أضيف في 18 شتنبر 2018 الساعة 08:02

المعنى من التعلمات: من الرغبة إلى المرور الفعل* ج1


نورالدين البودلالي
Michel Develay
إن أنصتنا باهتمام كبير، كثيرا ما سنسمع الحديث عن «معنى» المدرسة:
- [يقول] (التلميذ): «فيما يفيد درس الرياضيات؟ إنجاز للمعادلات.. هذا لا معنى له؛ شيء لن نفعله أبدا خارج المدرسة.»
- [يقول] (مدرس عن تلميذ): «هذا التلميذ كله حس سليم.»
- [يقول] (موجّهٌ عن تلميذ شغله إلى ذلك الحين): «أخيرا بدأ فرنسوا يتحرك. أعتقد أنه بدأ يحس أن ما يقوم به له معنى.»
- [يقول] (أستاذ يستأنف دراسته الجامعية): «لدي إحساس أنه مع الدراسة الجامعية التي عدت إليها بدأت حياتي المهنية وحياتي ككل تأخذ معنى.»
- [يقول] ( ولي أمر بخصوص ولده): «لدي انطباع أن المدرسة ليست لها بالنسبة له أي معنى، على العكس تماما حين يكون مع رُفقائه.»
كلما تحدثنا عن المعنى بالمدرسة، ذكرنا أن التلاميذ الذين يجدون فيها معنى ينجحون والذين يفتقدونه فيها غالبا ما يرسبون، أو على الأقل يعانون فيها من صعوبة. ألا نقول أن العيش يفرض أن نعطي معنى للحياة؟ وعليه وجب أن نعطي معنى للمدرسة كي يتحقق لنا النجاح فيها، تماما كما أنه ضروري أن نعطي معنى لحياتنا لننجح فيها.
لذا، يمكننا القول، في تحليل أولي، أن التلميذ الفاشل هو تلميذ لايزال يبحث عن معنى، وأن تلميذا ناجحا تلميذ وجد أن للمدرسة معنى. إلا أن الفشل مرتبط أيضا بالمعارف التي كون عنها التلاميذ معان كثيرة وباتوا غير قادرين عن الابتعاد عنها.
بعض خصائص المعنى
لاوجود لمعنى في حد ذاته
لاوجود لوضعيات لها معنى وأخرى ليس لها معنى. بالنسبة لبعض الراشدين، القيام ببعض الأنشطة النضالية هي غير ذات معنى أو لم يعد لها تماما أي معنى اليوم. بالنسبة للبعض الآخر، القيام بذات الأنشطة له وسيبقى له معنى على الدوام. قراءة نص عن المعنى هو بالنسبة للبعض لا معنى له على عكس البعض الآخر... إن المعنى، وكما نرى، أمر شخصي نبنيه أو لا نبنيه خلال وضعية ما.
بالنسبة للمدرسة، لاوجود لمعنى في حد ذاته في الوضعيات التي يعيشها التلميذ. فالمعنى أمر يعمل التلميذ على بنائه، وليس شيئا يستهلكه. وعليه لا يمكن القول مسبقا أن التربية البدنية أو الموسيقى لها معنى بشكل أقل أو أكثر من الرياضيات.
المعنى مستعار من مجال القصدية
لإيجاد معنى ضمن وضعية ما، لابد أن تطابق هذه –الوضعية- بشكل وثيق مقاصدي، غاياتي وأهدافي.
دعونا نؤكد هذا القول باقتراح أن المعنى لا يختزل هنا إلى ما نقصده وأنه يكمن في العلاقة التي يقيمها الفرد بين نشاط يحياه والقصد أو الغاية التي يميل إليها.
من الخطأ القول أن وضعية قد تتحمل معنى أو لا تتحمله. فلا معنى للمدرسة بالنسبة للتلميذ إلا في حالة ما إذا تطابقت الوضعيات المعاشة مع هدفه في الحياة.
وعليه، فستكون الرياضيات ذات معنى بالنسبة لتلميذ ما لكون نجاحه في هذه المادة يساعده على إشباع حاجته المتجددة للإحساس بالتقدير العالي في وسطه. إذ إن الرياضيات تُقيّم أناه. مما يعطي للرياضيات معنى بالنسبة لتلميذ آخر يبحث، هو الآخر، أن يكون مفيدا للآخرين. وستمكنه الرياضيات، بالفعل، من تصور نفسه في المستقبل وقد أصبح تقنيا في المضخات الشمسية التي يحلم نفسه يثبتها للساكنة الإفريقية.
يمكن للأهداف viséesأن تكون واعية أو غير واعية
للمعنى إذن علاقة بالهدف. فإذا كانت هناك أهداف واعية، فهناك أيضا أهداف غير واعية؛ علاوة على أن أفعالنا تحددها دوافعنا، وتخيلاتنا. وهكذا سيجد بيير، مثلا، معنى في درس الفيزياء لأنه يحلم في أن يكون مهندسا ولأنه فهم أهمية هذا المجال المعرفي في دراسته. أما بول فيجد معنى في درس الفيزياء، ليس لأنه يطمح أن يصبح مهندسا –فهو يرغب في أن يكون من رجال القانون- ولكن لأن هذا المجال يشمل على تخصص يجبر على الحكم والتمييز بين الصواب والخطأ، الأمر الذي يوليه كثيرا من الاهتمام.
بيير وبول بلغا بطريقة واعية المعنى، كل بسبيله الخاص. أما صموئيل فقد وجد معنى في درس الفيزياء، دون أن يعرف كيف، بل وحتى دون أن يفكر فيه، وذلك فقط لأن جده الميت قد كان يصلح كل شيء وهو يجده، إلى حد ما، حاضرا في كل هذه التعلمات الخاصة بالفيزياء بحيث يتصور نفسه مصلحا لكل ما يفسد في المختبر.
ضرورة بناء وإعادة بناء المعنى
لا يوجد المعنى دفعة واحدة وإلى الأبد. يبنى المعنى من كل مكونات التلميذ، من تمثلاته لوضعية ما، من تخيلاته، ومن ثقافته أيضا. وقد كتب فرويد قائلا: «يمكننا استبدال كلمة معنى بكلمة ميل أو توجه. فالميل هو ما يوجه الجسم نحو نهاية ما.»
علينا أن نتذكر دوما أن المعنى كامن في قدرة التلميذ على ربط ما يقوم به في المدرسة مع ما هو عليه حقا أو ما يطمح أن يكونه. فالمعنى كامن في العلاقة بين الفعل الذي أحققه وما أطمح في تحقيقه من خلال الفعل.
مساعدة التلاميذ على امتلاك معنى في المدرسة
يسمح علم النفس بفهم السبب الذي يدفع الفرد بفعل شيء ما أو عدم فعله، أن يتصرف أو يقوم بردة فعل، أن يتعلّم أو يرفض التعلم. ومن المفيد للمتعلم أن يعرف الشروحات التي يقدمها له علماء النفس. على أنه بإمكانه عدم الاقتناع بهذه المعطيات. ومهمة المدرس إنشاء وضعيات تعليمية قادرة على أن تصبح وضعيات تعلّمية للتلميذ. فعليه أن يساعد التلميذ على بناء معنى للمدرسة
«ما الفائدة من الذهاب إلى المدرسة؟»، «ما الفائدة من دراسة الرياضيات أو الفلسفة؟»، «ما الفائدة من... ؟» أسئلة غالبا ما يطرحها تلاميذ الثانويات والاعداديات المستجوبين من قبل علماء الاجتماع. هذه الأسئلة تحيل بطبيعة الحال على بحث معمق عن دور المدرسة في التحول الاجتماعي للتلاميذ. كيف يمكنهم الاستمرار في الاعتقاد أن المدرسة تفيد في تحقيق شيء ما مستقبلا، مدامت البطالة تمس حتى التلاميذ النجباء المتخرجين من المدارس العليا؟
إلا أن هذه الأسئلة التي يطرحها تلاميذ الاعدادي والثانوي تهم أيضا هنا والآن الساعات الدراسية المخصصة لهم. إذ ما السبيل لجعل الحصص الدراسية المتعلقة بالرياضيات الخاصة بالمعادلة y=ax، وبالتربية البدنية في درس الرقص، وبالبيولوجية حول التنفس الاصطناعي تكتسي معنى بالنسبة للتلاميذ؟
على المستوى البيداغوجي يمكن للتعليم أن يساعد التلميذ على بناء معنى إذا ما ساعده على الوعي بإمكانية استعمال المعرفة المُدرّسة خارج المدرسة ، وأن ينخرط في عملية التعلم ويعي الطريقة التي اكتسب بها هذه المعرفة، وأن يعي وعيه بذاته، أن يفكر فكره. نشير إلى أن هذه القدرة على القيام بهذا الأمر يدخل في نطاق عملية النقل [للمعرفة].


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب