعل التلاميذ يعبرون عن الزمان، وعن المكان وسببية في أفعالهم.
إن الأنشطة الماوراء-معرفية تسمح للمتعلم بإدراك استراتيجيات التي يحددها أثناء القيام بمهمة معينة، حتى عند التوقف عن العل المدرسي. إلا أنه من الضروري تعزيز هذا الوعي على المدى الطويل، الأمر الذي لا يتحقق إلا في حالة معرفة التلميذ للعناصر المشكلة للبرامج الواجب عليه تتبعها.
إن إشاعة المعارف المشكلة للبرامج الدراسية لابد أن يتم خلال بداية السنة من طرف المدرس حتى يتعرّف التلاميذ على النقط التي سيثرونها خلال السنة. تطبيق خطاطة عمل بالمدرسة الابتدائية، الموزعة توزيعا أسبوعيا، والمهارات المرجعية، المحصورة لحد الساعة فقط على الاعداديات، من المفروض أن تشكلا أوات ضرورية لتنظيم عمل المتعلم. فالنظام المدرسي يُؤسس بأكمله على الثقة التي يبنيها التلميذ تجاه المدرس، الذي نادرا جدا ما يمنحه بعض المؤشرات عن الكفاءات التي يجب اكتسابها. ومن المؤكد أن بطاقاتٍ تقييميةٍ تساعد التلميذ على تبين ما اكتسبه، أو ما هو في طريق التمكن منه، بالمقارنة مع ما تبقى له أن يكتسبه، ستكون –البطاقات- مفيدة له، خاصة إذا كنا على علمنا بالمؤشرات الشحيحة التي تحيل عليها الكتب المدرسية. وكما هو متوقع، سيتم دمج الفائدة المنتظرة من الأنشطة الماوراء-معرفية مع بيداغوجيةٍ للتعاقد بين المدرس والتلميذ حتى يصبح كل منهما مسؤولا أمام الآخر من خلال تدقيق ما سيقوم به.
من خلال ما عرضناه من أفكار ظهرت مرارا فكرة المشروع. لقد حددنا مشروعنا في المرور من خطاطة إلى أخرى. لكننا نتمنى اقتراح، أكثر من المشروع، الحديثَ والفعل وفق شروط التعاقد، كما قلنا منذ قليل. فالتعاقد يجعل الطرفين المنخرطين مسؤولين أمام التغييرات. ويبدو لي أنه مفيدا أكثر الحديث عن التعاقد المؤسساتي، والتعاقد المدرسي، والتعاقد بالأهداف عوض الحديث عن مشروع المؤسسة، والمشروع المدرسي. فالمشروع يسمح بالتفكير في اليوتبيا [المأمول فيه]، بينما التعاقد يسمح بالتفكير في الانخراط المتبادل للمشاركة في الفعل.
بناء المعنى
لا مراء أننا الآن إزاء رؤية بنائية وتفاعلية للتعلمات.
إن العالم الخارجي –من الناحية المفاهيمية- لاوجود له، بصرف النظر عن تصور الفرد لذاته. صحيح أن تلك الشجرة موجودة على الجانب الآخر من النافذة ، وأن الضوء الذي يشع من مصباح مكتبي سابق في الوجود عن رؤياي. لكنهما يشكلان وحدتان، هما معطيات للرؤية، لن يكون لهما حقا وجود بعدُ، لن يحتلا مكانا في وجودي إلا عندما أستوعبهما، إلا عندما يصبحا جزءا مني، إن على المستوى الفكري أو العاطفي.
بناء عليه، يبني الفرد بنياته الفكرية، وهو بالتالي يبني ذاته بتعلم العالم، وبناء معنى لهذا العالم.
فالتعلم هو ذاك الفعل الذي ننشئ من خلاله الفرد والذي من خلاله يتمكن هذا الأخير تملك أجزاء من الواقع، وهي العملية التي يمكن تحليلها على مستويين.
 مستوى أول فردي، يدمج معطيات معرفية وانفعالية.
 مستوى ثان، اجتماعي، يعمل على فهم كيفية اندماج الثقافات التي تمثل الذات والموضوع باعتبارهما وحدتان حاضرتان على المستوى الاجتماعي، والتاريخي، والثقافي. وعليه، «لا يمكن أن تعطي أفضل التفسيرات السببية معنى معقولا للوضع الإنساني دون أن يتم تفسيره على ضوء العالم الرمزي للثقافة الإنسانية( : BRUNER, J., … car la culture donne forme à l’esprit, Paris, ESHEL, 1991, p. 147)». لذا، لفهم كيفية تمكن الطفل من القراءة، والكتابة، والحساب، و، في اللاحق، اكتشاف طبيعة المجتمع أو ما يميز الخط عن الاتجاه، من الضروري الأخذ بعين الاعتبار المستويين التاليين: المستوى المعرفي والوجداني من جهة، والمستوى الاجتماعي من جهة أخرى .

الجدير بالإشارة أن التعلم ليس عملية جامدة. إنه عملية نشطة، بل إنه تفاعلي. وحتى يتحقق التعلم، من المستحسن تبني مشروع تعلمي. فحين نقول للتلميذ أنه من المستحسن أن يفتح جيدا عينيه وأذنيه داخل القسم فقد يفهم خاطئا أن الوضعية الصحيحة عند التعلم هي وضعية الجمود. هذا غير صحيح إطلاقا. إن التعلم يفترض وجود مشروع. وكما قال هوسرل، ثمة مشروع عندما «تؤدي الخطاطة إلى الرسم»، اي حينما يرتبط الهدف بالمسار الذي يساعد على مقاربته. فكل تعلم، يراهن على تحصّلِ معرفة، هو بالفعل خطاطة و ورسم، نية وفعل، نتاج وعملية. فكل تعلم يتموقع إذن ضمن تصور مشروعي.
بيد ان التعلم هو إضافة إلى ذلك بناء للمعنى أكثر منه تحقيق لمشروع: إذ يكون هناك تعلم حين يكون لمشروع التعلم معنى؛ أي حينما ينشئ المشروع مجموعة علامات، ومجموعة قيم تسمح للفرد بتنظيم عالمه، وبنائه، وتقاسم عالمه بشكل تدريجي مع عوالم الآخرين. كما أن المعنى ينبني خلال الفعل الواعي للفرد المنخرط والقادر على مراقبة هذا الانخراط. فالمعنى هو استثمار. إنه استجابة لرغبة، لدافعية، ولحاجة. وهو، علاوة على ذلك، لحظة وعي، ومن ثمة وجب اتخاذ بعد نظر [نقدية] تجاه هذه الاستثمارات.
خلاصة
يعني التعلم تكوين معنى أثناء الوجود بالمدرسة، خلال القيام بالأنشطة المقترحة من قبل المدرسين.
هكذا المعنى، حين يمكن للمدرس عمل كل ما يستطيعه القيام به كي يكون. فالمدرس، وكما يقول ميشل سير، هو ممرر. هو الذي يستطيع المساعدة على التغيير. لكنه لا يقرر شيئا. يمكنه مساعدة رغبة التلميذ على أخذ مكان لها بالمدرسة. لكن لا يمكنه إطلاقا إيجادها، لكون الرغبة هي بالأحرى من ممتلكات التلميذ.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب