أضيف في 19 شتنبر 2018 الساعة 20:02

بلدة المجاريب


المصطفى سالمي
مر زمن بعيد على معاناة بلدة (المجاريب) مع آفة الجرب وويلاته. لقد حوصرت منطقة جغرافية صغيرة حتى لا تنتقل العلة منها إلى باقي البلدات، بينما قال قائلون إن الأمر لا يتعدى بضعة نفر وأنه تمّ نفيهم وإبعادهم، وظهرت النازلة كأنما في شأنها قال الشاعر: (وأفردت إفراد البعير المعبد). ولكن أجيالا جديدة نبتت في أرض بلدة (المجاريب) انفصلت عن الماضي البعيد انفصالا تاما، وقيل إن الأجداد صوروا لهم الأمور على نحو مختلف اختلافا كليا، فقد زعموا لهم ـ أو هم أنفسهم زعموا ـ أن بلدتهم سميت كذلك من شدة التجربة التي عركتهم، فهم فئة خالصة الحظوة والمراس، وكبر هذا الاعتقاد عند الأجيال الصاعدة وما تلاها في هذه البلدة، ولم يكلف أحد نفسه أن ينقب في التاريخ وما يمكن أن يكشفه ذلك من غش وتدليس، كأنما الزهو والفخر أعماهم عن حقائق الأشياء، وحين يُعجب المرء بذاته فإنه يعمى عن رؤية عيوبها، فشبت فيهم الأنانية والخيلاء، وتفاخروا وتناحروا وكرهوا بعضهم بعضا، حتى أن من حكمهم استغل تفرقتهم وضرَبَ بعضهم ببعض ليمتص خيرات بلادهم. هكذا تسلط على بلدة (المجاريب) حكام أسوأ من الجرب ومن الطاعون والملاريا مجتمعة، فأهلكوا الحرث والنسل. لكن فجأة وقع أمر عجيب لقد بدأ أهل هذه البلدة بالفرار منها نحو المناطق والبلدات المجاورة، ولم يبق بها إلا الانتهازيون والمتملقون للسادة المستبدين، وردد أحد الظرفاء ـ ممن يعرفون حقائق التاريخ ـ هامسا: (لقد عانى الأجداد من جرب خارجي جلدي، لكن أحفادهم يعانون اليوم من جرب عقلي سلوكي)، والحقيقة أن انفصال هؤلاء عن العوالم الخارجية لعقود أو ربما قرون جعلهم يتيهون ويفقدون تراكمات من آداب السلوك والتعامل ربما كانوا سيحظون بها لو بقوا على اتصال دائم بالعوالم الخارجية، من يدري؟!.. إلا أن الخارجين من بلدة (المجاريب) وحدهم من حكى الحكاية وروى الرواية، لقد كان أهل البلدات الأخرى يتوهمون أن الفارين يعانون الجوع والفاقة والعوز، لكن واقع الحال غير هذا تماما، فبلدة (المجاريب) تدور حياتها باستمرار في فلك الطقوس الفلكلورية الفارغة، حيث احتفالات الفروسية والرقص الشعبي وحياة المجون واللهو لا تنقطع، ورغم ذلك استمرت الأرض تجود بخيراتها التي اختصت بها فئات متنفذة على حساب الجموع الغفيرة، وعمد المتسلطون إلى إلهاء الناس بالملاهي والفجور، فضعفت الهمم والعزائم، ومع الوقت ما عادت (المجاريب) تقوى على دفع الأذى عن نفسها، وماتت النخوة والعزة والكرامة، وحدها قلة قليلة ممن لم تتلطخ أنفسهم اختاروا نفيا يعادل نفي الأجداد المجاريب، لكنه نفي اختياري هذه المرة، ونحو أرض الله الواسعة، لقد استفادوا من حرية الحركة وعدم تقييدها عكس ما سبق في العهود الغابرة.. وكأنما الطواغيت شجعوا بطرقهم الخاصة على جعل الناس يهاجرون أرضهم للاستيلاء على مزيد من الثروات والتخلص من المزعجين المنغصين، لكن حركية الدخول والخروج كانت تنشر وعيا جديدا وكانت مع الوقت تهيئ لمخاض قادم..
تمر السنون والأعوام، ويتحدث الناس عن بلدة (المجاريب) حديثا مختلفا، لقد سادتها فتن الليل والنهار، وكثر الهرج والمرج بين الكبار والصغار، لقد تناقصت بل شحت الغلات والثمار، لكن أغلب ما لفت الأسماع والأنظار، أن نفوسا خالوها من الصخور والأحجار، بدأت تشهد من الداخل ما يشبه الانصهار، فقد ثار المغيَّبون على أنفسهم وخيباتهم، وعلت الأصوات نهارا جهارا مطالبة بضرورة التطهر والقطع مع زمن الاستعباد والاستصغار، ترى أين اختفى الخوف والهلع الذي كان معششا ها هنا؟؟ فأطبقت البلدات المجاورة من جديد سلاح الحصار، لقد خافت أن تمتد إليها ألسنة لهب النار، فالأمر عظيم هذه المرة وليس مجرد (جرب) بسيط، إنه هبّة كالإعصار..!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب