أضيف في 9 شتنبر 2018 الساعة 07:49

تأملات قرآنية


ناصر سالم المقرحي
تأملات قرآنية
يُفترض من تكرار المفردات في الجملة الواحدة أن يعرقل من انسيابيتها ويحد من تدفقها السلس , ولا يحبذ تقريبا كل الكُتاب تكرار الكلمات في المقال الواحد فما بالك بالجملة أو العبارة الواحدة إذ من شأن ذلك أن يُضعف من أسلوب الكتابة ويُظهر محدودية قاموس الكاتب وقلة زاده من الكلمات , إلا أنَّ تكرار عن تكرار يختلف ولم نصدق بوجود تكرار يزيد من دسامة المعنى وسلاسة الجملة وقوة الفكرة إلا بعد أن توقفنا عند قوله تعالى " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " الآية رقم 109 من سورة الكهف
في هذه الآية ذات الكلمات القليلة أربع كلمات تكررت بأشكال مختلفة منها ما تكرر كما هو ومنها ما أخذ شكلا أو معنىً آخراً لا يبتعد عن المعنى أو الشكل السابق , في هذه الآية الكريمة التي لا نجد ما هو أسلس منها ولا أخف في النطق وسهولة في ترديد كلماتها , تكررت كلمة البحر مرتين كما هي ثم تكررت كلمة مداد أو الحبر أو تشابهت في أحرُفها مع كلمة مددا التي تعني الدعم أو المساعدة , كما تكررت كلمة " الكلمات " بدون ألف ولام التعريف , ثم أخيرا تكررت كلمة لنفدا أو لنضب ولاستُهلِكَ مع كلمة تنفد التي تحمل ذات المعنى غير أنها عائدة هنا بخلاف الكلمة الأولى لمعجزات الله التي لا تُحد .
ثم أن حشد كل هذه التكرارات في حيز ضيق قد يقلل من تأثيراتها , إلا أنها هنا وبعكس ما هو متوقع في هذه الحالات زادت تأثيرات الجملة , ولا غرابة في ذلك لأنها كلام الله سبحانه وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وآية من كتاب هو معجزة لغوية وبيان لم يتكرر على مدى العصور .
الجميع تقريبا يعي تفسير الآية وما بها من مجاز سوى أن حلاوة نطقها وسهولة التلفظ بها ووقعها اللطيف على اللسان والسمع أشياء لا يحس بها الكل , ولطالما رددتها في سري مستمتعا بوقعها السلس ملتذا بنطقها , ومثل هذه الجُمل والآيات في القرآن كثيرة وكل ما على المرء إلا أن يبحث عنها , ولأن الناس أذواق ومشارب وميولات مختلفة أكاد أُجزم بوجود جُمل دون غيرها تتوافق مع أذواقها وتجد لها في أنفسهم صدىً لطيفاً , ويختلف تعامل الناس وتفاعلهم مع الوقع القرآني فمنهم من تمر عليه الآية مرور الكرام ومنهم من يقف متدبرا متأملا مستمتعاً .
ومثل هذه الآية في لطفها , الآية التي يقول فيها سبحانه وتعالى " فَبِما َرحمة من الله لنت لهم . ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " الآية رقم 159 سورة آل عمران .
ثم ان هذه الآية تمثل روح الإسلام وسماحته التي تنبذ التعصب والتطرف والغلو وتدعوا صراحةً إلى اللين واللطف , هذه بعض التأملات التي فرضتها القراءة أحببت مشاركتها مع القراء .
في هذه الآية عندما تعلق الامر بالترغيب والأستقطاب جاءت الكلمات خفيفة هينة بأحرف مثل الهاء والميم والنون واندغام كلمتي " رحمة من " ببعضهما , وعندما تعلق الأمر بالإشارة إلى النفور والأستهجان والإعراض جاءت الكلمات ثقيلة بأحرُف الظاء والضاد والغين , أو هكذا تراءى لي .
والجميل والمُعجز والمدهش في الآية كاملة انها حملت تناغما وانسجاما وتوافقا رغم تضاد كلماتها التي تراوحت بين الخفة والثقل , اللين والغلظة , وذلك عندما تُقرأ كاملة .
" وإن يمسسك الله بضرًّ فلا كاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ وإن يُردكَ بخير فلا رادَّ لفضله يُصيب بِهِ من يشاء من عِباده وهو الغفور الرحيم " الآية 107 سورة يونس .
أيضا هاته الآية بها ما بها من جمال ووقع طيب ولطيف على النفس .
تُسلمنا الآية إلى أختها , وهذه دعوة للتأمل في الآيات وتذوق جمالياتها مكتوبة ومنطوقة وسياحة في القرآن تسمو بها الروح والنفس .













قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا