أضيف في 2 شتنبر 2018 الساعة 20:49

ترجماتي


Zac Hamza
" أحيانا تتفاجئ و أحيانا أخرى تتوجس خيفة. لا تتوقف عن طرح أسئلة من قبيل، هل هذا كله متواري بداخلي؟ هل حقا لدي كل هذا مخبئ هناك؟ من أين يأتي كل هذا؟ "

مقابلة مع ماريو بارغاس يوسا
17 مارس 2016
الحوار : إلينا سوي
ترجمة : حمزة زكي

الجرأة، أو تلك الفضيلة التي ظهرت بواسطة أناس خالدون، هذا ما يسعني أن أصف به الكاتب ماريو برغاس يوسا ( بيرو ، 1936 ) الحاصل على جائزة نوبل للأدب. الكاتب الذي كرس حياته للعديد من الأنشطة بروحٍ فطنة. قدّر له أن يحيا حياة ملتزمة، كما يتطلب الأدب بالضبط، فهو لا يتردد عن التصرف؛ إذا ما استوجب الأمر، كتقدمه لترشح لمنصب رئاسة بلده البيرو سنة 1990. في الوقت الذي كان يؤمن فيه ان من واجبه الأخلاقي أن يكون ناشط فعّالاً في الحياة العامة كديموقراطي، لشجب الحكومات الشمولية أينما وجدت، أو حين صعد إلى الخشبة لأداء دور بسبب حبه الكبير للمسرح. باختصار، هناك أشياء كثيرة عن هذا الكاتب لكن لا يسعنا المقام لذكرها هنا...
فور وصولي وجدته في مكتبه مغرقا دراسة ما و هو محاط بالكتب من حوله، رفع رأسه و الابتسامة تعلو وجهه، فحياني بنبرة صوتٍ جميل ليست معهودة إلا في أناس ليما الطيبين، قائلًا : " كيف الحال ؟."
- إلينا : لما لا نفتتح المقابلة بالحديث عن روايتك الأخيرة، الزوايا الأربعة، التي ستقدم غدا؟ ماذا تعني لك هذه الرواية في هذه المرحلة من من عمرك و بالنسبة لمسيرتك الأدبية؟

- يوسا : حسنا، هذه الرواية ككل كتبي عمليا، حدث بطريقة غامضة جدا بالنسبة لي. كانت لدي فكرة و هي أن أكتب قصة عن الصحافة الصفراء، التي ليست سوى تلك الصحافة التي تلعب على العاطفة، و أعتقد أنها واحدة من العلامات التي طبعت زماننا هذا. إن الصحافة الصفراء باعتقادي توجد الآن في كل مكان في الدول المتقدمة و دول العالم الثالث على حد سواء. و هي الصحافة ذاتها التي لعبت دورا هاما في دكتاتورية فيجموري، حينما اعتمدها النظام الاحتشاد العاطفي لإكراه الشعب على المعارضة محاولة منه ضرب خصومه السياسيون عن طريق تلفيق الفضائح - و هي فضائح لا تمت بصلة حقيقة لمهنهم بشيء، لكن تهم حياتهم الخاصة، و هي ليس إلا محض تشهير مفتعل لتلطيخ سمعتهم و الحط من مصداقياتهم، و هذا شيء يعتمده كل دكتاتور ضد المنتقصين من قدره.

- إلينا : بدأت كتابك بوضع إيروتيكي غير مبرر.

- يوسا : أعتقد أن كيفية معالجة الكاتب لما يسمى إيروتيكية هو الشيء الذي يحدد إذا كانت الإيروتيكية فعلا شيء إنيق او قليل الذوق، قدرا أو بالغ الرقة. إنه الأسلوب و المفردات المنتقاة و المشهد بأكمله و كيف تلقاه القارئ ... لا أظن أن هناك وجود للإيروتيكية في مجتمع أو لذا شعب بدائي. الجنس ليي أكثر من متنفسٍ للغرائز المكبوتة. في الجنس يطغى الجانب الحيواني على الرقة و العنصر الأساسي فينا أيصاً. نشأت الإروتيكية في وقت ما من تاريخ الحضارة حين ارتقت الغريزة الجنسية لذا الإنسان من المستوى الحيواني و تسامت بتظافر اسهامات الفن و الأدب معاً. إنها عالم مصطنع منشأه فعل الحب. و هذا هو الإيروتكية الفعلية. لكن عندما يتخذ الأمر منحى الانحلال يصل حد الميوعة بسبب رداءة الأداء، وافتقارٍ للبراعة و الحرفية في الوصف و التجسيد، يمكننا الحديث عندها عن الإباحية. و على العموم أعتقد أن الإيروتيكية لها علاقة بالحضارة و بالعادات المجتمعية، بثقافة معينة تحاول تهذيب الغريزة الجنسية و جعلها أكثر نقاءً.

- إلينا : لابد إذا أن يجرنا الحديث لذكر فرويد هنا... هل تتفق مع مفهوم تسامي الغريزة .. كإبداع فني؟

- يوسا : طبعا، من دون شك. أظن انه كان محقا جدا حيال ذلك، كما أظن أنه كان محقا أيضا بشأن كون الجنس وظيفة أساسية للحياة، شريطة ان لا يكون مبالغ فيه و لا مقصر منه. فعلى سبيل المثال ، في الأدب و الفن عموما نجد الجنس يحضر بشكل ينجح في محو الباقي، يظهر بصورة مفتعلة و موغلة في اللاواقعية ، و لا يمثل للحقيقة في شيء. لست من من يروا أن منظور الجنس مهما لفهم كل أمور الحياة. رغم ان التحليل النفسي سلك هذا الاتجاه، و فرويد بصفته محللًا نفسيا تبنى الطرح ذاته ..لكننا علينا نحطات من عبقرية الرجل، لأنها شيء لا يقبل الجدل و لا يساور فيها الشك اثنان.

- يوسا : هل بإمكان الخيال تهذيب تجربة إيروتيكية بشكل يتخطى التجربة الواقعية ذاتها؟

- يوسا : أظن أن الخيال الخصب و رهافة الحس و الثقافة، هذه الأشياء كلها متظافرة بإمكانها أن تغني التجربة الإيروتيكية بشكل مذهل، لكن ان تصل حد تجاوز التجربة الفعلية، لا أعتقد ذلك. الواقع هو أغنى شيء موجود، أهم شيء هناك. صحيح ان خيالنا يسمح لنا ان نعيش حياة مصطنع و التي هي حقيقةً رائعة و مفعمة جدا، لكن لا أعتقد ان أي فنان يجرئ على القول أن ما أبدع أفضل من الحياة الواقعية.

- إلينا : هل تفاجئت يوماً حينما تعيد قراءة ما كتبته، و استغربت متسائلا كيف يعقل انك انت هو من كتبه؟

- يوسا : أجل، كنت دائما أتفاجئ حين أكتب. بل سأكون صريحا إن قلت ربما للمرة الأولى؛ إن اكثر اللحظات إثارة و التي اجد فيها نفسي متحفزا هي حين انكب على كتب قصة ما و تبدأ الأشياء تبرز من تلقاء نفسها دون سابق اعتبار. فعلى سبيل المثال في روايتي الزوايا الخمسة ، كانت هناك شخصية أردت لها في البداية ان تكون شخصية ثانوية، غير مأثرة، إلا ان ما حدث سبق ان حدث في عديد المرات، هو أنني كلما تقدمت في القصة ، تأخذ الشخصية في التبلور و تكتسب قوتها فارضة نفسها و سطوتها علي، بمبادرة منها، و قررا حاسما بأن تأخذ حيزا كبيرا لها في الظهور، فجأة تصبح الشخصية مفعمة بالحياة، أعتقد ان هذه هي أكثر اللحظات سحرية في الكتابة.

- إلينا : ما هي العقبات التي عليك التغلب عليها في عمليتك الإبداعية؟

- يوسا : حسنا، ربما أكبر عقبة بالنسبة لي هي الثقة في النفس، خلافاً لما قد يظنه البعض، هذا لا نني أكون قد قضيت مدة طويلة و أنا أزاول الكتابة باستمرار، و أنه نشر لي عدد من الكتب. لكن ما غاب عنهم أن هذا كله حال دون ان تعزز ثقتي بنفسي، بل على النقيض تماما، إذ الأمر زاد من حس عدم الأمان لدي. ربما ذلك بسبب النقد الذاتي الكبير الذي أمارسه على نفسي او طموحي الذي يكبر. لكن إحساس اللاطمأنينة الذي امر به حين أشرع في كتابة عمل ما سواء كان قصة او مسرحية أو مقالة حتى، هو أكبر من الذي مررت به بعد انتهائي من أولى أعملي. إنني أعلم يقينا أنه بالمثابرة و العمل الدؤوب بإمكاني قهر هذا الافتقار للثقة نهائيا.
- إلينا : أفترض ان الكتابة بالنسبة للكاتب هي اسلوب حياة. فانت تلاحظ و تحلل كل شيء بشكل مختلف .. أين برأيك تكمن هذه الفوارق؟

- يوسا : سؤالك يحيلنا الى شيء مشابه لما قاله فلوبير " الكتابة هي أسلوب عيش. " أعتقد ان ذلك غاية في الدقة . رغم أن الأمر يختلف من كاتب لآخر، وهذا في نظري لأن الكاتب لابد له ان يتصف بالتكريس و بالتفان في ما يقوم به، هذا يعني أن يحمل بداخله نوع من روحٍ الجاسوسية و هذه الروح تمكنه من اختبار و أخد دوراً في الحياة الواقعية ، مع الأصدقاء و الأحباء و الإخفاقات في الحياة الواقعية، هناك أحد ما داخليا يراقب هذا كله و يقرر، أنه سيكون من الجيد ان تستعمل هذه الأشياء المعاشة كمادة أولية لعملٍ له ككاتب.

- إلينا : في حالتك، ما الشيء الذي أثب انه مخصب لإلهامك الأدبي هل هو المعاناة أم السعادة ؟

- يوسا : برأي مذهل أن يختبر المرء السعادة. و لكن لا أظن أنها ما تزال المادة الخام، على الأقل في عصرنا هذا، ربما قد يكون ذلك في الماضي أو في عصور ما خلت، لكن في وقتنا هذا يعد فتيل الإلهام في الادب و الفن و الإبداع عموما هو المحنة و شعور السلبية و الخوف و الألم، أكثر من الحماسة و الإثارة و السعادة .. حسب رأي هذا هو السبب الذي جعل الفن بطريقة ما يشمل على الطابع الدراماتيكي و المأساوي، إذ انه ليس أداب او فن ذا قناعة أو تقبل للحياة كما هي. بل على النقيض تماما، اعتقد ان هناك روح متمردة قوية جالية جدا في كل مظاهر الفن في عصرنا و هذا أساساً لأنه في واقع الأمر استلهم من ما هو سلبي أكثر من ما هو إيجابي في الحياة.

- إلينا : ربما لأن الإبداع الفني هو السبيل لتسكين الألم، و سبيل لتصريف المشاعر السيئة ..

- يوسا : بالضبط، إنها الطريقة لتعبير عن نوع من الإحباط أو عن استياء أو حتى عن حنين لشيء ما لا تملكه.

- إلينا : و هل بإمكان المرء أن يشعر بتحقق ذلك بواسطة اية لغة فنية كانت، رسماً أو كتابة؟

- يوسا : يعتبر الفن شكل من أشكال المعرفة، فهو يساعدك على فهم الحياة التي تعيشها بعمق، و أن تراها من زوايا تبدو منها في أكثر صورها تعقيدا، لأن هناك دائماً مسافة قصيرة بين المرء و الحياة التي يعيشها. لكن الفن يزودك بذلك المنظور الأوسع، ذلك الأفق الرحب، الذي يجعلك قادرا على فهم العالم كما هو عليه، لتفهم الدوافع و البواعث الكامنة خلف السلوك البشري. إن ذلك الوصف لواقع بالغ السرية خلف ما نرى هو ما يوفره لنا الفن أكثر من التاريخ و السوسيولوجيا و أي علم من العلوم الاجتماعية الأخرى.

- إلينا : هل باستطاعة الفرد الشعور بتحقق ذلك؟

- يوسا : في الواقع ذلك يبدو في النهاية كتطهير للعواطف، فانت تصبح كمن يزيح من على نفسه حملا ثقيلا، الا انك لا تدرك ماهية هذا الحمل و لا كيف يبدو إلا عندما تعبر عنه بالأدب و الرسم و الموسيقى و أي شكل آخر من أشكال الإبداع. قد يكون الأمر مؤذٍ أو غير محتمل لكن انت لا تعلم لماذا. و هذا حسب اعتقادي واحدة من غرائب الفن، أي أنه يجعلك قادرا على التلفظ بكل ما هو لا مؤكد و محير و مصدر قلق. إنه أمر مذهل ان ترى كيف يعطي الفن لهذه الأشياء شكلا و يجعلها قابلة للوصف .. قد تمر عليك أوقت، يبادرك فيها ذاك الإحساس او تلك الأمزجة التي لا تعرف مصدرها، لربما يعاني المرء الأمرين من تلك الأمزجة التي قد تكون ملازمة لطبعه، لكنه يفتقر لتفسير عميق لها، برأي هذا سوف يتضح فقط عندما يجعلك الأدب و الفن تقف على جانب و تقدر الحياة بكل مشاعرك و غرائزك و حدسك . أحسب أن واحد من أهم أدوار الفن في حياتنا هو ان يصور اعماقنا و كل ما هو سري بداخلها.

- إلينا : و ربما انت نجحت أخيرا في الاقتراب أكثر من نفسك و معرفتها على نحو أكبر عن طريق التعبير عنها - قد يكون هذا الشيء الذي قلت لا تعرفه كان مصدره اللاوعي و بشكل لا غريزي - لكنك تمكنت لاحقا من معرفته.

- يوسا : أحيانا تتفاجئ و أحيانا أخرى تتوجس خيفة. لا تتوقف عن طرح أسئلة من قبيل، هل هذا كله متواري بداخلي؟ هل حقا لدي كل هذا مخبئ هناك؟ من أين يأتي كل هذا؟ بالتاكيد " هذا يأتي من مكان ما دخلي". الأعمال الفنية تعد سير حياتية للكاتب لكنها مدسوسة على نحو مبعثر و غاية في السرية، و ربما الأعمال الأدبية أكثر من الأشكال الأخرى لأنها أكثر وضوحاً و أكثرها صراحة، و لأنها لا تشمل أسلوب الرمزية كالموسيقى مثلا، رغم أنها هي الأخرى تتضمن سير لكن على نحو أكثر تجردا. الأدب لا يصل حد التجرد، بل مباشر و ملموس. إنه الصورة المقطعية لدخلة الإنسان، لطبيعة الإنسان و شرطيته؛ الواحد قد يتوجس خيفة من المسوخ التي تبرز من داخله، لكنها ليس إلا كمسهل، و انت متحرر منهم في الوقت ذاته.

- إلينا : إنه أسلوب صحي جدا للعيش. لكن كإنسان لاأدري، من اين تستمد القيم الروحية التي جلبها الدين للمؤمنين؟

- يوسا : أعتقد أنني أستمدها في الثقافة و الفن و الأدب، هنالك نوع من القيم الروحية تتمظهر في هذه الأشياء، إنها ذاك الشيء الذي ينتزع منك اليقن بوجود ذلك البعد الروحي الذي لا يجد البعض إلا في الدين. أعتقد ان اللاادري ليس من الضروري أن يكون إنساناً مادياً إلى أبعد الحدود. يمكنك أن تعيش حياة روحية بشدة إما من خلال الفن، او الثقافة أو حتى من خلال الاعتقاد بالعلمانية حتى. كل لاأدري يكون لديه قلق ما، حينما يواجه تلك الفكرة الجائرة قولاً " حسنا، هذا كل ما هنالك، عندما تنتهي الحياة، ينتهي كل شيء آخر". تصبح الأمور بعدها مفاجئة و أكثر غرابة، كأن تلتمع فكرة الإله، و فكرة وجود حياة بعد الموت. إن الاعتماد كليا على العقل وحده لتفكير في الماوراء أمر صعب، و كذا التفكير في أن هناك بعد آخر ...

- على ذكر فكرة الموت، كيف يمكن للأدب يحارب أفكار الموت؟

- إن قوة الأدب تكمن في انه يسمح لنا بأن نحيا حيوات عديدة، و هذه واحدة من أعظم ميزاته .. إذ ينتشلنا من واقعنا و يجعلنا نعيش في عوالم رائعة، و حيوات غنية بكل ما هو مثير، نغوص مغامرات في عوالم غير عالمنا، و نحن نتقمص شخصيات كثيرة، نختبر نفسيات مختلفة و عقليات متباينة .. إنه إغناء مذهل للحياة. إلا أن الأدب في الوقت ذاته ليس شك ضمان على السعادة؛ بل العكس ما يحدث أحيانا، بطريقة ما، فهو يحولك إلى شخص حزين لأن من خلاله تفهم أن هناك حيوات أغنى من حياتك. فانت تصبح واعيا بحقيقة انك قليل الأهمية ..

- إلينا : أنت تحتفظ بكثير من ذكريات الطفولة. هل الطفولة بالنسبة لك شيء متذكر التفصيل أم هي مجرد استعاد لأحداث متقطعة نعيد تركيبها بالخيال؟

- يوسا : حسنا، أعتقد ان المرء يتذكر إذا كان هناك ذاع ما لذلك، لأن الذاكرة خداعة جدا، و انتقائية جدا. ذاكرتنا تمحي و تضيف أشياءا كثيرة، لأن ذلك يساعدك على العيش. لا أعتقد أن الذاكرة موضوعية تماما لنعتمد عليها، رغم انها مخلصت لنا إذ تعلق الأمر بمطابقة من نكون، لأن حتى التحويلات و التعديلات التي تُحدثها النوستالجيا و الخيال هي أيضاً صورة لمن تكون، لما انت مفتقر إليه، لما تود أن تملكه و لكنه في الواقع ليس بحوزتك، هذا التمرين الذي توفره الذاكرة هو شيء أساسي على الأقل بالنسبة للكاتب. في الواقع الأمر فرويد قال أن السنوات التي يمكن ان تتأسس عليها شخصية الفرد هي كل من مرحلتي الطفولة و المراهقة.
- إلينا : ماذا يعني الحب في حياتك؟

- يوسا : الحب كذلك شبيه بالأدب، فهو يغني الحياة بشكل مذهل. أما كيف يحدث ذلك فهو أمر يصعب وصفه. الحب هو الشيء الذي يعاش و يمارس و باب الخصوصية مغلق... هو تلك العلاقة التي يكتنفها الكثير من الإجهاد - ربما هي أهم علاقة نشأة بين الكائنات البشرية - فهي في حاجة إلى حميمية كبيرة، و في الآن ذاته تحتاج إلى نوع من الكتمان كي تكون مصونة، لأنها ما إن تصبح علانية، تنحط، و تصير مبتذلة، أليس كذلك؟ لكنها أهم تجربة يمكن للمرء اختبارها، كل شيء يكون مختلفا عندما تعيش شغفا كبيراً: الأشياء تبدو أفضل مما كانت، كل شيء يكون جميلا، و انت نفسك تواجه الحياة بفتائل، فقط الحب هو ما يمكنك من ذلك. إنها تجربة ضرورية و مفعمة، و لكن في الآن ذاته، هي بالتأكيد مصدر عناء كبير. لأن المأساة تأتي من الحب أيضاً، من تجاب حب حزينة. لأن النزوع الى الرومانتكيية هي كثيرا ما تكون نتاج علاقة هي بدورها صدام مع الواقع. و مع ذلك كله لا أظن ان هناك أحد يرغب في الاستغناء عن الحب. رغم أن كوننا نعي ان للحب نتائج مفجعة - و أحيانا مريعة -. لكن لا أحد مستعد تمام الاستعداد للاستغناء عنه. لأنه إن تخابر تلك التجربة، تكون قد تمررت من أم التجارب، أغناها و أكثرها إجهادا و أهمها على الطلاق.

- إلينا : ما معنى الحب في سنك ؟

- يوسا : لا أعتقد أن لسن صلة تأثير كبير على الحب. حسناً، رغم ان حب شخص صغير يكون مغرق في المثالية، و أكثر طهرانية و براءة. فيما حب الشخص الناضج هو بطبيعة الحال ناجم عن الكثير من التجارب المتراكمة، التي عاشها بحكمة و معرفة أفضل للواقع. لكن بعيدا عن تلك الفروقات كلها، أعتقد أن الابتهاج بالنفس و الفرح و الشعور بالتفائل في الحياة هي ذاتها الأشياء التي تحصل عليها من الحب عندما تكون يافعا.

- لنتحدث عن كتابك " civilization of spectacle " هل تعتقد ان الثقافة الرفيعة لم تعد تتوق لتغير العالم؟

حسنا، ما أظنه هو أن الثقافة الرفيعة قد أخذت بالتلاشي. و هذا في رأي إنذار بالمأساة القادمة - و هذا من الأسباب التي دفعتني إلى كتابة ذلك المقال المطول - إنما الثقافة الرفيعة هي بالتالي نخبوية طبعا. إنها شيء مخصص لأقلية، و من السذاجة بمكان الاعتقاد أن هذا النوع من الثقافة في متناول الجميع. لأنه ليس لدى الجميع الاهتمام و الفضول و الصبر و الانضباط الذي تتطلبه الثقافة الرفيعة.
من جهة أخرى، فأن فكرة كون الثقافة التي يصل إليها الجميع هي جيدة. من ذا الذي يمكنه رفض ذلك؟ غير ان في الآن ذاته، إن كان هذا يعني - من سوء الحظ أن الأمر في وقتنا هذا يسير في هذا النحو - ان تلك الثقافة، من أجل ان تكون في متناول الكل، يجب ان تصبح سخيفة المضامين، و مفتقرة لكل ما هو جدير بالمعرفة، و لا تصبح سوى تمضية للوقت، أي شكل من أشكال التسلية لا غير، عندها تكون النتيجة سلبية بوضوح.
أعتقد ان هذا أكبر عيوب التعليم في عصرنا هذا. التعليم في أيامنا هذه لا يعطي الثقافة الرفيعة الأهمية بقدر ما ينظر إليها بازدراء. إن فن الإبداع او التفكير يتطلب النظر إلى الماضي، لأن الحاضر يرسم منظرا قاحل في هذا الصدد..

- ما الدور الذي تظنه منوطاً بالمثقفين في الحياة السياسية الحالية؟

- انظري، أنا انتمي لجيلٍ تأثر بشدة بأفكار التتار الوجودي الذي كان سائدا وقتها، رغم انني استطعت التخلص من سطوة فكر جان بول سارتر و لي أراء نقدية في أعماله، إلا أن فكرته حيال التزام الكاتب أو المثقف لزمانه و واقعه و مجتمعه أجدها صحيحة تماما، إذ لا يمكن للمرء أن يكتب أو أن يرسم أو يألف معزوفة موسيقية مستغنيا عن كل مشاكل العالم الذي يعيش فيه، إنه أمر ملح - خاصة إذا كان يؤمن بالديموقراطية - أن يشارك الجميع في إيجاد الحلول للمشاكل، و توفير إجابات لأسئلة يطرحها المجتمع لأجل إيجاد نظام يمكن للمرء التعايش فيه بسلام مع الآخرين، متقبلا إخلافاتهم و غرائزهم ..
و علاوة على ذلك، فهذا أساسي، أعتقد أن الأدب و الفن الحقيقيان عليهما أن يتطرقا لهذا الأمر. إن معضلة حاضرنا هذا هي أن الصورة اكتست أهمية أكثر من الأفكار. إن التكنولوجيا الهادفة لا تكفي و و حضور الأفكار في النقاشات الاجتماعية مهم جدا لنفهم مشاكل الإنسان. لكن ما حدث في عصرنا هذا هو أنها أُبعدت و استبدلت بالشاشات و الصور.

- لأنها تحتاج لمجهود أقل.

- صحيح أنها تحتاج لمجهود أقل، إلا أني اظن ان الأمر لا يجب ان يكون على هذا النحو، إطلاقا. ليس هنالك قانون تاريخي يقود المجتمع إلى ذلك الاتجاه الذي نسير فيه. رغم ما للتكنولوجيا من أهمية - و هذا أمر لا ريب فيه - إلا اني أظن أنه أمر ضروري ان تستمر الأفكار في لعب دور الريادة في حياة المجتمعات، هذا ما لم تكون نشأ أن نصبح مجتمعاً من الروبوتات. لابد لي أن أشير هنا مرة إلى أرويل، الذي كان متبصرا حيت تخيل العالم أصبح تحت السيطرة التامة لتكنولوجيا، فصار عالم استبدادي. كجمهورية أفلاطون، ألا تعتقدين ذلك.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Zac Hamza

أولاد تايمة , المغرب