أضيف في 3 شتنبر 2018 الساعة 21:18

جفاف الينابيع النقابيّة العربية


عبد الإله بلقزيز

على مثال ما أصاب العملَ الحزبيَّ من تراجُعٍ جرّاء فقدانه موردَهُ النقابيّ الطلاّبيّ، الذي كان كبيرُ اعتماده عليه لفترات مديدة، أصابَهُ الأذى عينُه من تراجُعِ حركة العمل النقابيّ العمّاليّ في البلدان العربيّة التي تمتّعت بشكلٍ ما من أشكال الحياة النقابيّة المستقلّة عن الحكومات والأحزاب الحاكمة. عاش العمل الحزبيّ العربيّ، لمدى من الزمن طويل، على تراكمات عمل الاتحادات والروابط الطلاّبيّة، من جهة، والنقابات العماليّة والمِهْنيّة، من جهةٍ ثانيّة، بحسبانهما ذخيرة استراتيجيّة حيويّة، ومستودعًا أو قوَّةً احتياطيّة قابليْن للاستخدام. ولعلّ ذلك كان شأنَ كل التجارب الحزبيّة في العالم؛ هذه التي لم تجد مهْربًا من تسخير عمل منظمات اجتماعيّة فاعلة أخرى لتزويد نفسها بِطاقةِ الاشتغال.
ومن المفهوم تماما أن يكون قد قام مبنى العمل الحزبيّ على تينك القوَّتين الاجتماعيّتيْن؛ فإلى أنه استفاد من عائدات نضالهما النقابيّ، بل واستدمجَهُما في مشروعه السياسيّ كقوّتيْ ضغطٍ اجتماعيّتيْن، ظلّ في مسيس الحاجة إليهما لتغذيّة نفسه من الداخل؛ هكذا زوّدتْه النقابات الطلاّبيّة ( الاتحادات والروابط) بحاجته من الأطر السياسيّة الشابّة، المتعلّمة، وزوّدتْه النقابات العمّاليّة والمِهْنيّة بالأطر والجمهور المحازِب الأعرض. ولم يكن صدفة أنّ الأحزاب السياسيّة حرصت، دائما، على حيازة موقعِ قدمٍ في النقابات، واصطرعت بينها على الإمساك بمقاليدها أو المشاركة في قيادتها، مثلما لم يكن صدفة أنها جنحت، في الأغلب من الأحوال، لتأسيس اتحادات طلابيّة ونقابات عمّاليّة ومهنيّة مُلحقَة بها؛ فالأمر يتعلق، هنا، بالحديقة الخلْفيّة والملعب الحيويّ للحزبيّة.
كان مألوفا، لدى مؤسّسات العمل الحزبيّ في بلادنا العربيّة، كما في العالم، أن تكون الاتحادات الطلاّبيّة والنقابات العمّاليّة في جملة ما هو مُتَوَسَّل من مؤسّسات اجتماعيّة في العمل السياسيّ؛ إذِ الأمر يتعلّق، في هذا المنظور السائد، بقوّةٍ اجتماعيّة ذاتِ تأثيرٍ نافذٍ في التوازنات الاجتماعيّة لا يمكن تجاهُلُ منفعيَّتِها حتى ولو كان على حساب شخصيّتها كمؤسّسات اجتماعيّة مطلبيّة وغير حزبيّة؛ ذلك أنّ المسألةَ السياسيّة، في عقيدة الحزبيّة، (هي) أمُّ المسائل جميعا، بل ليس للمسائلِ الاجتماعيّة والمطلبيّة من سبيلٍ إلى التحقُّق إلاّ من طريق السياسة. والأبْعثُ على الانتباه، في المعْرِض هذا، أنّ العمل السياسيّ الحزبيّ، في فترات كبْوِه وانحساره، لم يكن يجد طريقةً له للبقاء على قيْد الحياة إلاّ من طريق تحريك أدواته النقابيّة. ولقد مرّ على بلدان عربيّة كثيرة - منها تونس والمغرب مثلاً- حينٌ من الدهر لم يكن يَسَعُ الأحزاب السياسيّة فيها أن تنهض بالدور المنتظَر منها - لأسبابٍ سياسيّة وأمنيّة عدّة- فما كان منها إلاّ أن قامت به بالواسطة؛ عبر النقابات الطلاّبيّة والعماليّة والمهنيّة «(الاتحاد العام التونسي للشغل» في تونس، و«الاتحاد الوطني لطلبة المغرب» و«الكونفدراليّة الديمقراطيّة للشغل» في المغرب)، التي وجدت نفسَها تؤدّي أدوارًا سياسيّةً نيابةً عن الأحزاب والتنظيمات السياسيّة؛ كما في إضرابات العام 1978 (انتفاضة الخبز) في تونس، وانتفاضتيْ 20 يونيو 1981، ويناير 1984، . وما من شكٍّ في أنّ العمل الحزبيّ كان يجد لنفسه متنفسا، ومجْرى تصريفٍ، من قناة العمل الاجتماعيّ: الطلاّبيّ والعماليّ والمهنيّ.
لم يبق من عصر الحركة الطلاّبيّة والحركة النقابيّة إلاّ ذكرًى يبعث انصرامُها على الحسرة؛ انتهى عصر الأولى في مطالع الثمانينات من القرن الماضي، وانتهى عصرُ الثانية في خواتيم العقد عينِه، وبالتالي، لم يبْق للحزبيّة السياسيّة من الموارد ما تغتذي به، وكان ذلك سببا من أسباب اضمحلالها وضمور حجْمها في البنيان الاجتماعيّ. من النافل القول إنّ النهايات الدراماتيكيّة للنقابات العمّاليّة والاتحادات الطلابيّة تولّدت من متغيرات مشهد الإنتاج ومشهد المعرفة في المجتمعات العربيّة (والعالميّة)، منذ ثلث قرن أو يزيد، وفي قلب تلك المتغيرات نكبة الصناعة ونكبة التعليم. ولكن من البيّن أنّ المساهمين في تلك النهايات الدراماتيكيّة فاعلون كُثرٌ منهم الحزبيّون؛ الذين أساؤوا، أبلغ الإساءات، للعمل الطّلابيّ والعمل النقابيّ بالأخطاء القاتلة التي اقترفوها في إدارة العلاقة به، وفي قلب تلك الإساءات هدْرُهُم للاستقلال النقابيّ، ومنزِعُهم الهيمنويّ عليه!
قد يختلف المرءُ، المتشبِّعُ بحسٍّ نقديٍّ تجاه مسلكيّات الحزبيّة السياسيّة العربيّة، مع العقيدة القائلة بجواز تسخير العمل الحزبيّ للموارد كافّة، بما فيها العمل الطلاّبيّ والنقابيّ العمّاليّ، لمصلحته تحت عنوان مركزيّة العمل السياسيّ في أيِّ نضالٍ اجتماعيٍّ؛ وقد يرى في المسلك ذاك فعلاً انتهازيًا صريحًا يستدرج للسياسة والحزبيّة ما ليس منها من الموادّ والموارد والقوى؛ وقد يرى فيه - أقلاًّ- ممارسةً غيرَ متوازنةٍ للاختزاليّة السياسيّة ( اختزال العمل النقابيّ في العمل السياسيّ)، وهدرًا - غيرَ مشروع- لاستقلاليّة مستوياتٍ أخرى من النظام الاجتماعيّ، لكنّ الذي لا مِرْيةَ فيه أنّ الحزبيّة السياسيّة ما انتعشت يوما - هنا وفي العالم- إلاّ في علاقةِ اتِّصالٍ مستمرّ بغيرها من الفاعليّات الاجتماعيّة في محيطها، وفي قلبها النقابيّة.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب