أضيف في 6 شتنبر 2018 الساعة 12:44

ما الغاية من استيعاب الأنوار؟


سفيان البراق
إنَّ القرن الثامن عشر هو عبارةٌ عن أكبرِ التواءٍ عرفتهُ البشرية، كيف لا وهو قد نادى بالإنسان والإعلاءِ من شأنهِ، وإعادة الاعتبارِ له بعد أن فقدَ قيمتهُ جراءَ سيطرت رجال الدين والكنيسة، ناهيك عن غزوِ الأفكار اللّاهوتية للعقل الأوروبي. تعدُّ فلسفة التنوير من أهم المحطات التي عرفها الإنسان، ورفعت شعارات كلها من أجل الإنسان. مبادئ التنوير لازالت سائدة إلى حدود اليوم في الدول الأوروبية التي تشبَّعت بالأنوار وانخرطت في الكوني والعالمي. لا يمكننا الحديث عن التقدُّم دون استيعاب التنوير.

طرحَ القرن الثامن عشر مُشكلات عديدة عانَ منها الفلاسفة في تلك الفترة التاريخية، وكانَ هذا القرن هو من أعظم الفترات التي عرفها التاريخ، حيث جاء بأفكار مناهضة لسابقتها، وكان التجديد هو العنوان الرّئيسي للتنوير. إنَّ القرن الثامن عشر هو القطيعة الفعلية مع الماضي. كما عرفت هذه الفترة أيضاً ظهور مفاهيم جديدة مثل: (العقلانية، الفردانية، الحريّة، التقدم، العلمانية، الإخاء).
الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" طرح ذات مرة في إحدى مقالاته سؤالاً خطيراً: ما الأنوار؟. وأجاب عن سؤالهِ قائلاً: "هو خروجُ الإنسان من قصورهِ الذي اقترفهُ في حقِّ نفسهِ. وهذا القصور هو بسببِ عجزهِ عن استخدام عقله إلاَّ بتوجيهٍ من إنسانٍ آخر". القصور هنا ليس هو غياب الفهم أو شيءٍ من هذا القبيل، بل يعني بهِ كانط غيابُ العزم والإرادة، أي بمعنى العجز. لعلَّ أبرز خلفية جعلت كانط يطرح هذا السؤال في إحدى الصحف الألمانية هو ذلك الجدل الكبير الذي كانت تعيشُ تحت وطأته ألمانيا بسببِ الاختلاف حول مسألة الزواج المدني.

يُعتبرُ كل من (دنيس ديدرو، فولتير، مونتسكيّو، جون جاك روسو) هم الّذين مهدوا للثورة الفرنسية سنة 1789 بأفكارهم التنويرية، لأنَّهم كانوا يعانون جراء الوضع المُزري الذي كانت تعيشهُ أوروبا في تلك الحقبة، وفرنسا بالخصوص في جميع الميادين: الثقافي، الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي. بعد الثورة الفرنسية انتشرت شرارةُ التنوير بسرعةٍ كبير في فرنسا - بلدُ الفكر والحداثة -. الفرنسيون قاموا بثورة تاريخية غيرت مجرى التاريخ، وانقلبوا ضد الاستبداد والطغيان الذي مارسهُ الملك لويس 16، هذا الأخير تم قطع رأسه بالمقصلة خلال الثورة. هنا طرأ تغييرٌ كبير سيمسُّ معظم أرجاء أوروبا، وستندلعُ ثورات أخرى كالثورة الصناعية في إنجلترا.

فكرة الأنوار لم تعد حِكراً على أوروبا لوحدِها، بل شمِلت العالم بأكمله، دون اكتراثٍ للفكر أو المُعتقد، بمعنى أنَّ التنوير أصبح كونياً، والكونية ارتكزَ عليها التنوير، وهي حتميةٌ تاريخية لا مفرَّ منها. هناك فرقٌ واضح بين مبادئ الأنوار وبين مفاهيم الأنوار، المبادئ تجسّدت عند المفكرين (الحرية، المساواة، الإخاء، التسامح)، أما المفاهيم فكانت رائجة عند العامّة (الحرية، الفرد، العدالة).

