أضيف في 5 شتنبر 2018 الساعة 20:01

الحج دراهم معدودات


رشيد اليملولي
الحج دراهم معدودات .
التفكير في الحج هو بالضرورة تفكير في دلالات متباينة ، دينية و اجتماعية ، ثقافية و انتربولوجية ، تتظافر بنية و شكلا لتعبر عن معنى هو محل تساؤل و إشكال ، حين يتعدى الأبعاد السالفة إلى دلالة سياسية و مجالية ، تحاول جاهدة تقويض الرمزية الدينية ، و حصرها في دلالات محددة ، تعكس عمق الهاجس المذهبي و الشعائر التي تحوم حوله ، و تنبني على مطامح تجارية و اقتصادية عميقة لا تقف عند ما يتم تداوله ، الأكثر من ذلك تسويق نموذج ذهني ، اعتاد على اعتبار الحج مجال سيادة خاص بقطر معين دون باقي الرقعة الإسلامية ، ضدا على النسغ الروحي و الرسالة الدينية الإسلامية ؛ و كأن الحج ملكية خاصة مشفوعة بانتمائه فقط إلى المجال المعروف جغرافيا ، و حتما هذه النزعة الاحتكارية ترافقها تأويلات مذهبية محددة .
لعل من الإيحاءات السلبية للحج ، هو انتقاله من الدلالة الكونية لتجديد الصلة بالله ، و إعادة الحياة للذات الإنسانية ، أملا في بناء علاقة متجددة و جديدة مع الخالق ، إلى هاجس اجتماعي و مرتبة مرتبطة به ، تحاول أن تضفي القداسة على صاحبه ، و تنقله من المرتبة العادية إلى الرمزية و الصورة الدائرة في فلكها ، تتعالى بمعنى من المعاني ، و تصل إلى الطبقية التي قد ترقى في حالة الجهل و غياب المعرفة الدينية اللازمة ، إلى شذوذ في السلوك ، و إحلال المراهقة المتأخرة ، محل النضج و الطهرانية و تجديد الذات ؛ فالحج وفق التصور الذاتي ـ الفردي في أحايين كثيرة ، هو تعبير عن معنى اجتماعي مكبوث ، يستدعيه الحاج فور حصوله على جنسية حاج ، يتصرف و كأنه حالة غير خاضعة لمقاييس دينية أو اجتماعية . على هذا الأساس ارتد الحج إلى وضعية اجتماعية أكثر منها وضعية دينية و أخلاقية ، تسترشد بالقيم في سبيل تقوية شعورها بالانتماء و الوعي و السلوك و الخطاب .
من المفارقات التي تميز الحج ، إلزام الحجاج بالدعاء لعاهل السعودية أثناء الصلاة في يوم عرفة و لولي عهده وولي عهده، و سواء خدم آل سعود الكعبة و غيرها من الأماكن المقدسة ، أو راموا من خلالها الدفاع عن الوهابية باسم الحج ، فلا يعد ذلك إنجازا بالنظر إلى المسؤولية التنفيذية المنوطة بالدولة المستضيفة ، بفعل المداخيل المهمة التي تتحصل عليها ، و الأدهى أن الدعاء لا يعبر عن صيغته الإنسانية أو الأخلاقية المعترفة بالجميل ، فهو عنف رمزي يمارس على الحجاج ، بغرض تزكية نظام سياسي معين ، و مذهب ديني مرافق له ، و المحصلة النهائية تفوق تصور و ذهنية محددة ، تقدم نفسها المركز و المنبع و الدين القح و الأصيل ، ناطقة باسمه و معبرة عنه ، أمام هذه الرغبة في تقعيد الهيمنة الرمزية بوساطة الحج ، تتنامى كل سنة مواقف لا تعبر عن المرجعية الدينية ، و إنما لمعطيات سياسية ، تتغذى على طبيعة العلاقة السياسية ، و تتصدر المشهد مواقف البلد المستضيف من الدول التي لها موقف من النظام السعودي ، و كأنه موقف من الدين الإسلامي ، و نقصد قطر حاليا و إيران و تركيا و سوريا ، و كندا في مستوى أقل( المسلمون في البلد طبعا ) ، فقد يأتي التهديد ليس من الشيعة وخوارج هذا الزمان ، وبل وقد يأتي حتى من السنة ومن التيارات التي ترفع شعار التدين و التأويل الصحيح ، الخطر كل الخطر من التأويلات الذاتية ـ المذهبية ، التي تنتصر للأنا المذهبية ، و تعتقد أنها الممثل الشرعي للدين ، و ترى في جهل واضح أن الآخر هو بالضرورة مصدر الأزمة و الفراغ و الضعف ، و من ثم وجب محاربته ، فالقوة ليس في تصوير الآخر ذئبا ، و الأنا حمل وديع .
المثير في التعامل السعودي مع الحج ، أن الموقف يصدر عن المصلحة السياسية و المذهبية ، التي تقصي بإرادة واعية الرسالة الدينية ، و تجعل من هذه الفريضة إطارا لتصريف المواقف و العلاقات و الحسابات السياسية ، لذلك التساؤل قائم بخصوص ذنب حاج يقصد البيت المعمور بنية الارتباط بربه ، ليجد نفسه مرغما على الانخراط في المستنقع السياسي و المصالح المتعلقة به ، فما الخطورة التي قد يشكلها حاج إيراني أو سوري أو تركي ؟ أليس للبيت رب يحميه منذ أبرهة ؟ .
لا تقف صور الإساءة عند هذا المستوى ، حيث لا يخلو موسم حج من كارثة أو مهزلة تنظيمية ، تتنافى مع النظام الأخلاقي للحج ، و لا تسقط المسؤولية التنظيمية للدولة السعودية ، من خلال ابتكار الطرق التي تقلل من هذه الحوادث ، و تجعل من الحجاج ضيوفا للرحمن بالمعنى الفلسفي ، و أولى الإشارات المقدمة في هذا الشأن التراتبية في نظام الإقامة ما بين الحجاج ، بين خدام الدولة و رعاعها ، فعلى قدر الانتماء و القرب من الدولة تتحدد المرتبة في إقامات الحجاج ، و على قدر أهمية القطاعات في الدولة ، تحدد سلاليم الأولوية ، قطاع السياحة ليس هو الأمن و الخارجية ، و التعليم ليس هو الأوقاف ، هذا مع العلم أن المكان من المفترض أن يكون محجا للمساواة ، لدرجة أن العديد من الصور المقدمة في هذا الشأن تفيد أننا نعيد بإرادة إنتاج صور التراتبية و الازدراء و التحقير التي وقف منها الدين موقف سليما وواضحا ، منها ما حدث خلال هذه السنة من إهمال و " تحقير " لقيمة الحاج المغربي ، أجاد العالم الافتراضي ووسائطه في الكشف عنها ، و تغاضى الإعلام العمومي كعادته عن البوح بها و فضحها ، و تقديم المسؤولين عنها للمحاسبة و لم لا المحاكمة بفعل القيمة الرمزية لضيوف الرحمن ، و ضرورة أن يمارسوا شعائرهم الدينية في جو نفسي مريح ، حتى ليعتقد في هذا السياق أن الشركات الوصية على تنظيم الرحلات غدت أكثر تحايلا ، و تملصا و احترافية في تسويق ذاتها خارج أي مسؤولية أخلاقية حتى لا نقول قانونية أو إدارية ، إذ الهدف بالنسبة لها ما تجنيه بصرف عن النظر عما تقدمه .
لقد أفرغ المجال المقدس المرتبط بالحج من حيويته و سخونته الرمزية ، لصالح المشهد و الصورة القائمة على الانبهار و روعة المكان جماليا ، و انتقل الحجاج بموجبه من الارتباط الروحي ، إلى الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ، التي لا تتورع في تقديم الحجاج أمام الساعة المميزة لمكة ، و الحرم ، و أصبح السيلفي أهم من العبادة وفق الجو الذي تقتضيه اللحظة ، بل و أصبح الطواف على الكعبة إشهارا للذات و هي تنقل الحدث المباشر ، و كأن التقنية حولت الحج إلى قيمة ذيلية تأتي في إثر عبقريتها و أجيالها الخدماتية ، و أخوف ما نخاف عليه أن تغدو مكة مدينة ملاهي بصورة دينية ، حين تفرغ عملية الحج برمتها من محتواها الروحي .
لقد أصبح الحج في عرف الحاج و الدولة ، طقس اجتماعي و ليس عبادة دينية لها رسالتها الخاصة ، أضحى الحاج وفقها صورة اجتماعية و جمالية تعتد بالصورة و اللقب ، إذ لا ضير أن تتوازى صورتان في شخصية الحاج و الحج ، لقب رمزي و سؤدد اجتماعي عناوينه الكبرى بؤس و آلام اجتماعية ، أطفال متخلى عنهم ، نساء عازبات ، فقر مدقع ، و أمراض شتى لأناس لا يجدون معنى للحياة ، أوضاعهم في حاجة للأموال التي تصرف في الحج ، الأولى ليس البحث عن سمعة و لقب ديني ، و الأولى ليس تنظيم الحج كل سنة ، فالأمر يتطلب بناء الإنسان و الوطن ، و القضاء على مهازل التنمية و البنية التحتية و الفوقية ، و علامات الفقر الحضاري ، عوض الجري وراء تجارة تتسربل بالدين و تلبي عباءته ، من دون رسالة و روح و أخلاق و قيمة ، الحج هنا في المغرب العميق ، و في وسط المدن و القرى و أطرافهما ، في صورة بلد في العلم و المعرفة و الفكر ، أليس فشلا ذريعا أن نسمع و نرى صور التحرش في الحرم ؟ ألا يعني ذلك هزيمة الطقس الديني أمام غياب التربية الدينية ؟.
أما الحج في عرف الدولة فهو صفقة سنوية للاستزادة من المال ، و تقوية رصيد شركات السياحة و النقل ، و تمييز بين الحجاج على أساس القرب أو البعد من السلطة ؛ أي خدام الدولة و رعاعها ، خارج أي تعاقد في نوعية الخدمة و مستواها ، المهم أن الحج دراهم معدودة ، و خطاب موجه للاستهلاك و تبرئة الدولة و قطاعها الوزاري من أية مسؤولية أو محاسبة .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب