أضيف في 5 شتنبر 2018 الساعة 11:37

من ترجماتي


Zac Hamza
" الشيء الذي ما يزال يشدني إليها هو أن لها ميزة عظيمة، و هي أنها تحول بيني و بين الوقوع في شراك الكسل. "


بول أوستر، أرت فيكشن رقم 178
أجريت المقابلة من طرف مايكل وود
عدد 167، 2003
ترجمة : حمزة زكي

بول أوستر كاتب أمريكي ( .. ـ 1947) ولد في مدينة نيوارك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية أشتهر برواياته البوليسية ذات طابع خاص، كما أنه أشتهر بترجمته للشعر و الكتب باللغة الفرنسية.

مايكل
هلا افتتحنا اللقاء بالحديث عن كيفية اشتغالك و طريقتك في الكتابة.

أوستر
حسنا، كل ما كتبته ابتداءً كان بواسطة اليد، أستعمل قلم حبر و أحيانا قلم رصاص تسهيلا لعملية تصحيح الأخطاء. لو أمكنني الاستعانة بآلة الكتابة أو الحاسوب مباشرة في لما ترددت في ذلك، لكنني دائما ما أجد الصعوبة مع ألواح المفاتيح و الأزرار. لم أعتد أبدا التفكير بينما أصابعي معلقة في ذلك الوضع الغريب. لذلك فانا أفصل القلم رغم أنه أداة بدائية و إلا أنه يبقى مريح. فأنت باستعماله تشعر بالكلمات و هي تتسرب من جسمك فيما أنت تتلقفها و تغرسها توا في قلب الورق. الكتابة بالنسبة لي قبل كل شيء هي تجربة حسية و معاشة لذا لا بدلها أن تتسم بعدها الملموس أثناء مزاولتها.

مايكل
أعلم أنك تحب الكتابة في الدفاتر بدلاً من الأوراق الطبع البيضاء.

أوستر
صحيح، أنا دائما استعمل الدفاتر بدلاً من الأوراق. هذا بسبب افتتان القوي بها، و بخاصة ذات السطور المتقاربة و المربعات الصغيرة منها.

مايكل
و ماذا عن " أولمبيا" آلة الكتابة الشهيرة؟ الجميع يعلم الآن بشأنها حين أصدرت عنها كتابا بتعاون مع الرسام سام ميسير، تحت عنوان " حكاية آلة الكتابة خاصتي ".

أوستر
أنني أمتلك تلك الآلة منذ سنة 1974 و هي الآن بحوزتي قرابة نصف عمري ، اقتنيتها من صديق لي بالجامعة ، كانت مستعملة إلا أنها في حالة جيدة. الآن لا بد أنها قديمة بحوالي 40 سنة. أعدها تذكار قيم من الماضي، ولكنها لا زالت في أحسن أحوالها كما قلت، و لم يسبق أن حدث فيها عطل ما، و كل ما علي فعله هو تغير أشرطتها من حين لآخر، لكن طالما شعرت بالخوف حين أتخيل أنه سيأتي يوم تنقضي فيه تلك الأشرطة من المتاجر ساعتها أتوقف عن الاستعانة بها، مما سيضطرني إلى استعمل الحاسوب و الالتحاق بالقرن الحادي و العشرون .

مايكل
تكون تلك أعظم قصة لك ، يوم ذهابك لشراء ذلك الشريط الأخير.

أوستر
لكنني أخذت بعض الإحتياطات اللازمة، لقد ادخرت بعض منها، أعتقد أني أملك ستة إلى سبعة أشرطة في البيت. من الظاهر أن قدر تلك الآلة هو أن تبقى معي إلى النهاية، رغم أن من شر البلية أنني غررت مرارا لتخلي عنها. لأنها مضنية في العمل و غير مريحة، إلا أن الشيء الذي ما يزال يشدني إليها هو أن لها ميزة عظيمة، و هي أنها تحول بيني و بين الوقوع في شراك الكسل.

مايكل
كيف ذلك؟

أوستر
آلة الكتابة خلافا للحاسوب، تعوّدني على أن أبدأ مجددا في حالة وجود أخطاء في العمل المحرّر. أما الحاسوب فهو يمكنك بسهول من إحداث التغيرات التي تشاء على الشاشة و بكبسة زر تطبع آنيا نسخة منقحة و خالية من الأخطاء، في حين لا يمكنك الحصول على مخطوطة نهائية للكتاب خالية من الأخطاء باستعمال الآلة ما لم تبدأ عملية النسخ من جديد. إنه عمل شاق و ممل إلى حد لا يطاق أن تنهي من كتابك، و تمضي أسابيع بطولها جالسا إلى مكتبك مستغرقا في مهمة ميكانيكية صرفة تقوم فيها بنسخ ما سبق لك أن كتبته. ذلك أمر ليس جيد بالنسبة لعنقك، و كذلك لظهرك، و حتى إن كان بوسعك نسخ عشرون إلى ثلاثون صفحة يومياً، فالانتهاء من العملية كليا سيمر ببطء شديد معذب. صراحة تكون هذه واحدة من اللحظات التي أتمنى فيها لو كان بإمكاني الاستعانة بالحاسوب، لكن كلما وجدت نفسي أحث الخطى في هذه المرحلة من تأليف كتاب أقف على استنتاج مدى أهميتها في حياتي. استعمالها يجعلني أعيش تجربة الكتاب على نحو جديد، حين أنغمس في تدفق ألحكي و أستشعر كيف يعمل كل شيء في الكتاب. أسمي هذا ب" كيفية القراءة بالأصابع." إنه لأمر مدهش أن تصير أصابعك قادرة على اكتشف الكم الهائل من الأخطاء التي لم تستطع عيونك ملاحظتها قط. كالتكرار و تراكيب الجمل المربكة و الإيقاع الداخلي المقتطع. إنها عملية ناجعة. كثيرا ما اعتقدت أنني أنهيت من كتاب و عندما أبدأ بنسخه أدرك أن هناك عمل كثير علي القيام به.

مايكل
لنعد إلى مسألة الدفاتر و نتوقف عندها قليلا. كان كوين في روايتك "مدينة من الزجاج" يسجل ملاحظاته في مفكرة حمراء. و الراوية آنا بلوم في روايتك الأخيرة " بلاد الأشياء " قامت بتدوين رسالتها في مفكرة زرقاء. و أما في " مستر فيرتيجو " كان والت يكتب سيرته الذاتية في ثلاثون دفتر مدرسي. و أما بطل رواية " تمبكتو" المخبول ويلي ج. كريسماس تكبد عناء نقل كل ما كتبه طوال حياته إلى مدينة التيمور ليوعها عند أستاذ له بمادة اللغة الانجليزية بالمدرسة الثانوية، قبل أن يموت : أربع و سبعون مفكرة بها قصائد و قصص و يومياته و خواطره و تأملات في الحياة و ثماني عشر ألف سطر من ملحمة غنائية لم تكتمل بعد عنونها ب أيام الترحال. حتى أن المفكرات وردت في أعمالك الأخيرة، ككتاب " الوهم " و " ليلة التنبؤ." هذا دون ذكر مجموعتك القصصية الواقعية، " المذكرة الحمراء." ماذا يمكننا أن نفهم من هذا؟

أوستر
ربما لأنني أعتبر الدفاتر كملجئ للمفردات، أو كمخدع سري ترتاده الأفكار أو مكان حيت يجري الكاتب فحصا ذاتيا في منأى عن الأنظار. لأنني لا أهتم فقط بمحصّلة الكتابة في النهاية بل بالعملية ككل، أقصد كيفية وضع الكلمات على الورق. و كل ما إلى ذلك. لا تسألني لماذا. ربما قد يكون هذا ما ترتب عن اعترافي المبكر بأنني أجهل طبيعة القصة منذ البداية. ككاتب شاب، كنت دائما لا أكف عن طرح أسئلة من قبيل من أين تأتي الكلمات؟ من يقول هذا؟ و صوت الراوي الذي يكون دائما تجل لضمير المتكلم في الرواية التقليدية كان يبدو لي أداة غريبة. لكنك إن توقفت لوهلة و فكرت في الأمر ستجد حتما أن هناك شيء غريب حيال ذلك الصوت الشبحي الذي يظهر و يختفي فجأة. كان أمر مربك بالنسبة لي لأنني أجهل منبع ذلك الصوت. كنت دائما منجذبا إلى الكتب الغريبة و المنطوية على ذاتها، لأنها تستدرجني إلى عالم اللاوقع، و من خلاله يأخذ الكتاب بيدي في العودة إلى الواقع، في هذه الحالة يصبح النص بمثابة بطل منقذ، إذا صح القول. تعتبر " مرتفعات ودرينغ " رواية من هذا النوع. و كذا " رسالة سكارليت " . إطار القصص في هذه الكتب بالتأكيد هو خيالي لكنه يعطي للقصص مدا للواقعية و المصداقية التي لم أجدها في روايات أجرى غيرها. تطرح العمل على أساس انه مجرد وهم من عمل المخيلة، الشيء الذي لا تنجح الكثير من أشكال السرد التقليدية في تحقيقه. ما إن تقبل كقارئ بلا واقعية المحاولة، حتى تبدأ واقعية القصة تعزز في نحو متناقض. الكلمات ليست منحوت على الصخر من طرف كاتب خفي على هيئة إله. بل إنها تجسيد لمحاولة جاهدة لإنسان من لحم و دم. لذا فعلى القارئ أن يصير شريكا فعلي في تكشف التدريجيً للقصة ليس عليه فقط أن يلعب دور الشاهد المنعزل.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Zac Hamza

أولاد تايمة , المغرب