منذ خمسين سنة صدرَ كتاب مهم للمفكِّر المغربي "عبد الله العروي"، عنوان هذا الكِتاب هو "الأيديولوجيا العربية المُعاصرة". هذا الكِتاب هو لحظةٌ مفصلية في تاريخِ العرب، حيث قام العروي في خضمِّ هذا الكتاب بمحاولةٍ جادّة لإرخاءِ ظلال الأنوار على الفكر العربي المُتخلِّف نوعاً ما.
سنة 1967 هي لحظة تحول كبير في الفكر العَربي، لأنَّ هذا الكِتاب يتمحور بالأساس حول ركائز ومبادئ الأنوار؛ العروي كان يؤمنُ دائماً بالتنوير، وقد نادى كثيرا إلى التشبُّع والإيمان بالتنوير. صرَّح عبد الله العروي في "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" بصريحِ العِبارة قائلاً: " نُوَدِّعُ نِهائيّاً المُطْلَقَات جميعَها، نَكُفُّ عن الاعتقاد أَنّ النّموذج الإِنْساني وراءنا لا أَمامنا وأَنّ كُلّ تَقَدُّم إِنّما هُو في جَوْهَره تجْسيد لأَشْباح الماضي وأَنّ العِلم تَأْويل لأَقْوال العارفين، وأَنّ العَمل الإِنساني يُعيدُ ما كان، لا يُبْدع ما لم يَكُن، وبذلك نَتَمَثَّلُ لأَوّل مرّة معنى السّياسة كتوافُق مستمرّ بين ذِهْنِيّات جزئيّة تُمليها ممارسات الجماعة المستقلّة وتتوحّد شيئاً فشيئاً عن طريق النِّقاش الموضوعي والتّجارب المُسْتَمِرَّة، بحيث لا يمكن لأَحد أن يدّعي، فرداً كان أو جماعة أنّه يَمْلِكُ الحَقيقة المُطْلَقَة عن طريق الوَحْيِ والمُكاشَفَة ويَفْرِضُها على الآخرين". عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، مقدّمة الطبعة العربية، ص، 16.
هنا يلخِّصُ عبد الله العروي معالم الفكر العصري وقِوام المجتمع الحديث، هذه المعالم هي أربعة وتربطُ بينهم علاقة اتصالٍ دائمة: سَيْرورَة الواقع الاجتماعي، نسبيّة الحقيقة المُجَرّدة، إِبْداع التّاريخ، جَدَلِيّة السِّياسة.

يدعو عبد الله العروي وبشدَّة إلى التخلّي عن التراث وإقامة قطيعة نهائية ورسمية مع المَاضي، لأنَّ ارتباطنا بالماضي هو دليلٌ على خوفِنا، ونحن العرب لا نعترفُ بالأنوار بل نُحافظ على هويتنا ونخافُ عليها كما تخاف الفتاة على بكارتها، فالهوية هي مَشروع ومنجز لا غير.
واجهَ عبد الله العروي عدة مَشاكل فكريّة عديدة، لعلُّ أبرزها هو ارتباط العرب بالهوية والتراث وكلُّ ما هو آتٍ من الماضي البعيد، وهيمنة الفكر السلفي المتوحش، كلُّ هذه العوائق تجعلنا غير قادرين على معرفة الأنوار. إذا لم يتم الابتعاد عن فكرة المذهب فلن نتقدم بتاتاً، لأنَّ مسألة التقدم رهينةٌ بقطع الصلة مع الماضي.

قبل عبد الله العروي كان الألماني "كارل ماركس" قد كَتَبَ كتاب تحت عنوان "الأيديولوجية الألمانية"، حيث كانت ألمانيا في تلك المرحلة تعاني من التأخر التاريخي، والمثقفون الألمان استشعروا هذا التأخر وأنه في علاقة بوعيهم المُشترك. المقصود بالأيديولوجيا كمفهوم هو ذلك الشّعور بالتأخر التاريخي ومحاولة تجاوزه وكان هذا هو مَسعى كلٍّ من ماركس والعروي.

مع القرن الثامن عشر أصبحنا أمامَ قطيعة تامّة مع الماضي، هذه القطيعة يخافُ منها الفرد العربي كثيراً، ولا يستطيعُ النَّوم إذا سمعها لأنَّه لا يعرفُ المغزى منها، فعند الحديث عن القطيعة مع الماضي فإنّنا نقصدُ بها التخلي عن التراث والمعتقدات المذهبية والتاريخية. إلى جانب القطيعة مع المَاضي أصبحنا أيضاً أمام حرية الفرد والإعلاءِ من شأنهِ وقيمته، وكذلك الإعلاء من حرية المُعتقد لأنَّ الاعتقاد حرية شخصيّة ولا يُناقش، فلكلِّ شخص له حرية اختيار فكرهِ ومعتقدهِ. لا يمكنُ للعرب أنْ يُبصِروا النُّور دون استيعاب الأنوار.

انتقدَ عبد الله العروي المثقفين العرب نقداً لاذِعاً، لأنَّ الغرب تقدم أما الشرق فبقيَّ مُتخلِّفاً. المثقف العربي في نظر عبد الله العروي، لم يقُمْ بدورهِ التنويري، بل انصبَّ اهتمامهُ حول جلب الأموال في مُقابل علمه وثقافتهِ، واهتموا بترقياتهم ورواتبهم. اعتبرَ العروي الفكر السلفي هو مرضُ الحضارة العربية، ويقول عبد الله العروي في هذا الصدد: " يجبُ اجتتاث الفكر السّلفي من جذوره". بمعنى هدم وتقويض هذا الفكر المُهيمن على الحضارة العربية لسنواتٍ طويلة.

من المُستحيل أنْ نتحدث عن التنوير دون الحديث عن العلاقة الوطيدة بين الأنوار والعِلمانية. ويقصدُ بالعِلمانية: الحيّاد، وهي رافعةُ المُساواة وهي أساسُ التطور. لكن البعض يعتبرها إلحاداً أو خروجاً عن الدين، لأنَّ العلمانية مفهومٌ مُشوّش.

يتساءل المفكر البلغاري "تزفيتان تودوروف" في كتابه المهم والجيّد "روح الأنوار"، حيث صرَّح في إحدى صفحاته قائلاً: " كيف لهذا الفكر الذي جاء من أجل الإنسان، أنْ يحوِّلَ حياة الإنسان إلى مأساة حقيقية". كان سؤالُ "تودوروف" في محلِّه لأنَّ الإنسان صار يعاني من الأزمات السياسيّة والحروب الأهلية وكذلك الحروب العالمية التي خرّبت حياة الإنسان؛ وأصبحَ الإنسان عبارة عن أشلاءٍ متناثرة. هنا كان نقد للأنوار من طرف تودوروف، كيف لا والأنوار جاءت من أجل الإنسان، إلاَّ أنَّ هذا الأخير أصبح غارقاً في بركةٍ دموية.

كان فكرُ الأنوار محطةً حاسِمة في تاريخ البشرية، حيث غيّر الحياة البشرية برمّتِها من التقليد إلى الحداثة، وخرجَ الإنسان من حالة الظلام إلى النُّور، وبزغت أفكار جديدة ساهمت في تطويرِ العلوم وظهرت العلوم الإنسانيّة التي اهتمّت بشؤون وحياة الإنسان.

هوامِش:
كِتاب الأيديولوجيا العربية المُعاصِرة، عبد الله العروي، المركز الثقافي.
كِتاب روح الأنوار، تزفيتان تودوروف، ترجمة حافظ قويعة.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : سفيان البراق

كاتب مغربي   / , المغرب