أضيف في 2 شتنبر 2018 الساعة 14:23

هل هناك دولة خارج الدول ؟


رشيد اليملولي
هل هناك دولة خارج الدول ؟.
قد تتباين المعايير التي يعتمد عليها في تأسيس الأنظمة المؤسساتية ، و قد تختلف صيغ و طرائق بناء الدول تبعا لمستوى و درجة تبحرها في الحضارة ، و الاستبحار في العمران بتعبير ابن خلدون ، و السياق الذي يحكمها ثقافيا و مؤسساتيا و فلسفيا ، و قد لا يعني غياب قاعدة أو مبدأ خروج هذا النوع من الدول ، أو ذاك من المجتمع الإنساني بقواعده الإنسانية ، و ليس القواعد المتعارف عليها في إطار الصراع الدولي .
اختارت بعض الدول لنفسها مسارا ، لا يعتمد بالضرورة على البعد الحقوقي ، باعتباره مؤشرا على الرقي الحضاري ، و إنما سعت نحو التطور و التقدم بناء على الآلية الاقتصادية فحسب ( الصين مثلا ) ، و رمت دول أخرى السعي نحو الأفق التنموي بالجمع بين النموذج الاقتصادي و الحقوقي ( اليابان ـ ألمانيا ) ، و هناك دول يصعب تصنيفها و تصنيف تطورها ، و معيار اختياراتها التنموية و الحقوقية ، التي تقاس بالثمن الحضاري في مستوياته المتعددة ، و نعني به درجة الإسهام في الموروث العالمي ، و تسنم المواقع الريادية في مجالاته المختلفة ، أملا في المضاهاة و المنافسة و الندية ، النابعة من فلسفة و تصور قيمي ، و ليس هاجسا عسكريا أو تقنيا ، يحصر التطور في هذين البعدين ، و اللذان يدافعان عن هواجس الأنا دون الشعب و الوطن ، و المنافع المرتبطة بذلك .
بيت القصيد في التساؤل المومأ إليه في العنوان ، محاولة تقدير قيمة البلد و مقتضيات بناء فلسفته التطورية ، و استحضار أسسه الثقافية و التاريخية المتحكمة فيه .
إذا كانت الصعوبة تتأتى من غياب مقاييس جاهزة ، لتقييم درجة التطور و النمو على المستوى العالمي ، و إن كانت هناك تجارب يعتد بها ، فإن الصعوبة تزداد من خلال آلية إسقاط نموذج على آخر ، تبعا لاختلاف الأنساق المتحكمة في هذه الدول ؛ النموذج الأوربي متباين بطبيعته بيم دول الشمال والوسط و الجنوب و الغرب ، طبعا على مستوى التنمية ( السويد ليست إسبانيا و النرويج ليست البرتغال ، و إيطاليا ليست بريطانيا ).
بناء على ذلك هل هناك نموذج افريقي أو إسلامي ؟
إن تاريخ الدولة في المغرب غامض غموض أفقه و حاضره و ماضيه ، لسبب جوهري هو أن تاريخ هذه الدولة غير مكتوب بالطريقة العلمية المتعارف عليها ، و كل ما هو سائد تاريخ مؤول بشكل رسمي حتى ينسجم مع توجهات تصور السلطة و رؤيتها للسياسة و للمجتمع، على الرغم من بعض الحالات التي تحاول رغم الصعوبة أن تكتب تاريخ طاله النسيان ، و تطاولت عليه أسنة الرماح و السيوف و الفتاوى ، حتى لا يكتب في تنوعه و رحابة معطياته ، و حتى لا يكتب بشكل موضوعي .
إن سيرورة تشكل الدولة هي سيرورة التعامل مع الأزمة و ليس الحالة الطبيعية للدولة ، أي تأمين المرحلة و ضمان انتقالها السلس البعيد عن المعطى الثوري في بعديه السياسي و العلمي و الفكري و الثقافي ، و هي أزمات تعني خصاصا مهولا في الوعي بمفهوم الدولة ، و حصرها في خاصية القبيلة أو الدم بأقنعة و مساحيق مؤسساتية ، لا تغير البنى ، و إنما تنوع من الدمى و الأشكال و الأشخاص ، فكل ما نلحظه في التجربة المغربية استدامة الأسلوب المخزني في الوعي و الممارسة ، أي الاعتماد على الزبونية القبلية ، و النسيج الاجتماعي و السلطوي الدائر في فلكها ، و تقوية هذا المنحى أسلوبا و خطابا و مضمونا ، لدرجة أصبح معها المغرب تعبير عن تاريخ فشل المخزن بما يعنيه من منظومة مرجعية في " الفكر " و الممارسة ، و لا نعدم القرائن الدالة على ذلك ؛ من غياب مشروع ثقافي و سياسي و اقتصادي و اجتماعي ، و فوق كل هذا و ذاك ، غياب مفهوم الفرد المغربي بالمواصفات السوسيولوجية المعروفة ، فالولاء لا ينبني على الإخلاص للوطن و قيمه ، و إنما يهفو نحو شخصنة السلطة نظرا للمنافع المرتبطة بها ، و ليدها الثقيلة التي تعمل تأبيد العنف باسم الجماعة و الدين ، و حصر الاختلاف في هوامش شكلية و ظنية ، لا تغير من طبيعة السلطة إلا لتجديد قنوات مشروعيتها ، و هذه بعض العوائق الدالة على الضعف في إخراج نموذج للفرد الذي تتغياه الدولة ، و معنى ذلك في المستوى البعيد غياب مشروع حضاري ، و قدرة على الفهم الأسلم لمفهوم الدولة و مقتضيات تطورها ، و لا حاجة للتذكير هنا بظاهرة الهجرة السرية في مرحلة معينة من تاريخ المغرب ، و ظاهرة اليأس في بداية الألفية ، و ثقافة التيئيس في الفترة التي نعيشها ، تخترق هذه الظواهر الظاهرة الأكثر عمقا و ألما و هي هجرة الأدمغة ، التي تعني نزيفا بشريا لا يختلف عن ظاهرة الطاعون و الجفاف و الكوارث الطبيعية ، فهو بالضرورة أكثر عنفا منها ، لأنه ببساطة يعني الإنسان و تكوينه و الاستثمار فيه .
قد يعترض البعض بأن بناء الدولة ليست مسألة جيل أو جيلين ، إذ هو زمن يخطئ و يتعلم ، حتى يستوي ليعبر عن حاله و طموحه و أفقه . نبادر إلى القول بأن الإمكان أحيانا و المتاح في غالب الأحيان ، قد يغنينا عن المرور من محطة إلى محطة زمنا طويلا ، و هل من الضرورة أن نستغرق زمنا طويلا حتى نتطور و نبني دولة ؟
القول بفشل دولة هو قول مزدوج ، يستبطن فشل تصور معين و منظومة محددة ، تسيدت الساحة و الفعل ، و بين فرد يرى في الدولة هيكلا تنظيميا فارغ الروح ، و جهازا ضريبيا و قهريا لا يرحم تحت ذريعة العنف المشروع ، و ازدواجية الأزمة هنا لا تعني إلا سيادة تصورات أحادية ، تقبر الإمكانات المتاحة و الأفكار الخلاقة ، التي يحويها التعدد المغربي و التنوع الخاص به .
إن جزءا كبيرا من تاريخ الدولة في المغرب ، هو الآلية التصورية و العملية ، التي استحضرت البعد التقني في بناء الدولة دون الروح و الفلسفة ، و همشت فيه باقي القوى الحية المختلفة ، و استعانت في سبيل تقوية نسيجها السياسي و الاجتماعي ، بآلية فقهية أردت كل اختلاف في وجهات النظر ، تمهيدا لدخول الشياطين و فرسان الفتنة ، و من ثم أضحى فعل و فلسفة الدولة في الحكم ، هو نتيجة طبيعية و مسار كتب منذ الأزل ، من يعترض عليه أو ينتقده ، كأنما يعاند إرادة الله ، و هي في العمق ليست إلا إرادة المخزن ، و جيشه الاجتماعي بمختلف تلاوينه .
إن الحديث عن المنجز و المعيش في ظل الدولة الفاشلة ، طبعا في مؤشرات التنمية و السعادة و الأمن بعناوينه الكبرى ، هو آلية منهجية لتنويم الإمكان و تسييجه بكل الأعراف القانونية و غير القانونية ، الأخلاقية و غير الأخلاقية ، حتى يغدو خيرا ، و المطالبة بتطويره و إغناءه و تنقيحه و تقويته ، تجاسرا على هيبة الدولة و رمزيتها ، و في أحسن الأحوال رأيا مباحا نحترمه و نقدره بتركه ، لا محاولة استثماره و توظيفه .
بناء على كل المواصفات السابقة ، لا نستطيع في حدود فهمنا ، أن نعرف المسار التنموي المغربي ، الذي تختلط فيه التقليدانية بالحداثة ، و العلم بالشعوذة و الجهل ، و الفن بالفوضى ، و الليبرالية بالاشتراكية ، و الإسلام بالعلمانية ، و السياسة باللاسياسة ، كل هذه الازدواجية تبشر بأننا بصدد الفشل الذريع لبناء النموذج المغربي الذي له سمته الخاصة في سلم القيم الدولية .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب