أضيف في 15 شتنبر 2018 الساعة 22:50

آدم يحتضن الطبيعة


المصطفى سالمي
أخيرا وجد (آدم) كوخا مهدما خارج المدينة، واعتقد أنه سينعم فيه بالقرب من نفسه، إنه يبحث عن لحظات عزلة ممتعة، لعله يحظى بسعادة القرب من ذاته واحتضان الطبيعة البهية، وردد بنشوة:
هل افترشت الأرض ليلا # وتلحفت الفضـــا
زاهدا في ما سيأتـــي # ناسيا ما قد مضى
الآن فقط تأكد (آدم) من صدق شاعر ـ لم يعد يذكر اسمه ـ اعتبر أن ابن خمس وعشرين سنة يمكن أن يكون أطول عمرا ممن عمّر ستين حِجّة، والدليل نفسه وما تعيشه ذاته، فاليوم عنده بسنة. وافترش (آدم) التراب مستندا لجدار الكوخ، فأبصر قريبا منه سربا من النمل يشكل خطا متعرجا، وتذكر ساعتها أيام الابتدائي وقصة (الصرار والنملة)، وحكاية الملك الذي انتصر في المعركة بدرس النملة المكافحة التي لم تستسلم وهي تحمل حبة قمح وأوصلتها لبيتها بعد عدة محاولات فاشلة.. أيمكنه هو أيضا أن يستفيد اليوم بعض الدروس منها؟! وولى (آدم) ببصره نحو الفضاء، فأبصر أسرابا متناثرة من الطيور تهيم في الفضاء، فقال لنفسه: ما أسعدها من كائنات! ولكنها لو نزلت لتعيش على الأرض مثل البشر فستشقى دون شك، ولكن من يدري، فربما يزدحم عالمها ذات يوم بالآدميين وتُحرم هي أيضا من لذة العزلة وسعادتها. قام (آدم) من مكانه تاركا للنمل حرية الحركة فقد كان يعيق بعض النملات التي توجست من وجوده مبتعدة كأنما شمت رائحة الغريب، واقترب من شجرة لا كباقي الأشجار، لقد اعتلاها غبار السنين، وبدت رمادية شاحبة كأنما هي مثقلة بهموم بشرية، فقد تسلط عليها عقم شديد لم تنعم بسببه بالثمار كباقي الأشجار، لكنها تبدو مع ذلك صامدة ثابتة متماسكة، وأوشك آدم أن يستند عليها، لكنه عدل عن الفكرة ولم يفعل، ربما تحمل هذه الشجرة ثقلا فوق مقدورها وطاقتها، ثم على من تستند المسكينة المتعبة من حمل الأيام، ولكن هل تُراه اعتبر بدرس النملة الصبور ونسي أو تغافل عن صبر هذه الشجرة العملاقة؟! إن النمل على كل حال يعمل بجد لنفسه فقط، أما هذه الشجرة المسكينة وأمثالها فتثمر لكي يجني الآخرون، ثم تعود لتثمر مرات ومرات دون كلل، ويقطع هذا أغصانا وذاك جذورا.. وتطلع صاحبنا إلى أعلى الشجرة فرأى غرابا على غصن من أغصانها، فتذكر الآية: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه)، ما أكثر الدروس التي يمكن أن يتلقاها الناس من هذه الكائنات الصغيرة، ولكن أين الاعتبار وتلقي العبر، وأحس (آدم) أنه بمجاورة هذه المخلوقات يمكنه الاستغناء عن معاشرة الجنس الآدمي، لكنه تذكر شيئا مهما الآن، فما عاد هناك موطئ قدم إلا ويدعي الإنسان أنه يمتلكه، ويمكن لصاحب هذا الخلاء أن يكسر هذا السكون ويطرده الآن من أرضه، ولكنه يحس بعياء وارتخاء ورغبة في احتضان هذا الجمال الطبيعي، لن يستسلم لمنطق الناس، وسيموت واقفا كهذه الشجرة، ولن يقول مثل ذلك القائل: (إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر)، بل سيقول: إذا مت جوعانا فلتنفجر البطون الفاجرة، وأحس صاحبنا بأن آلاما خفية تلتهب في أعماقه، إن آلام المعدة مقدور عليها، أما آلام الرأس فشيء لا يحتمل، آه لو يستطيع السيطرة على ذلك الجزء العلوي من جسده، ذاك الجزء سلطة منفصلة عن كل العوالم الأخرى، غيره قد يفعل أي محرم ليخدره، ألم يقل شاعر ذات يوم:
اسقني حتى تراني # أحسب الديك حمارا
لكنه سيدك كل حصون الألم، وسيرتمي في أحضان نوم طويل مستندا إلى هذه الشجرة الوحيدة المنعزلة..
في صباح يوم جديد خرج أطفال القرية يلعبون، وأرادوا أن يستريحوا تحت ظل الشجرة المعمرة، لكنهم اكتشفوا اكتشافا غريبا، لقد أينعت الشجرة المسنة التي كان يعلوها غبار السنين، والتقط أحد الصبية ورقة مكتوب عليها بخط غريب أبياتا شعرية للشاعر طرفة بن العبد:
أرى الموت يعتاد النفوس ولا أرى # بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة # وما تنقص الأيام والدهر ينفــد
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى # لكالطول المرخى وثناياه باليــد
ومنذ ذلك اليوم أصبحت تلك الشجرة يسميها ناس القرية بـ شجرة الحياة، فما عاد اللون الأخضر يفارقها على مدى الشهور والأيام.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب