أضيف في 2 شتنبر 2018 الساعة 10:56

التلميذ المغربي بين الوطنية والدولية


نورالدين البودلالي
من المثير جدا أن تخلق المدرسة المغربية كل الشروط الممكنة لخلق الارتباك والظروف الخصبة لإضعاف المستوى التعليمي-التعلمي فيها. لعلها لم يكن هذا قصدها الحقيقي، لكن كل مؤشرات تدل أن النتيجة لا يمكنها أن تكون إلا مضرة لصحة التعليم بالمغرب بعد حين من الزمن. واسأل المجرب لا تسأل الطبيب. لقد علمتنا التجربة أن مسألة التعريب ظلت البند الذي ظل يترنح بها، ولم ينجح في التحقق على المستوى التطبيقي، وظلت جودة اكتساب اللغة هي الأضعف حسب دراسات متعددة. حقيقةً، الأملُ الآن هو أن يظل النظام التعليمي مستقرا على حال: إما معرب أو مزدوج اللغة، فحيرة التلاميذ بين الوضعين، ضمن وضعيات تعليمية أخرى مختلة، تتجلى واضحة على المستوى المرتفع لتسرب المتمدرسين.
قبل سنوات قليلة خرجت الوزارة المعنية بإجراء جديد على مستوى الثانويات، الأكيد اليوم أنها تسير نحو تعميمه. سيكون على تلاميذ المغرب أن يتوزعوا داخل الوطن الواحد، داخل المؤسسة الواحدة إلى صفين: دولية ووطنية. ففي نهاية السنة الفارطة، موسم 2017/2018، توصل مديرو الاعداديات، وللمرة الأولى، بملفات التلاميذ الناجحين في الامتحانات الإشهادية للمستوى السادس، موزعة إلى "وطنية" ودولية. الفئة الأولى ستدرس بشكل عادي حسب توزيع زمني يدرس المواد العلمية: الرياضيات، الفيزياء والكيمياء وعلوم الأرض بالعربية، أما الفئة الثانية فستدرس هذه المواد باللغة الفرنسية. نفس المؤسسة، نفس الأساتذة سيدرسون الفئتين: بالمؤسسة سين (x) سيستقبل زيد الفئة "الوطنية" ليدرسها مادة الرياضيات بالعربية، وفي الحصة الموالية سيستقبل الفئة الدولية ليقدم نفس الدرس باللغة الفرنسية. من المتضرر من هذه العملية؟
لا أعتقد البتة أن هذه العملية ستمر دون نتائج سيكولوجية على التلميذ الذي سيخضع لهذا التمييز. بطبيعة الحال الوضع السيكولوجي للفرد المغربي هو آخر ما يمكن أن تفكر فيه الدولة. مالنا غادي ناكلو منو النص. لا، بطبيعة الحال، فقد كان أبوه ولربما جده، إن كانا قد دخلا المدرسة، حقلا لتجارب مماثلة، فما المانع أن يمر هو الآخر بذلك.
كيف تم اختيار التلاميذ "الدوليين" لركوب هذه التجربة؟ أولا اعتمادا على معدلاتهم في تحصيل اللغة الفرنسية، ثم بملء استمارة يحدد، التلميذ أو ولي أمره، اختياره النهائي. هنا سؤال: ألم تشتكي وزارة التربية الوطنية المغربية نفسها من تحصيل تلامذتها للغتين العربية والفرنسية؟ ألم تُنشَر نتائج دراسات عالمية ترتب التحصيل المدرسي المغربي برمته في مستويات دنيا؟ كيف نثق، إذن، في هذه المعدلات لتفيئ هذه الأفواج؟ ثمة شيء غير مفهوم.
أكثر من ذلك، إذا حدث واكتشف تلميذ، ولن يكون واحدا بالتأكيد، أن مستواه في اللغة الفرنسية لا يناسب وضعه ك"دولي"، ورغب في الرجوع إلى طبعه ال"وطني"، فهل تسمح منظمة النقد الدولي له بالعودة عن غيه، ليربك كل الأرقام المسجلة على جميع مسالك الإدارات الوطنية والدولية؟
سيكون من غير المعقول، بل من العبث، الحديث عن تحقيق تساوٍ في فرص التحصيل بين التلاميذ: فبجرة نزوة، إذا اعتبرناها نزوة مسؤول، يتم تفيئ التلاميذ إلى فريقين، الثاني المعتبر دوليا يبدو أنه أكثر حظوظا في الترقي الاجتماعي. ومع أن هذا افتراض فقط السنوات القادمة قادرة على إثبات أن الدوَلانية سيتم التراجع عنها، نقول إن كنا نعلم أن معاهد التعلم العالي قد رفعت سقف معدلات التسجيل بها، مع اشتراط التمكن الفعلي من اللغة الفرنسية، وإن علمنا أن تلقي المواد العلمية من قبل التلميذ "الدولي"ين سيمكنهم من تعزيز اكتسابهم للغة الفرنسية، وإن علمنا أن وضعية الاختيار والتمدرس ضمن فئة محظوظة، لقلنا أن هذا سيكون دافعا قويا للتحصيل، فهي فئة، على كل، تشعر بالتميز.
إن تفيئ التلاميذ إلى وطنيين ودوليين، لا تعكس بالتأكيد افتراض التفتح على الثقافات العالمية، فهذا له وجود فعلي من خلال تعلم التلميذ المغربي للغات العربية والأمازيغية والفرنسية والانجليزية والاسبانية والإيطالية، ولربما سيحصل قريبا تعليم اللغة الصينية، بقدر ما يكرس الشعور بقوة اللغة الفرنسية وفتحها للأفاق المستقبلية في الشغل، وتنمية مشاعر البغض نحو كل ما هو وطني.


[email protected]










قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب